فلسطين الأرض والهوية

كنيسة المهد.. من أقدم الكنائس وملجأ الناس وقت الحروب

تم إدراج كنيسة المهد في بيت لحم عام 2002 على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو- (الأناضول)
تم إدراج كنيسة المهد في بيت لحم عام 2002 على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو- (الأناضول)

تعتبر كنيسة المهد في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية والتي تبعد 10 كم عن مدينة القدس من أقدم الكنائس في الأرض المقدسة التي ما زالت تستخدم حتى يومنا هذا. 

وتحولت الكنيسة من مجرد مكان للعبادة يؤمه مئات الآلاف سنويا إلى مزار سياحي لا يقتصر على المسيحيين فقط بل للناس بشكل عام بكافة أديانهم وطوائفهم وملجأ لسكان المدينة وقت الأزمات والحروب.

وقد تم في عام 2012م إدراج كنيسة المهد، وطريق الحجاج في مدينة بيت لحم على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

يقول الدكتور وائل حمامرة، مدير التنقيب والمسح الأثري في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية لـ"عربي21": "بنيت الكنيسة الأولى برعاية القديسة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين، التي جاءت في رحلة حج إلى فلسطين عام 325م من أجل البحث عن المواقع المرتبطة بحياة سيدنا المسيح، والتي يبجلها المسيحيون منذ الأيام الأولى للمسيحية". 

وأضاف: "اختارت القديسة هيلانه مغارة الميلاد كموقع لبناء كنيسة ضخمة في المكان التقليدي لولادة سيدنا المسيح، واكتمل بناء الكنيسة في عام 339م".

 

           وائل حمامرة مدير التنقيب والمسح الأثري في وزارة السياحة والآثار

وأوضح أن الكنيسة الأولى تميزت ببناء الشكل العثماني فوق مغارة الميلاد، وأضيفت له البازليكا ذات الأعمدة الوردية وزينت الأرضية بزخارف فسيفسائية ملونة ذات الزخارف الجميلة.

وأكد حمامرة أن الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول (527 ـ 565) أعاد بناء الكنيسة في القرن السادس الميلادي حوالي 540م، بعد التدمير الذي لحق بها خلال الثورات السامرية، واستمرت هذه الكنيسة عبر العصور وحافظت على شكلها مع العديد من الترميمات أو الإضافات في محيطها بشكلها الحالي. 

وأوضح أن كنيسة الإمبراطور جستنيان خططت على شكل صليب له ثلاثة حنيات، تقع الحنية الوسطى فوق مغارة المهد، واحتوت الكنيسة على البازيليكا التي كان يتم الدخول إليها عبر ثلاثة أبواب، لكن لم يتبق اليوم من أبوابها سوى باب واحد، وقد أصبح مدخلا ضيّقا منخفضا يعرف باسم باب التواضع.

وأشار إلى أن البازيليكا في الكنيسة تقسم إلى أربعة صفوف من الأعمدة (كل صف يتكون من 11 عمود)، تضم صحن الكنيسة وأربع أروقة جانبية، منوها إلى انه جرى إعادة استخدام لأعمدة الكنيسة المتهدمة من فترة الإمبراطور قسطنطين.

وقال: "ما زالت تظهر على الأعمدة آثار رسومات لبعض الرهبان والقديسين والملوك من الفترة الصليبية، وتزين جدران الكنيسة المرتفعة فنون الفسيفساء الزجاجية التي تعود إلى القرن الثاني عشر، إلا أنه لم يتبق منها إلا القليل، وكانت الرسوم تمثل شجرة عائلة السيد المسيح في الجزء الجنوبي. وعلى الجزء الشمالي يوجد تصوير للمجامع الكنسية ومشهد لحياة السيد المسيح".

وأضاف: "بني سقف الكنيسة من ألواح وعوارض خشبية يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر الميلادي، وغطيت العوارض الخشبية من الخارج بصفائح من سبائك الرصاص للحماية من عوامل الطقس، وحديثا رمم سقف الكنيسة والعوارض الخشبية ضمن مشروع الحفاظ على الكنيسة لمنع تسرب الأمطار داخلها".

