كتاب عربي 21

فضيحة "ووترغيت" اليونانية والتصعيد ضد تركيا

علي باكير
مقال
مقال

في مقاربة ثنائية، يستطيع المرء أن يدرك أنّ لعبة الأرقام ليست لصالح أثينا في أي مواجهة محتملة لها مع أنقرة. مساحة تركيا تساوي حوالي 6 أضعاف حجم اليونان، وعدد الأتراك يفوق بحوالي 7 أو 8 مرات عدد اليونانيين، وحجم الاقتصاد يكاد يساوي حوالي 4 أضعاف حجم نظيره اليوناني، والقدرات العسكرية والقتالية التركية متفوقة بأشواط من الناحية التقنية ومن ناحية التدريب والخبرات العسكرية على اليونان، ومع ذلك فإنّ الأخيرة لا توفّر جهداً للتحريض ضد تركيا والتصعيد السياسي وصولاً إلى التحرّش العسكري، وهو ما يجعل المرء يتساءل، لماذا يا تُرى؟

هناك عوامل ظرفيّة تتعلق بالتطورات الداخلية اليونانية والفضائح المتتاليّة منذ آب (أغسطس) الماضي والمتعلقة بعمليات تنصّت تمّت على مسؤولين كبار في الدولة، كرئيس الجمهورية الذي كان تحت عملية مراقبة من قبل جهاز الاستخبارات اليوناني عندما كان لا يزال يقود ثالث أكبر حزب في البلاد وحتى فترة انتخابه رئيساً للجمهورية، بالإضافة الى شخصيات رئيسية في المعارضة، وصحفيين. فضيحة ووترغيت اليونانية هذه تتزامن مع الجدل الداخلي الحاصل حول ضرورة حصول انتخابات مبكّرة في البلاد. 

قانونياً، من المفترض أن تتمّ الانتخابات التشريعية المقبلة في تموز (يوليو) من العام 2023، لكن وعلى خلفية الوضع الاقتصادي والفضائح المتتالية، وربما تدني شعبية الحكومة المحافظة بالرغم من الأغلبية التي حصدتها في انتخابات عام 2019، تريد المعارضة اليسارية زيادة الضغط باتجاه إجراء الانتخابات قبل موعدها. وبين هذا وذاك، لا يزال السجال مستمراً، ولا شك أنّ الحكومة تفعل ما بوسعها لإبقاء الوضع في مصلحتها وإن تطلّب ذلك تصعيد النزاع الخارجي مع تركيا بغرض تشتيت الانتباه ورص الصفوف واستدعاء الخطر الخارجي.

لكن، وبعيداً عن العوامل الظرفية، فإن هناك عوامل بنيوية أكثر رسوخاً واستقراراً وترتبط بسياسة وسلوك اليونان وطبيعة تحالفاتها الإقليمية والدولية. هذه العوامل الهيكلية تجعل من التصعيد الدائم والمستمر ضد تركيا سياسية يونانية ثابتة لا يمكن لأثينا التخلي عنها. من بين الركائز التي تقوم عليها العوامل البنيوية، التظاهر بالمظلومية. 

المظلوميّة مُهمّة في السرديّة اليونانية والدعاية الأيديولوجية لأنّها تستجلب التعاطف وتحرّض الآخرين على تركيا. وإن كانت سردية المظلومية تستجلب الدين والتاريخ والضعف الجيوسياسي لتروّج لنفسها، فإنّ الترويج لها يتم شكلاً بنوازع سياسية تؤمن درعاً واقعيا لليونان وتنسجم مع الدعاية الغربية السوداء والمعايير المزدوجة ضد تركيا.

