قضايا وآراء

وقف العدوان الإسرائيلي واستئناف غيره

نزار السهلي
عربي21

جولة العدوان الأخير على قطاع غزة، انتهت مثلما انتهت الجولات السابقة؛ جرائم حرب جديدة وضد الإنسانية، وساطة عربية، ووعود بإعادة الإعمار مع بعض التسهيلات الاقتصادية وتخفيف للحصار، وغموض في بقية الملفات، ثم إلى جولة تصعيد قادم وهو مرشح كل لحظة.

لكن هناك معطى جديد في غياب التنديد العربي الواسع على العدوان، وغياب للجامعة العربية بتسجيل نصف أعضائها قفزات نحو التطبيع مع إسرائيل، وميول أكثر نحو تبني التبريرات الصهيونية للعدوان على الشعب الفلسطيني، حتى الوساطة المصرية تحصر حضورها في قطاع غزة والتعاطي مع غزة من زاوية الملف الأمني فقط بعيداً عن السياسي، والمربوط بتوجهات السلطة الفلسطينية في رام الله، بتكرار شعارات الوقوف بجانب الحقوق الفلسطينية والشرعية الدولية وكليشيهات المبادرة العربية للسلام ودعم العودة للمفاوضات.. الخ.

توقف العدوان على غزة وبقيت مجازر الإبادة والحرب والحصار والتهديد باستئناف العدوان، الذي لم يتوقف في نابلس وجنين والقدس وبقية مدن الضفة المحتلة، ولم تتوقف إرادة الشعب الفلسطيني عن التصدي لهذا العدوان بكل الأشكال والوسائل المزعجة للمؤسسة الصهيونية، وللنظام الرسمي العربي الذي يخوض جزء منه معركة إسرائيل في حصار الفلسطينيين وشيطنة قضيتهم ومقاومتهم، ويحمل تفتيت وتقسيم القضية على عاتقه على اعتبار فصل ما يجري من تهويد للأرض الفلسطينية ومصادرتها واستيطانها مع سياسة العدوان والتضييق على السكان الأصليين في الداخل الفلسطيني وسياسة العدوان اليومي على الفلسطينيين في مدنهم وقراهم مختلف عما يجري في غزة أو العكس، كالاختلاف عما تتعرض له القدس أو الأسرى ومدن الضفة.

توقف العدوان على غزة وبقيت مجازر الإبادة والحرب والحصار والتهديد باستئناف العدوان، الذي لم يتوقف في نابلس وجنين والقدس وبقية مدن الضفة المحتلة، ولم تتوقف إرادة الشعب الفلسطيني عن التصدي لهذا العدوان بكل الأشكال والوسائل المزعجة للمؤسسة الصهيونية، وللنظام الرسمي العربي الذي يخوض جزء منه معركة إسرائيل في حصار الفلسطينيين وشيطنة قضيتهم ومقاومتهم

ويرى الفلسطينيون أن الوقوف الإجباري أمام الأسئلة التي يطرحها العدوان المستمر من المشروع الصهيوني عليهم، هو فعلاً مناسبة لإعاة النظر بمشاريع السلام والتطبيع مع إسرائيل، والالتفات ملياً لقراءة الأحداث على الأرض في كل بقعة جغرافية من بقاع فلسطين التاريخية. والإعادة هنا في شكل المقاومة التي يبديها أصحاب الأرض، وهي ليست اعتباطية أو عادية، ولا هي رصينة وهادئة كما يريدها البعض، بل عميقة وتحمل تفاؤلا غير محدود من أصحاب الأرض بوجه أعدائهم رغم كل الخراب والتآمر المحيط بقضيتهم منذ سبعة عقود.

وهنا لا يمكن التمييز بين فريقين، فلسطيني وعربي، الأول تتالت حالة الانهيار لديه مما ولد مطامع صهيونية تتغول في العدوان، والثاني ما يقال فيه صهيونياً بأن ما تحقق على الجبهة الرسمية العربية هو تاريخي غير مبالغ به، مع الإقرار الأكيد بأن ما جرى على الجبهة الفلسطينية منذ أوسلو وإلى اليوم خطير جداً، فإن هذا الإقرار يترافق مع حقيقة أخرى يحاول الإسرائيليون والنظام الرسمي العربي إغفالها والاستخفاف بها، وهي انكشاف عملية المغالاة والمبالغة التي رافقت أوسلو بالأمس، وتُرافق التطبيع اليوم، رغم اندلاع الثورات العربية والثورة المضادة باتحاد الطغاة مع المحتل، إلا أن الأمر يقود بالنتيجة إلى نقطة الصدام مع أبجديات وبديهيات الواقع فلسطينياً وعربياً.

ما جرى في غزة من جولات للعدوان عليها وصده، أو ما يجري في نابلس وجنين والقدس والنقب والجليل والمثلث، في منتهى الجدية من حيث الدلالة والنتيجة. فحالة الانكسار التي تندفع إليها السلطة الفلسطينية مع انهيار عربي متصهين وموغل بالاستبداد والطغيان في فرض القهر والظلم، لا تترك مجالاً أمام الإرادة الفلسطينية سوى بالانفجار مجدداً في وجه المأساة التي تطيح بكل حقوقه وتضحياته تحت مزاعم كثيرة.
ما جرى في غزة من جولات للعدوان عليها وصده، أو ما يجري في نابلس وجنين والقدس والنقب والجليل والمثلث، في منتهى الجدية من حيث الدلالة والنتيجة. فحالة الانكسار التي تندفع إليها السلطة الفلسطينية مع انهيار عربي متصهين وموغل بالاستبداد والطغيان في فرض القهر والظلم، لا تترك مجالاً أمام الإرادة الفلسطينية سوى بالانفجار مجدداً في وجه المأساة

ومن هنا تستعيد البطولة الفردية والجماعية في جنين والقدس قيمتها الوطنية والإنسانية، ويدب الذعر والقلق في من أقنع نفسه بقدرته أن يكون وسيطاً يخدم أجندة المؤسسة الصهيونية، وفي قلب من يحاول أن يكون شرطياً وحارساً لمشروع السيطرة الاستعماري.

تسقط مهزلة وقف العدوان على غزة، في استئناف إرهاب لم يتوقف على كل الأرض الفلسطينية وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، وتسقط معه مهزلة السلام والتطبيع مع المشروع الاستعماري للحركة الصهيونية تحت وطأة جرائم الاستيطان والتهويد والحصار واقتحام المقدسات وهدم البيوت، والإعدامات الميدانية للنشطاء والمناضلين.

أخيراً، في خضم هذا الصراع الذي يشير بقوة الدم لحيوية الشعب الفلسطيني، يبقى سؤال أول وأخير: هل تدرك القوى والفصائل الفلسطينية بما فيها فتح وحماس؛ أبعاد ودلالات ما يجري حولها وفي العمق، وبالتالي لديها الإرادة الفعلية لحزم أمرها والتقاط راية ترتيب البيت الفلسطيني والتقدم برؤية شاملة وبرنامج واحد وعمل كفاحي واحد قبل استئناف جولة عدوان جديد ومستمر؟ سؤال يثير المرارة بعيداً عن فسحة الأمل لمن يواصل صد العدوان.

 

twitter.com/nizar_sahli
النقاش (0)