 



وأكد أنه تم تشييد دعامات حجرية أمام الواجهة الرئيسة للكنيسة من تدعيمها، وقد صغر بابها الرئيسي ثلاثة مرات، والأبواب مرتبة كما يلي: الباب العلوي من فترة الامبراطور جستنيان، الباب الثاني من الفترة الصليبية، أما الباب الثالث فيعود للفترة العثمانية وهو أصغرها ويعرف باسم باب التواضع.

يتم الدخول إلى صحن الكنيسة (البازيليكا) عبر مجاز به باب خشبي مصمم وفق النمط الأرمني، تبرع به الملك الأرمني هيتوم الثاني عام 1227م، كما يظهر عليه اسم السلطان المالك المعظم. ووضع في الرواق الجنوبي للكنيسة جرن المعمودية، بحسب حمامرة.

وأوضح أن المغارة التي ولد فيها السيد المسيح تحتوي على درجين، أحداهما في الجهة الجنوبية والآخر في الشمالية، وبداخل المغارة يوجد المذود (الذي وضع فيه الطفل عيسى)، ونجمة فضية فوق أرضية بيضاء من الرخام، تحمل نقشا باللغة اللاتينية يقول: "هنا ولد المسيح من العذراء مريم"، وحاليا يزين الكهف خمسة عشر قنديلا فضيا، تمثل الطوائف المسيحية المختلفة والعديد من صور وأيقونات القديسين.

وأكد أنه يحيط في الكنيسة مجموعة من الديرة وهي: دير الروم الأرثوذكس، دير الأرمن، كنيسة القديسة كاترينا، المغائر التابعة لكنيسة المهد، مغارات القديس جيروم من العصور الوسطى، مزار أطفال بيت لحم الشهداء، مغارة قديمة لذكرى أطفال بيت لحم الشهداء، صومعة القديس جيروم، قبور تذكارية للقديستين بولا واستوكيا وازيبيوس تلميذ جيروم، مزار للقديس يوسف، وممر مؤدي إلى مغارة المهد.

ومن جهتها أكدت حنان نجاجرة، مديرة موقع التراث العالمي في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أنه منذ نشأة مدينة بيت لحم التي تحتضن كنيسة المهد كانت تشد الانتباه إليها من جميع المدن والقرى الفلسطينية المحيطة بها وكانت مقصدا للزيارة على المستوى المحلي ثم على المستوى الدولي العالمي.

 

      حنان نجاجرة مديرة موقع التراث العالمي في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية

وقالت نجاجرة لـ "عربي21": "لم تكن كنيسة المهد والتي هي أحد أهم نقاط الجذب في المدينة والأكثر زيارة في المدينة حكرا على أبناء الطائفة المسيحية وإنما كانت ومازالت مزارا ومقصدا من مسلمي فلسطين كافة ومسلمي العالم عند زيارتهم لفلسطين إيمانا نبي الله عيسى و تقديرا للسيدة مريم العذراء".

وأضافت: "بلغ عدد زوار كنيسة المهد في العام 2019 حوالي مليون ونصف زائر، وحتى خلال العام 2020 وعلى الرغم من جائحة كورونا فقد تعدى عدد الزوار ربع مليون زائر".

وتابعت: "لطالما كانت ساحتها (ساحة المهد) التي تحتضن على أطرافها مسجدا وكنيسة هي نقطة التجمع الأولى لأبناء المحافظة في المناسبات الرسمية والشعبية وهي المساحة المفتوحة التي تعقد بها كافة الاحتفالات التي تحتضنها مدينة بيت لحم، وقد كانت فيما مضى وفي بدايات القرن التاسع عشر والقرن العشرون سوق المدينة و نقطة التقاء تجار المنطقة بأهل المدينة وقراها وكذلك زوار الكنيسة من مختلف الأقطار".