أمّا الركيزة الثانية للعوامل البنيويّة فهي تتمثّل بسياسة الطفل المدلّل التي تتّبعها الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي في تعاملها مع اليونان. وسياسة الطفل المدلّل عامل رئيسي من عوامل التصعيد الجاري في السياسة اليونانية تجاه تركيا. هذه السياسة القائمة على الدعم الدائم والحصانة المطلقة وعدم المساءلة بغض النظر عمّا تفعله اليونان تؤدي إلى غياب الحافز لدى أثينا للسعي إلى المصالحة أو التهدئة أو خفض التصعيد. ليس هذا فقط، وإنما تشجّع وتحث وتحرّض اليونان كذلك على التصعيد ضد تركيا. 

 

المظلوميّة مُهمّة في السرديّة اليونانية والدعاية الأيديولوجية لأنّها تستجلب التعاطف وتحرّض الاخرين على تركيا. وإن كانت سردية المظلومية تستجلب الدين والتاريخ والضعف الجيوسياسي لتروّج لنفسها، فانّها الترويد لها يتم شكلاً بنوازع سياسية تؤمن درعاً واقعيا لليونان وتنسجم مع الدعاية الغربية السوداء والمعايير المزدوجة ضد تركيا.

 



في هذه المعادلة يصبح التحريض والتصعيد موازياً للمصلحة اليونانية، ذلك أنّ مزيداً من التوتّر مع أنقرة لا يشدّ العصب الداخلي في أثينا فقط، وإنما يستجلب معه مزيداً من الدعم والتعاطف حتى وإن كانت اليونان في موقف خاطئ وغير قانوني. والأمثلة على ذلك كثيرة وتتعدى موضوع تركيا، سواء في ما يتعلق بالوضع الداخلي أو في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

هناك الاعتداء غير القانوني على اللاجئين القادمين عبر البحر والذي يتم بتواطؤ وتسهيل من مؤسسات الاتحاد الأوروبي ذات الصلة، والتنصت على مسؤولين رسميين، وتجاهل حقوق الأقلّية المسلمة التركية في اليونان وإغلاق مدارسها ومؤسساتها ومحاولات طمس هويتها بالرغم من الوضعية القانونية التي تتمتع بها بحكم الاتفاقيات الدولية، وتسليح الجزر في بحر إيجة، ومساعدة روسيا على تخطي العقوبات الأوروبية، وتشغيل نظام الدفاع الصاروخي الروسي (أس-300) ضد مقاتلات تركية كانت تقوم بمهمّة للناتو ..الخ.

كل هذه الخروقات تتم تحت سمع وبصر الراعين الرئيسيين لليونان، أي الاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة الأمريكية، ودون أدنى رد فعل منهما. من الطبيعي أن تستمر اليونان في نفس النهج إذا كانت لا تلقى إلا الدعم والتأييد والتبرير، فليس هناك ما يدفعها حتى لمجرّد التفكير في التغيير أو تحاشي التصعيد. لكن لمثل هذه السياسات الرعناء ثمن، وقد يؤدي الخطأ في الحسابات إلى ما لا تحمد عقباه. 

الجانب التركي كان قد حذّر مراراً من ردّة فعل مشيراً إلى أنّ لصبره على التجاوزات اليونانية حدودا. التحريض غير المتناهي لليونان ضد أنقرة، والتحرّش العلني وخرق الأجواء والمياه الإقليمية التركية بشكل مستمر والتسليح المستمر للجزر تحت ذريعة المظلومية سيؤدي في مرحلة ما إلى وقوع صدام، وإذ ما حصل ذلك، لاسيما في هذه المرحلة بالتحديد، فلا أمريكا ولا الاتحاد الأوروبي سيكونان في موقع يخوّلهما حماية اليونان من تداعيات مثل هذا السيناريو. 

في حقيقة الأمر، يمكنهما حينها تحمّل اللوم فقط لأنّ مسؤولية وقوع مثل هذا الأمر ستكون على عاتقهما نتيجة للسنوات الطويلة من الدعم غير المشروط والحماية المطلقة لليونان حتى في المواقف الخاطئة.


النقاش (0)