كتاب عربي 21

الشعبوية قليل من الموضوعية وكثير من الغوغائية

جعفر عباس
1300x600
1300x600

في ذات عام سأل الصحفيون الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ما إذا كان يعتزم حضور جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي كانت مقررة للبت في قضايا تهم دول الشرق الأوسط، فقال ما معناه: تريدون مني أن أجتاز المحيط الأطلسي لأذهب إلى نيويورك لأتكلم فقط لخمس دقائق ثم أعود؟ هذا لن يحدث، وكانت تلك من اللحظات القليلة في مسيرته في السلطة التي تحلى فيها بقدر معقول من الأمانة، ففي المرحلة التي حسب فيها أنه صار مفكرا في قامة كارل ماركس أو آدم سميث، رأى القذافي أن الخطب الجماهيرية وحدها لا تكفي، فصار يقدم برنامجا تلفزيونيا مفتوح الأمد، يخوض فيه في كل شيء مستعينا بالسبورة والطباشير.

أكثر تعريفات الشعبوية رواجا واستخداما هي القائلة بأنها تعني اصطفاء عامة الناس وليس النخب من قبل الحكام والساسة والأحزاب، والاصطفاء هنا لا يعني بالضرورة الانحياز لمصالح عامة المواطنين، بل يعني في غالب الأحوال مجرد الزعم بإيلاء قضايا المواطن العادي كل الاهتمام، ولهذا يعمد الشعبويون من اليمين واليسار إلى الخطابة المطولة لدغدغة وتهييج مشاعر الجماهير.

ورغم أن المناهج المدرسية في العالم العربي تميل إلى الإيحاء بأن الخطاب العام في عصور ما قبل الإسلام كان شعرا، إلا أنه من الثابت ان خطباء عربا كثيرين كانوا يعتلون المنابر ويخاطبون الناس نثرا، لأن النثر أكثر قدرة من الشعر على الخوض في التفاصيل، كما أنه من المتعذر ارتجال الشعر في منبر، وكما هو الحال حتى في عالمنا المعاصر فإن النثر يسمح بترتيب الأفكار وطرح مختلف الشؤون بلغة أكثر دقة من الشعر، ويحفظ التاريخ مكانة خطباء العصر الجاهلي أمثال قس بن ساعدة الإيادي، وعتبة بن ربيعة، وضمرة بن ضمرة، وعمر بن كلثوم، ولبيد بن ربيعة، وقيس بن خارجة بن سنان وغيرهم، بينما برع في الخطابة في العصر الإسلامي مصعب بن الزبير، وواصل بن عطاء، وإياس بن معاوية، وطارق بن زياد ومالك بن دينار، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف الثقفي.

لكي ينجح الزعيم الشعبوي في المجال التعبوي بتحريك عواطف المواطنين كي يلتفوا أو يزدادوا التفافا حوله، لابد له من أن يملك تلك الجاذبية المسماة (كاريزما)، وفي التاريخ العربي المعاصر كان الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر هو من ابتدع الخطب الجماهيرية الطويلة، وبما يملكه من طاقة كاريزمية هائلة كان قادرا على أن يعمل البحر طحينة كما يقول المصريون عمن يبذل طيب الكلام والوعود، ويصور الواقع على غير حقيقته ويصوره على أنه زاهٍ.

في عام 1957 وقف وزير المال الهندي كريشنا مينون أمام الجمعية للأمم المتحدة متحدثا عن حق بلاده في اعتبار كشمير جزءا منها، واستغرق ذلك منه سبع ساعات، (هذه المعلومة مسجلة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية)، وبعدها "توبة" ـ تم تحديد المدة الزمنية لخطاب ممثل كل دولة، وبعدها استضافت جامعة أكسفورد البريطانية مينون ليلقي محاضرة عن حركة عدم الانحياز، ولما تجاوز حد الساعة المقرر للمحاضرة عمد أحد الحضور من الإنجليز إلى استفزازه بالقول إن مينون أخطأ في استخدام كلمة ما، فقال له مينون: ربما ما تقوله صحيح إذا كان معيارك لغة المزابل التي تلتقط منها مفرداتك، ولكنني تعلمت الإنجليزية بالمجاهدة والمكابدة.

 

في التاريخ العربي المعاصر كان الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر هو من ابتدع الخطب الجماهيرية الطويلة، وبما يملكه من طاقة كاريزمية هائلة كان قادرا على أن يعمل البحر طحينة كما يقول المصريون عمن يبذل طيب الكلام والوعود، ويصور الواقع على غير حقيقته ويصوره على أنه زاهٍ.