وأوضحت أن كنيسة المهد مثلت ملجأً لأهل مدينة بيت لحم، خاصة يلجئون إليها في أزماتهم وقت النزاعات والحروب حيث كانت تمثل لهم الملجأ والحماية لاعتقادهم انه لا يمكن الاعتداء عليها كموقع ديني له أهميته وحرمته، ضاربة مثل لجوء المقاومين والحصار الذي جرى للكنيسة لمدة تقارب أربعين يوماً أبان الاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية عام 2002 ومن ضمنها مدينة بيت لحم.

 



وأشارت نجاجرة إلى أنه ورغم ذلك فانه أثناء اجتياح مدينة بيت لحم في نيسان 2002 قامت قوات الجيش الإسرائيلي بإطلاق النيران وقصف كنائس ومساجد عديدة من ضمنها مسجد عمر المقابل لكنيسة المهد واشتعال النيران به، وعندها لجأ المناضلون إلى الكنيسة.

وقالت: "تم في حينه إطلاق النيران الكثيف على الكنيسة وعلى المواطنين والرهبان الموجودين فيها وسقط عدد من الشهداء وقامت قوات الجيش في حينه بصحبة آليات عسكرية ثقيلة بحصار الكنيسة والاعتداء على المباني و المرافق التابعة لها و تم فصل التيار الكهربائي عن الكنيسة ومحيطها طول فترة الحصار وبسبب إطلاق النار الكثيف على الكنيسة اشتعلت النيران بمدخلها وتدمير أجزاء منها وتضرر أجزاء أخرى، واقتحمت القوات الإسرائيلية الأجزاء الخاصة بكل من دير الأرمن والروم الأرثوذكس و الفرنسيسكان".

وأضافت: "عند إدراج موقع (مكان ميلاد السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج- بيت لحم) على لائحة التراث العالمي في العام 2012، تم إدراجها في حينه على لائحة المواقع تحت الخطر وذلك بسبب الأضرار الموجودة في المباني والأسقف و شبكات الكهرباء بسبب تسريبات المياه و تهالك البنية التحتية وعدم إجراء أي أعمال صيانة جذرية منذ القرن التاسع عشر".

 



وتعرض الكنيسة لزلزال قوي عام 1834م سبب أضرار قوية بالمبنى وفي حال تعرض الكنيسة لزلزال آخر أو حتى ارتدادات زلزال جديد قد يؤدي إلى انهيارها وبالتالي ضياع قيمة عالمية استثنائية سواء من الناحية الدينية أو المعمارية حيث تعكس الكنيسة أنماط البناء و العمارة للقرن الرابع للميلاد من خلال ما تبقى من الكنيسة الأولى (كنيسة هيلانا) والقرن السادس (كنيسة جستينيان) والتي مازالت قائمة إلى يومنا هذا. بحسب نجاجرة.

وأشارت إلى أنه وبناءً على ذلك قام الرئيس محمود عباس وبشكل عاجل بتشكيل لجنة رئاسية أوكل اليها التنفيذ والإشراف على جميع أعمال الترميم الضرورية برئاسة الوزير زياد البندك وبدأت أعمال الترميم من15/ 09/ 2013 وانتهت أعمالها الأساسية 16/ 05/ 2019. ومازالت اللجنة تسعى للحصول على تمويل لانجاز بعض أعمال الترميم الأخرى في محيط الكنسية. 

وأوضحت أنه مع انتهاء أعمال الترميم والتدعيم لمبنى الكنيسة وتقديم وزارة السياحة للخطة الإدارية الحفاظية لموقع التراث العالمي تمت مصادقة لجنة التراث العالمي على نقل الموقع من قائمة الخطر إلى القائمة الدائمة وذلك في الجلسة الثالثة والأربعون و التي عقدت في باكو عاصمة أذربيجان صيف العام 2019.

