فلسطين الأرض والهوية

نفق بلعمة المائي بجنين شاهد على حضارة فلسطين

نفق بلعمة أطول نفق أثري في فلسطين وهو شاهد على حضاراتها منذ أكثر من 5 آلاف عام
نفق بلعمة أطول نفق أثري في فلسطين وهو شاهد على حضاراتها منذ أكثر من 5 آلاف عام

يعتبر نفق بلعمة المائي الواقع على الطريق الموصل بين جنين ونابلس شمال الضفة الغربية أقدم الأنفاق في الكرة الأرضية، وأطول نفق أثري في فلسطين، وهو شاهد على حضاراتها منذ أكثر من 5 آلاف عام.


وعلى المدخل الجنوبي لمدينة جنين يقع هذا النفق الأثري، وأسفله خربة "بلعمة" الأثرية، ويعرف أيضا باسم نفق "بلعمة المائي".

وشهد هذا النفق مراحل حضارية مختلفة تمتد منذ بداية العصر البرونزي المبكر مرورا بكافة الحضارات والدول التي عرفتها المنطقة، فيما لا تزال الكثير من أسراره غير معروفة ولم يبح بها حتى يومنا هذا.

ويتكون النفق المائي من ثلاثة أجزاء وهي: المدخل المقبب، والجزء المدرج الصاعد المقطوع من الصخر، ثم الممر الضيق المبني بالحجارة. وذلك بحسب جهاد ياسين، مدير عام التنقيبات والمتاحف في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية.

وأوضح ياسين في حديثه لـ "عربي21" أن طول القسم المستكشف من النفق حتى الآن يبلغ 115 متراً مقطوعة في الصخر و57 درجة.

وأشار إلى أنه ويوجد للنفق ثلاثة مداخل، والنفق مزود بنظام للإضاءة عبارة عن فتحات بالصخر لوضع الأسرجة عليها.

 

      جهاد ياسين مدير عام التنقيبات والمتاحف وزارة السياحة والآثار الفلسطينية

وقال مدير عام التنقيبات والمتاحف وزارة السياحة والآثار الفلسطينية: "إن التنقيبات الأثرية التي تمت ما بين عامي 1996م و2000م أظهرت مكونات النظام المائي في القسم السفلي للنفق والذي يتشكل من خزان ماء كبير وحوض مقطوع في الصخر وأحواض لجمع الماء عند المدخل".

وأضاف: "هناك فتحة في سقف النفق هي حديثة العهد، بدليل اختلاف نوع القطع بينها وبين القطع الأصلي، واستحدثت لانتشال الماء من العين دون الذهاب إلى المدخل، الذي يبدو انه كان مغلقا بالردم آنذاك، والفتحة تسير بخط مستقيم إلى البئر".
 
وأوضح أنه خلال أعمال التنقيب التي جرت في النفق تم اكتشاف كتابة فينيقية على كسرة فخارية من القرن السابع قبل الميلاد، إضافة إلى قطع وأواني فخارية أخرى تعود إلى الفترات البرونزية والحديدية والفارسية والرومانية والبيزنطية والأموية، إضافة إلى مجموعة من الأسرجة وتماثيل حجرية تمثل وجوها آدمية، والعاب ونقوش حجرية لمحارب وفرس ونقوش أموية، وفلكة الغزل والطوابين وقطع نقود قديمة.

وأشار ياسين إلى أنه توجد بوابه لا تفتح وتمنع الاستمرار في اكتشاف النفق، موضحا أن عدم الاستمرار في النقيب يعود لعوائق خطيرة هددت المنقبين حيث توقف الحفريات الاستكشافية عند هذا الحد.

وكشف انه وأثناء الحفريات التي تمت بالشراكة مع الهولنديين اصطدم المنقبون عند هذا الحد ببناء يغلق النفق، وحدثت انهيارات صخرية كانت تشكل خطورة كبيرة على العاملين في الموقع.

وقال: "استكمال البحث والتنقيب في الجزء غير المستكشف من النفق والأجزاء المحيطة بالمبنى الواقعة خلف المدخل بحاجة إلى تمويل وميزانية ضخمة".

وأضاف: "علينا أن نحدد طبيعة البناء وهدفه وأهميته، قبل اتخاذ القرار، وما إذا كنا سنفتح ثغرة فيه لاستكمال الحفر، أم سنفتح ثغرة جانبية تتجاوز البناء، وهذا يتطلب معرفة اتجاه النفق الذي لا يسير بشكل مستقيم، ومعرفة الاتجاه يقتضي إجراء اختبارات جيوفيزيائية تتطلب تمويل وميزانية باهظة، الأمر الذي اضطرنا لطمر الحفريات، رغم أنها كلفت ملايين الدولارات، وذلك حفاظا على المعالم التاريخية المكتشفة إلى حين توفير التمويل اللازم لاستكمال استكشاف النفق".

