فلسطين الأرض والهوية

خالد نصرة.. شاعر فلسطيني ظلمه الإعلام ولم ينصفه الرسميون

خالد نصرة.. شاعر فلسطيني يستحق رسالة اعتذار وإعادة اعتبار
خالد نصرة.. شاعر فلسطيني يستحق رسالة اعتذار وإعادة اعتبار

شاعر يستحق رسالة اعتذار وإعادة اعتبار..

في عالم الشعر والأدب جانب لا يختلف عن عالم الفن والنجوم، جانب يعتمد على العلاقات العامة والأضواء وتسلُّق السلالم وإثارة الضجيج، لا مكان فيها للمبدعين الصامتين بلا ضجيج أو قصص مثيرة.

يتفق كبار النقاد على أن بعض الأسماء الكبيرة في الشعر الفلسطيني لم تأخذ حقها في الإعلام والشهرة والمكانة اللائقة بها في مجتمع تلميع النجوم.

من هؤلاء الشعراء الشاعر خالد نصرة، الذي بقي يعمل محرراً في الصفحات الأدبية لبعض الصحف حتى سنٍّ متقدمة، مؤثراً العمل المنتج على الشهرة والنجومية.

 



وهو ما لفت إليه الناقد الدكتور نبيل أبو علي في حديثه عن الشاعر خالد نصرة فقال إنه لم يحظَ بما يستحق من عناية أو اهتمام وخاصة أنه بدأ في كتابة الشعر من عام 1952 وله ثمانية دواوين شعر. وأن نموذجه يضع بين أيدينا هذه الملاحظة حينما يشتكي من أن الشهرة تتجه لأناس دون أناس.

يستغرب المطّلع (ومنهم كاتب هذه السطور) حين يقرأ عنه وله، كيف أنه لم يطلع على إنتاجه ولم يكتشف هذا الكنز قبل الآن، فشاعرنا يستحق رسالة اعتذار، منا نحن القراء ومن المؤسسة الرسمية التي كرّمت ما هبّ ودبّ من شعراء فلسطين، ولم تلتفت إلى هذا الشاعر والناقد والأديب المتواضع المجتهد.
والأغرب من ذلك أن نصرة فاز بعدة جوائز شعرية معتبرة خلال مهنته الأدبية من الأردن ولندن والرياض والكويت وفلسطين، لكن التعتيم استمرّ على شخصه رغم الاعتراف بمستوى قصائده.

هذا الشاعر الذي تحدث عنه الشاعر الكبير هارون هاشم رشيد بحفاوة واحترام، وقال إنه في طليعة الشعراء الفلسطينيين وأنه يحتفظ بمجموعة من أشعاره، وأنه من أفضل شعراء جيله متانةً وأسلوباً وصدقاً.

وقال عنه كامل السوافيري وناصر الدين الأسد: هو شاعر من أبناء النكبة، نثرته على دروبها، وأوحت إليه النغم العذب والقصيد الباكي حزناً على الوطن الذي ضاع، وإشعالاً للحماسة في قلوب العرب ليستردوه. في شعره دلائل شاعرية متوهجة، وصدق في الشعور، وسهولة وبُعد عن التكلف والغموض، تعبّر عن إحساسه وإحساس أبناء بلده.

للشاعر خالد نصرة قصيدة من روائع الشعر العربي المعاصر عنوانها "حرام علينا أن نجاهر بالهوى" اختارها الناقد أحمد الجدع من بين القصائد المائة التي أصدرها بعنوان: أشهر القصائد العربية المعاصرة، قصائد لها تاريخ. 

ثمة عدة عوامل ساهمت في ابتعاده أو إبعاده عن الضوء، أبرزها وضوح القصيدة مبتعداً عن الرمزية والغموض، ورفضه الانخراط في تيار "الحداثة" حيث استعصم بالقصيدة العمودية، عدم انسجامه بالصالونات الأدبية "الثورية" ومستلزماتها، وعدم تمسّحه بالسلطة وحاشيتها.

يذهب بي التحليل إلى وجود إدارة، أزعم أنها فاسدة العلاقات والأهداف، تدير هذه المنظومة لصالح منهجية وفكر وتيار، عمدت إلى طمس عدد كبير من الشعراء الفلسطينيين، فقط بسبب اختلافهم مع هذه المنهجية أو ذاك الفكر أو ذلك التيار. ربما تكشف لنا الأيام ارتباط هذه الإدارة بالقيادة او بجهات خارجية أو بنزوات شخصية (سوف نطرح هذه القضية قريباً في هذه السلسلة من الشعراء).
 
ترجمته

ولد الشاعر خالد فريز أسعد نصرة في 1924 في جنين (وقيل في 1927)، وتُوفي في 2007 في البيرة، حصل على الثانوية العامة. وتوقف عن الدراسة بسبب ظروفه الحياتية الصعبة. ثم دخل الصحافة، فعمل محررّاً ثقافياً في جريدة القدس المقدسية، ثم محرراً ثقافياً في جريدة النهار. اشتغل في الصحافة، وأشرف على الزوايا الأدبية في عدة صحف فلسطينية وأردنية. مثلُه الأعلى من الشعراء المتنبي، أحمد شوقي وعمر أبو ريشة. 
 
مؤلفاته

دواوينه الشعرية: "أغاني الفجر"، 1956. "لظى وعبير"، 1960. "هزيم وتسابيح"، 1968. "لمن الخيول؟!"، 1978. "شواطئ الضباب"، 1990. "زنابق شعر منسية"، 1992. "أشعار للصغار"، 1994. "القنديل الوهاج"، 1995. "أحلى الأناشيد"، 1997. "قلادة المجد"، 1998.

عدد كبير من المقالات الثقافية الأدبية والشعرية والثقافية في مختلف الصحف الفلسطينية.

نماذج من شعره

حب الأرض

أرضٌ مزجتُ صفاتها بصفاتي       ..       وتركتُ فوق أديمِها بَصماتي
أرضٌ إذا يوماً نأيتُ تَساءَلَتْ          ..       في قلبِها الذّرّاتُ عن ذَرّاتي
هَشّت إليّ دروبُها فذرعتُها        ..        وزرعتُ في أرجائها خُطُواتي
ياما جَسَستُ ربيعَها فَتَشبَّثت     ..         أعشابُها بأصابعي الفَرِحاتِ
وأذعتُ سِرّي في مَعابِدِ حُسنِها    ..          وَتَوَضَّأت بِعَبِيرِها كَلِماتي
وَجَثَوْتُ في مِحْرابِها مُتَهَجِّداً      ..          عَذْبَ الدُّعاءِ مُطَهّرَ الصَّلَواتِ
أرضٌ كَأَنَّ تُرابَها مِن عَنبَرٍ            ..          وَفَتِيتِ مِسْكٍ أذفر النَّفَحاتِ
أَشْتَمُّ صَعتَرَها وَنرجِسَ برِّها        ..          فرح الفُؤاد مُعَطَّر الراحات
عاصَرتُ كلَّ مَلَمَّةٍ حاقت بها        ..              وَلقِيت كلَّ مُصيبةٍ بِثَبات
وَحَملتُ في قَلبي الجَريحِ جِراحَها   ..      بِدَمِ الوفاءِ مُخَضَّبَ الرّاياتِ
لا تَطلُبوا مِني الرَّحيلَ فَنَشْأَتي       ..  كانَتْ هُنا، وهنا يَكونُ مَمَاتي

 



*كاتب وشاعر فلسطيني


النقاش (0)