وبحسب نجاجرة فقد قد تضمنت أعمال الترميم ترميم الأسقف الخشبية واستبدال الدعامات الخشبية المتآكلة والتي يتعذر ترميمها، وتركيب قرميد جديد بمساحة كلية 1625متر مربع، واستبدال 42 شباك خشبي متهالك وتركيب شبابيك خشبية جديدة مع زجاج مزدوج وعازل للاشعة الضارة UV، وترميم مدخل الكنيسة يشمل السقف والأبواب الخشبية، و ترميم ما مجموعه 3365 متر مربع من أعمال القصارة الداخلية، وترميم أعمال الفسيفساء الجدارية بمجموع 125 متر مربع، ترميم الجدران الخارجية للكنيسة والأعمال الحجرية بها بمجموع 3076 متر مربع.

 



كما تم ترميم 52 مجموعة فنية خشبية بمجموع 154 متر، وترميم 50 من الأعمدة الرخامية والتي تحتوي 32 منها على لوحات فنية (ايقونات) تمثل القديسين والرسل، وإعادة تركيب شبكة كهرباء داخلية للكنيسة واستبدال وحدات الإضاءة وتركيب نظام كاشف دخان لمنع خطر اندلاع الحرائق، وترميم الأرضية الرخامية في الكنيسة، وترميم أرضيات الفسيفساء وتركيب أبواب خشبية لحمايتها.

ومن جهته أكد الكاتب والصحفي من بيت لحم أيمن ربايعة على أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول طمس الهوية الدينية والفلسطينية للاماكن الأثرية بشتى السبل ويتناول هذه الأماكن في إعلامه بأنها أماكن إسرائيلية ويهودية، ما يشكل عبئا إضافيا على الصحفيين الفلسطينيين لتفنيد الرواية الإسرائيلية واطلاع العالم على الرواية الصحيحة حول هذه الأماكن.

 

                     أيمن ربايعة.. كاتب وصحفي من بيت لحم

وشدد رباعية في حديثه لـ "عربي21" على أن الإعلام يلعب الدور الأكبر في إبراز مكانة الأماكن السياحية والأثرية التاريخية في فلسطين بالشراكة مع الجهات الرسمية والأهلية ذات العلاقة، وذلك بالعمل على تناولها في مواد إعلامية وصحفية ترويجية وتعريفية.

وقال: "الاحتلال يؤثر على التغطية من خلال منه الصحفيين من الوصول إلى الأماكن الأثرية في القدس وعدم منح الصحفيين التصاريح اللازمة لذلك، كما يعمل على عرقلة عمل الصحفيين فيما يتعلق بالمواقع الأثرية الواقعة في المناطق المصنفة ج ويعتدي على الطواقم الصحفية ويعرض حياتها للخطر".

وأضاف: "لا يعتبر الدين عائقا أمام الصحفيين للحديث عن الأماكن الأثرية والدينية المسيحية أو الإسلامية ، فالتغطية الإعلامية للأمور المتعلقة بتلك الأماكن لا تدخل في مناقشة الجوانب الدينية بشكل تفصيلي للحفاظ على التعايش والسلم الأهلي واحترام المعتقدات والأديان كافة".

وشدد رباعية على أن هناك جهود كبيرة تبذل من قبل الصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين في تفنيد روايات الاحتلال حول المواقع الأثرية الفلسطينية ومحاولة تهويدها إلا أنها لا تزال غير كافية نتيجة للعديد من المعيقات الفنية والمادية، مؤكدا على أن الموضوع يحتاج لتضافر الجهود بين الإعلام الرسمي والخاص لوضع هذه الأماكن على خريطة العالم السياحية برواية فلسطينية أصيلة.

واعتبر الكاتب والصحفي الفلسطيني أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت اليوم من أهم تلك الوسائل لإيصال الرواية الفلسطينية في ما يتعلق بالأماكن الأثرية والعمل على تكثيف النشر بكل اللغات وبكل الفنون الصحفية سواء المكتوبة أو المسموعة أو المرئية.

وقال: "حرب الرواية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني أخطر بكثير من الحرب التقليدية على وجوده".

وأضاف: "الأمر يحتاج فقط لمزيد من الجهد وستكون النتائج مرضية تماما في ظل تفاعل العالم مع بعضه البعض على تلك المواقع".

 

 


النقاش (0)