وأشرف الدكتور حمدان طه، الخبير في علم الآثار، ووكيل وزارة السياحة والآثار الأسبق على أعمال البعثة الفلسطينية للتنقيب في موقع خربة بلعمة (1996 ـ 2000)، مؤكدا على أن الآثار المكتشفة فيها تعود إلى أكثر من 5000 عام، أي إلى "العصر البرونزي المبكر".

وقال طه لـ "عربي21": تنتمي بلعمة إلى مدن الحصون الكنعانية العتيدة، والتي بلغت ذروة قوتها وتمدنها في العصر البرونزي الوسيط مع حلول الألفية الثانية  قبل الميلاد".

وأضاف: "ذكرت بلعمة في وثائق اللعنة المصرية في القرن 19 قبل الميلاد، كما وترد في قائمة مدن تحتمس الثالث، حيث عرفت باسم (ابلييم)، وقد كانت ضمن تحالف المائة مدينة كنعانية بقيادة مجدو، والتي واجهت تحتمس الثالث في القرن 15 قبل الميلاد".

 

             حمدان طه الخبير في علم الآثار، ووكيل وزارة السياحة والآثار الأسبق

وتقع خربة بلعمة في أعلى المرتفعات الغربية لوادي بلعمة، (شارع نابلس ـ مدخل جنين الجنوبي) ويتميز موقعها الاستراتيجي بالتحصين الطبيعي، حيث تشرف على النقطة الواصلة ما بين سهل قباطية وسهل مرج ابن عامر، وتبلغ مساحتها حالياً حولي المائة دونم. بحسب طه.

وأوضح أن نتائج التنقيبات في خربة بلعمة تمثلت في بقايا مساكن ومعصرة نبيذ ضخمة، بالإضافة إلى مقاطع من أسوار المدينة وآثار أخرى من العصور اللاحقة ابتداءً من الهلنستية وحتى الإسلامية.

وقال: "إن ابرز انجاز التنقيبات في خربة بلعمة هو ذلك الابتكار الكنعاني المميز والمتمثل بنفق بلعمة العظيم، والذي يعتبر من أشهر خمسة أنفاق مائية مكتشفة في فلسطين، حيث يبلغ طوله في المقطع الصخري منه أكثر من مئة متر، وهو نفق مدرج عرضه يبلغ ثلاثة أمتار، وارتفاعه يتفاوت من 3 إلى 7 أمتار، واستخدمه سكان مدينة بلعمة لجلب المياه بشكل سري وامن أوقات الخطر من عين بلعمة أسفل الوادي إلى موقع المدينة في الأعلى.
 
وأضاف: "انه تم توثيق التاريخ الشفوي من ال ابو كحيل الذين يملكون أراضي الخربة ضمن نتائج التنقيبات في بلعمة".

وأضاف: "أن واهم التوثيقات تلك المرويات حول الملك الكنعاني بلعام بن باعورة، وقد عرف أيضا بأنه كاهن أو عراف تقي مكنه الله من القدرة على اللعن، وقصصه متداولة في التراث الديني والشعبي في المنطقة".

وأوضح طه انه تم اكتشاف ألواحاً طينية تعود للقرن الثامن قبل الميلاد في منطقة دير علا الأردنية  تذكر الملك بلعام.
 
ومن جهته أوضح فيصل زكارنة، الباحث في تاريخ المشرق القديم، ورئيس جمعية "الحياة الخضراء" أن نفق بلعمة هو أقدم نفق مائي في العالم، يقع عن البوابة الجنوبية لمدينة جنين.

 

       فيصل زكارنة.. باحث في تاريخ المشرق القديم، ورئيس جمعية الحياة الخضراء

وقال زكارنة لـ "عربي 21":" القادم إلى مدينة جنين من بوابتها الجنوبية سيلفت نظره من الناحية اليسرى، وفي أعلى التلال تلك الأطلال لنفق عظيم، وفي أعلاه مدينة أعظم أنها مدينة بلعمة التاريخية، والتي تعرف حاليا باسم "خربة بلعمة".

وأضاف: "ماضي هذه المدينة يقول أنها كانت مملكة كنعانية عظيمة، ذاع صيتها شرقا وغربا، منذ 5000 سنة، وهي باقية إلى يومنا هذا تتمثل في أشجار الزيتون في خربة بلعمة التي يحرسها ذلك النفق العظيم، لتبقي تلك الأطلال شاهدة على نهضة عظيمة تؤكد تمسك الشعب الفلسطيني بهويته من خلال ملكها بلعام".