 



وكان الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو شعبويا من الطراز الأول، ولكن كان لديه ما يقوله على الدوام خلال المخاطبات الجماهيرية، خاصة ما يتعلق بمعاداة الولايات المتحدة لبلاده، ولكنه كان يغمر إخفاقات حكومته بمعسول الكلام عن "غد أخضر"، والماركسيون يهدئون خواطر من يحاولون استمالتهم لفكرهم بمقولة إن النظرية رمادية والمستقبل أخضر؛ وعندما خاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1960 ظل كاسترو يتجاهل النداءات بانقضاء المدة الزمنية المخصصة له ولم يسكت إلا بعد أربع ساعات و29 دقيقة.

وفي سودان اليوم حيث قامت شراكة في السلطة بين مدنيين وعسكريين على انقاض حكم المشير عمر البشير، يحاول محمد حمدان دقلو "حميدتي" الذي فاز برتبة فريق أول ثم بمنصب نائب رئيس مجلس السيادة، أن يمسح من ذاكرة المواطنين السيرة غير العطرة للقوات التي تولى تشكيلها (الدعم السريع) وتحويلها إلى أداة بطش بلا كوابح، بأن يكثر من صعود المنابر والتحدث بلغة "ابن البلد البسيط"، ثم يجد نفسه في ذات الوقت مطالبا بإثبات أنه رجل دولة، فصار يقوم من نقرة يقع في دحديرة كما يقول المصريون عمن يخرج من مأزق ليقع في آخر أشد فداحة، وينتهي به الأمر وهو لا يطول عنب الشام ولا بلح اليمن.


التعليقات (1)
كاظم صابر
الإثنين، 19-07-2021 12:59 م
بما أن المقال قد ابتدأ بالحديث عن القذافي ، هذا الذي أعطاه الاستعمار 42 عاماً ليتحكم في ليبيا ، فإنني أعترف بأنني أضعت وقتي بمتابعة خطب كثيرة له عصارتها بائسة و تشبه الخروب " خشب كثير و سكَر قليل" . كان يرتجل الكلام في أحيان كثيرة مما أوقعه في مواقف باعثة على الضحك ، و كان أحياناً لا يدري ماذا يقول فيتمَ تشغيل هتافات "المخبرين" لتغطي على عجزه مثل هتاف "طز مرة ثانية بأمريكا و بريطانيا" . أهم شيء ، كان اعتباره أموال ليبيا ثروة خاصة له ينفق منها ما يشاء على من يريد . ما تبقى منها ، و هي مئات المليارات من الدولارات ، كانت أمريكا فقط تعرف أين هي موجودة بالضبط بسبب تتبعها لحركة الأموال حول العالم . طريقة قتل الزعيم هذا كان واضحاً فيها منع خضوعه للتحقيق حيث أنه كان مجروحاً ثم -عند اعتقاله- ضربه أحد حراسه في اللحظة الأخيرة بالرصاص في صدره للإجهاز عليه . النتيجة : طارت هذه المليارات من ثروة ليبيا و لا أمل أن تعود إليها. من طراطير العرب من كان يقرأ من ورق مكتوب بخط كبير مع كل التشكيلات للكلمات ، و مع ذلك لو كان عدد كلمات الخطبة 1000 فتوقع أن يخطئ بما لا يقل عن 900 كلمة رغم تدريبه على قراءتها و هذا الأمر شاهده الناس – و منهم أنا – لطرطور متوفى بل و كان العجب من أين يأتي بالخطأ فمثلاً كتبوا له في الخطبة جزءاً من آية كريمة " و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون" و إذا به يقول " و قل اعملوا فسيروا ... ثم أكمل من دون أن يجرؤ أحد على تصحيحه . أحد الطراطير الحاليين ، يظن في نفسه أنه أفصح الناس ، لكنه حقيقة مثل يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين " ما بيجمعش ، بلهجة أهل مصر". هذا البائس يكرَر نفس الكلام منذ عقدين من الزمان و يخطب مثلاً مدة ساعتين لكنه "لا يقول شيئاً !!" في نهاية المطاف . بعد غوص المثقفين المطلعين و المحللين اللامعين لأي خطبة له ، تكون النتيجة عدم العثور على فكرة منطقية واحدة قابلة للمناقشة أي أن كلامه "علاك مصدَي ، بلهجة أهل الشام" . اللهم ولِّ علينا خيارنا، ولا تولِّ علينا شرارنا ، في كافة أرجاء الوطن العربي . آمين .