قضايا وآراء

قمة لمّ الشمل أم قمة الفرقة والانقسام؟!

أميرة أبو الفتوح
1300x600
1300x600

عُقدت القمة العربية الحادية والثلاثين، بعد غياب ثلاث سنوات وعام، فلقد كانت غائبة هذا العام أيضا ولم يشعر بها أحد، لتكمل غياب السنوات الفائتة ولتلحق بها أعوام قادمة من قمم أخرى سرية، لم يعد يهتم بها أحداً.. قمم عفنة من جامعة أُعلنت وفاتها منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ودُفنت إبان الثورة السورية الجريحة والاحتلال الروسي الإيراني لسوريا، والغزو السعودي لليمن، والصراع الدموي في ليبيا، وشُيعت جنازتها أثناء العدوان الصهيوني المستمر على قطاع غزة، وتدنيسه للمسجد الأقصى وتهويده للقدس، تزامناً مع التطبيع العربي الصهيوني، الذي لم تنبس الجامعة ببنت شفة فيه ولم تجرمه، ولا لوم عليها فالموتى لا يتكلمون، ولقد احتفظ برفاتها حكام الأنظمة المتصهينة!

نعم، لم يُعرف عن الجامعة العربية يوماً فاعليتها في أية قضية عربية، ولم يكن لها موقف حازم تجاه اعتراف ترامب بالقدس الموحدة عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ولا بضم الجولان السوري إلى الكيان الصهيوني، ولم تحل أي خلافات بينية بين الدول العربية، بل كانت تسهم في تأجيجها، وتشعل وتيرة الصراعات العربية، طبقا لسياسة المحاور التي تسيطر عليها، وعلو أو غلبة محور على آخر، خاصة بعد أن أصبح محور "الثورات المضادة" هو الغالب، وأصبحت السعودية والإمارات، بما تملكان من مال، هما المسيطرتان عليها، وتتحكمان في قراراتها.

لم يُعرف عن الجامعة العربية يوماً فاعليتها في أية قضية عربية، ولم يكن لها موقف حازم تجاه اعتراف ترامب بالقدس الموحدة عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ولا بضم الجولان السوري إلى الكيان الصهيوني، ولم تحل أي خلافات بينية بين الدول العربية

وطبقاً لمقولة "على قدر نقودك يكون نفوذك"، تغيرت المعايير وقلبت الموازين، وانحرفت البوصلة عن الثوابت التاريخية للجامعة، فمُحيت كلمة العدو الصهيوني من قاموسها، حتى بتنا نترحم على بيانات الشجب والإدانة التي كانت تصدر عنها، عقب كل عدوان صهيوني، والتي كانت مثار سخريتنا وتهكمنا عليها!

لقد كانت الجامعة العربية في بداية عهدها (نظرياً) عنواناً جامعاً للدول العربية، على الرغم من عدم فاعليتها في أي من القضايا الحيوية التي تهم الأمة، لقد كانت تعبيراً حياً عن الضمير العربي، والتي كانت القضية الفلسطينية أقوى دعائمها وأهم ثوابتها ومبادئها منذ إنشائها، تزامنا مع مأساة فلسطين، فكانت فلسطين بمثابة الدعامة الأولى لتماسكها، وإليها يرجع الفضل لاستمرارها سنوات على قيد الحياة، قبل أن يغتالها الصهاينة العرب الجدد الذين استولوا عليها..

 كانت الجامعة العربية بشكل عام بوصلة للقضايا الأساسية التي تحظى بإجماع عربي، وفي مقدمتها رفض الاحتلال الصهيوني أو التطبيع معه وتثبيت مبدأ مقاطعة الكيان على كافة الأصعدة، ولو نظرياً، رغم المواقف السلبية تجاه الاحتلال الصهيوني، التي تعبر عن العجز العربي، أما اليوم فقد أصبحت عنواناً للتخاذل العربي!!

ومن المفارقة الساخرة، أن الجزائر الدولة المضيفة، التي أطلقت على قمتها شعار "لمّ الشمل العربي"، تعادي جارتها المغربية وتقطع العلاقات معها، وتغلق الحدود بينهما، وتنخرط في قضية الصحراء المغربية لتفصلها عن المغرب وتدعم وتسلح جبهة البوليساريو ضد المغرب!!