ومن جهته أوضح الكاتب والصحفي علي سمودي ابن مدينة جنين انه يوجد في جنين نحو 400 موقع أثري لكن هذه المواقع الأثرية الهامة لا تحظى باهتمام من قبل الجهات المختصة أو وسائل الإعلام وذلك لأسباب مختلفة.

 

                      علي سمودي.. كاتب وصحفي فلسطيني

وشدد سمودي في حديثه لـ "عربي21" على أن جنين لا تحظى بأهمية كبيرة في الخارطة السياحية الفلسطينية بالرغم من أنها تضم إضافة لنفق بلعمة معالم تاريخية هامة جدا منها كنيسة برقين، والتي تعتبر رابع أقدم كنيسة في العالم.

وقال: "نفق بلعمة ظلم كثيرا من حيث أخذ مكانته التي يستحقها، وهذا الظلم متعدد الأشكال، بداية هو مظلوم لأنه وجد في جنين، ولو كان في بيت لحم أو رام الله لكان رصد الملايين لاستكمال الحفريات الأثرية به".

أضاف: "منذ أكثر عقدين من الزمن لا يوجد بعثة أثرية رصدت أموالا لاستكمال الحفريات الأثرية به، ولو رصدت الموازنات له لكشفت الجزء المذهل منه الذي لم يكتشف بعد".

وتابع: "مشكلتنا أننا في جنين نسكت عن ذلك، ولا نروج له جيدا، وكأن ما تم منذ أكثر من 20 عاما من ترميم وعمل حفريات من جزء يسير منه كاف".

وأعرب سمودي عن أسفه أن الكثير من أهالي جنين أنفسهم لا يعرفون عن نفق بلعمة، قائلا: "هو جزء مهم من تاريخنا الضارب في القدم في هذه الأرض، من أقدم القنوات المائية المكتشفة في العالم، لماذا نحن مقصرون لا أعرف؟، مضيفا: "لكن جنين كلها مهمشة وليس المعالم الأثرية فيها فقط".

وشدد على أن الإعلام مقصر في التعامل مع الآثار، قائلا: "نقر أننا مقصرون، لا يعني ذلك أننا غائبون، نقوم بتغطية أنشطة وفعاليات وأخبار، وتقارير مرتبطة بالمواقع الأثرية، ولكن بدون العمق المطلوب".

وأضاف ضاربا مثلا: "كم موقع منها حظي بالتغطية الإعلامية المناسبة، وأي شكل من التغطية الإعلامية، نحن مغرقون في التغطية الإخبارية فقط".

وعزا الإعلامي الفلسطيني هذا التقصير لعدة أسباب منها أن من الجهات المتخصصة لا تقوم بجهد كافي بناء قدرات الإعلاميين في علم الآثار، لا يوجد تخصصية في الإعلام كما يجب.

وقال: "يحتاج الدور الإعلامي لدعم الآثار إلى سياسة إعلامية واضحة تجاه الآثار والتراث، بناء قدرات الإعلاميين، استخدام الإعلام الرقمي بشكل فاعل وبكل اللغات، وعدم ترك أي محفل دولي مرتبط بالتراث والآثار دون المشاركة به، وتوثيق التاريخ الشفوي، وإعادة إحياء الملحمة الكنعانية في فلسطين بالفلكور والتراث، لذلك نحتاج الكثير مما لم ينجز إعلاميا بعد".
 
وعن الصعوبات التي يواجهها الصحفيون أمام سيطرة الاحتلال على الكثير من المواقع الأثرية في فلسطين قال سمودي:"الإعلاميون الفلسطينيون يعملون لوحدهم ويخاطرون لوحدهم، بداية ليس لديهم الدراية الكافية بعلم الآثار، يضاف لذلك وجود كثير من المواقع الأثرية في مناطق (ج) ومناطق يسيطر عليها الاحتلال، كما أن الصحفيين الفلسطينيين الذين يكتبون بلغات أجنبية يتعرضون للملاحقة والقمع الصهيوني لأن لكتاباتهم خطرا أكبر".

وأضاف: "الآثار جزء من حرب الرواية بيننا وبين الاحتلال، والرواية هي أساس الصراع، انظر كيف يتعامل الاحتلال مع الرواية عالميا، كل شيء يمت للرواية الفلسطينية بصلة يحارب حتى المنهاج المدرسي يوجد حرب كونية عليه وكأنه قنبلة نووية ويربطون المساعدات الخارجية  بتغييره".

وتابع: "الاحتلال كيان بلا تراث بهذه الأرض، وبالتالي فإن إثبات زيف وجوده يتطلب سرقة تراث وتاريخ الشعب الأصلي، هم يعتبرون الآثار والتراث الذي يثبت زيف روايتهم عدوا يتوجب استئصاله وسرقته، اللباس الكنعاني التقليدي، الأكلات الشعبية سرقوها".

 

 

 

 


النقاش (0)