لقد انتهت قمة الجزائر قبل أن تبدأ بغياب نصف الحكام العرب، وحتى لو حضروا ما زادوها إلا خبالاً، فحكام الدول العربية جمعاء طغاة مستبدون، يقهرون شعوبهم ويحكمونهم بالحديد والنار، ويعملون ضد مصلحة الأمة إرضاءً لأعداء الأمة، ولا تهمهم فلسطين التي تزين دائماً بياناتهم الختامية في تلك القمم العقيمة، مدعين أنها القضية المركزية للأمة. وهي بالفعل كذلك، ولكنهم كاذبون يتاجرون بالقضية الفلسطينية أمام شعوبهم، لتحقيق إنجازات وهمية ودعائية للاستقواء على شعوبهم التي تعشق فلسطين، مدعين أنهم يؤدون واجبهم الوطني والقومي. وأقرب مثال على ذلك الجزائر، الدولة المضيفة للقمة، والتي يحكمها نظام قمعي، جاء رغماً عن إرادة الجزائريين الذين كانوا قد انتفضوا ضده قبل سنوات قليلة، فقد أطلق هذا النظام اسم "فلسطين" على قمته، واستضاف قبل انعقادها الفصائل الفلسطينية المختلفة للحوار الوطني، مدعياً عمل مصالحة فلسطينية ولتخرج بوثيقة جديدة أسموها "إعلان الجزائر للمصالحة الوطنية"، لتضاف لعشرات الوثائق المماثلة، التي صدرت من عدة دول عربية وإسلامية مختلفة، خلال عقدين من الزمان، دخلوا جميعاً سوق النخاسة للمزايدة على فلسطين التي خانوها وباعوها بثمن بخث للوصول لسدة الحكم!!
انتهت قمة الجزائر قبل أن تبدأ بغياب نصف الحكام العرب، وحتى لو حضروا ما زادوها إلا خبالاً، فحكام الدول العربية جمعاء طغاة مستبدون، يقهرون شعوبهم ويحكمونهم بالحديد والنار، ويعملون ضد مصلحة الأمة إرضاءً لأعداء الأمة، ولا تهمهم فلسطين التي تزين دائماً بياناتهم الختامية في تلك القمم العقيمة، مدعين أنها القضية المركزية للأمة

ولنا أن نتساءل: مَن ذا الذي يتآمر على الفلسطينيين ويعمل حثيثاً على تصفية القضية الفلسطينية مع العدو الصهيوني؟ ومَن ذا الذي يحاصر قطاع غزة ويجوّع أكثر من مليون ونصف فلسطيني ويضيّق عليهم ليمنعهم من العلاج في المستشفيات؟ ومَن ذا الذي ينعت المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، تناغماً مع الاسطوانة الصهيونية المشروخة؟ ومَن ذا الذي يُرحل الفلسطينيين من بلادهم ويقطع أرزاقهم ويطاردهم ويسجنهم في بلادهم العربية؟ ومن ذا الذي يشتري الأراضي والمنازل في القدس ليهبها للصهاينة؟ ومَن الذي يمنع الشعوب العربية من الخروج في مظاهرات تضامناً مع الشعب الفلسطيني أثناء الاعتداءات الصهيونية المتكررة عليه ولنصرة القدس.. إلى آخره؟ أليس هم الحكام العرب؟!

ومن السخرية بمكان أن يدعو "أحمد أبو الغيط"، الأمين العام لما تسمى جامعة الدول العربية، إلى توحيد الصف من أجل القضية الفلسطينية، وهو الذي توعد الفلسطينيين بتكسير أرجل من يقترب من الحدود المصرية عام 2008، حينما كان وزيراً للخارجية المصرية، عندما أزال الفلسطينيون الأسلاك الشائكة بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية وتحدوا سايكس- بيكو، ودخلوا الأراضي المصرية، وتعانق الشقيقان المصري والفلسطيني وذُرفت الدموع من الفرحة، في مشهد رائع سجله التاريخ ولا تمحوه الذاكرة..

لم تكن الجامعة العربية جامعة للشعوب العربية، بل كانت جامعة للأنظمة والحكومات العربية، لهذا لم تكن يوماً شوكة في ظهر أعداء الأمة على مدار تاريخها الطويل الممتد لسبعة وسبعون عاماً، أي منذ إنشائها في آذار/ مارس 1945، على أعين الاحتلال البريطاني، وبأيدي وزير خارجيتها "أنتوني إيدن"، الذي ألقى كلمة في مجلس العموم البريطاني، في شباط/ فبراير 1943 قال فيها: "إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب؛ ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية"، بعد ان غمز لهم في عام 1941، في خطاب شهير يدعوهم فيه إلى هذا الهدف السامي، ومساعدة حكومة جلالته على تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بين البلاد العربية..

أراد "إيدن" أن يقدم رشوة إلى البلاد العربية، أثناء الحرب العالمية الثانية، لتقف بجانب الحلفاء في المعارك الدائرة بينهم وبين دول المحور، بإقامة كيان قومي خاص بهم بعيداً عن كيانهم الإسلامي الكبير، مُستخدماً أو مُستغلاً غريزة العرقيات والإثنيات لدى الشعوب، لإضعاف الأمة الإسلامية وشرذمتها، مع تقديم وعود براقة بالاستقلال التام وحق تقرير المصير؛ سرعان ما تبخرت بمجرد انتصار الحلفاء في الحرب.
لم تكن الجامعة العربية جامعة للشعوب العربية، بل كانت جامعة للأنظمة والحكومات العربية، لهذا لم تكن يوماً شوكة في ظهر أعداء الأمة على مدار تاريخها الطويل الممتد لسبعة وسبعون عاماً، أي منذ إنشائها في آذار/ مارس 1945

وشتان بين نظرة عطف إيدن ونظرة عطف بلفور، رغم صدورهما من عين بريطانية واحدة، ولكنهما في المحصلة تخدمان ذات الهدف من التعاطف، فنظرة عطف بلفور أقامت وطنا قوميا لليهود وأنشأ الكيان الصهيوني، بينما نظرة عطف "إيدن" فصلت العرب عن هويتهم الإسلامية، وأقامت جداراً عازلاً بينهم وبين الأمة الإسلامية، فضاعت القضية الفلسطينية (القضية الأم للأمة الإسلامية) في أروقتهما، بينما هي في الأساس قضية إسلامية بحتة، وليست قضية عربية فحسب، لما تحمله من مقدسات إسلامية، وعلى رأسها المسجد الأقصى ودلالته لدى المسلمين..

نظرتا العطف البريطانية تخدمان نفس المسار وتحققان نفس الهدف، الذي من أجله أصدرت بريطانيا وعدها المشؤوم بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، فكما هو معلوم، لم يكن تعاطفاً مع اليهود، كما أشاعوا أو إيماناً بقضيتهم؛ وإنما كان تحقيقاً لمصالح بريطانيا العليا والغرب بصفة عامة. لقد زرعوا هذا الجسد السرطاني لتقسيم الأمة الإسلامية، واستخدامه كخنجر مسموم في خاصرتها؛ كي تقوم تلك الأنظمة العربية، المنسلخة عن محيطها الإسلامي، هي الأخرى، بدور كلاب الحراسة في المنطقة، وكلاء ونيابة عنها وعن الغرب بصفة عامة، في مقابل الحفاظ على عروشها..

وإذا كانت جامعة إيدن قد شُيعت إلى مثواها الأخير غير مأسوف عليها، فإن أنظمة دولها المستبدة أيضا سوف تلحق بها قريباً، حينما يستعيد الشعب العربي ربيع ثوراته، ويتحرر من الاحتلالين المغتصبين: الانظمة المغتصبة للحكم والصهيوني المغتصب للأرض..

يرونه بعيداً ونراه قريباً بإذن الله.

 

twitter.com/amiraaboelfeto
التعليقات (2)
محمد غازى
الخميس، 10-11-2022 10:05 م
كتبت تعليقا مطولا عن مفرقة ألعرب، ألتى يطلقون عليها جامعة ألعرب، وهى بالحقيقة مفرقة،وظلما وطغيانا أن تسمى جامعة ألعرب. أقامتها بريطانيا فى ألعام 1945، لتكون كما هى أليوم مأوى لمتقاعدى وزراء خارجية مصر. كل ما أتمناه أن يقوموا بإغلاقها وتحويل مبناها إلى فندق، وتوتا توتا فرغت ألحدوته!!! ربما ستحتج بريطانيا ألتى أنشأتها لتضحك على ألعرب ألمسخرة والذين يزدادوا مسخرة مع مرور ألأيام!!!!!!!!!!!!!
بديوي بديوي
الأربعاء، 09-11-2022 04:24 ص
مقال يعكس حالة الخيبة التي يشعر بها الشعب العربي من العمل العربي المشترك والتراجع الكبير في المواقف العربية التي لم تعد تلبي طموحات العرب ليست صورة سوداوية بقد ما دق لناقوس الخطر دائما مقالات حضرتك تعبر عن الواقع العربي بكل شفافية يسلم قلمك وفكرك