قضايا وآراء

انتخابات حماس.. تجديد للشرعيات!

يحيى العبادسة
1300x600
1300x600
لقد أجرت حركة حماس انتخاباتها الداخلية في إقليم قطاع غزة باقتدار وكفاءة ونجاح وبشكل سريع وسلس، أشاد بها قائدها الأخ إسماعيل هنية. وعبرت بعض قيادات الفصائل والعمل الوطني الفلسطيني عن موقف مشابه أظهرت فيه احترامها وتقديرها للانتخابات الدورية التي تجريها حركة حماس بانتظام، وطالبت هذه القيادات فصائل العمل الوطني بأن تحذو حذوها في ذلك.

ولأول مرة تنتقل عملية الانتخابات لدى الحركة من الإطار السري الخاص إلى فضاءات الإعلام، وإلى دائرة الاهتمام الشعبي والوطني، ولعل ذلك يعطي الحركة مكانة متقدمة في ممارسة الديمقراطية. كما أن تتابع العملية الانتخابية كل أربع سنوات أظهر الحركة بأنها حركة موحدة، وتمتلك بنى تنظيمية متماسكة وقوية، وأنها حافظت على تماسكها ووحدتها بالرغم مما واجهته من حروب وحصار ومؤامرات.

وبلا شك أن حركة حماس تعطي لغيرها من الحركات القومية واليسارية أنموذجاً ومثلاً في التداول القيادي السلمي، ينفي عنها الاتهامات التي تصفها وتصف الإسلاميين عموما بمعاداة الديمقراطية، كما أن حركة حماس أثبتت عملياً بأنها لا تقدس الأفراد، فقانونها يحدد الفترة القصوى لشغل منصب رئيس المكتب السياسي بفترتين انتخابيتين، أي بما لا يزيد على ثماني سنوات، وبذلك فإن الأمناء العامين السابقين للحركة ما زالوا أحياء ويتمتعون بصحة جيدة، وفي مواقع قيادية أخرى، مثل: د. موسى أبو مرزوق، وأ. خالد مشعل، ود. إسماعيل هنية.
حركة حماس تعطي لغيرها من الحركات القومية واليسارية أنموذجاً ومثلاً في التداول القيادي السلمي، ينفي عنها الاتهامات التي تصفها وتصف الإسلاميين عموما بمعاداة الديمقراطية، كما أن حركة حماس أثبتت عملياً بأنها لا تقدس الأفراد

إن الانتخابات هي الآلية المثلى لاختيار القوي الأمين، أو بلغة العصر الأكفأ والأقدر على تحقيق مصالح العباد والبلاد، ويفترض أن الانتخابات إذا تم إجراؤها في إطار شوري ديمقراطي أن تفرز قيادات على قدر من الأهلية والكفاءة والقدرة والحضور لتحقيق مصالح الحركة والارتقاء بها على الصعيد الداخلي والخارجي.

ولكن رغم الإشادة بانتخابات الحركة فإنه ليس كل انتخابات توصف بأنها ديمقراطية وتنافسية، وأن قراءة التجارب الإنسانية تظهر أن البعض طور أدوات وأساليب للتلاعب في عملية الانتخابات؛ بغرض تحقيق مقاصد غير تلك التي ترجى من الانتخابات الديمقراطية.

ولذلك اهتم العالم بوضع معايير يمكن من خلالها التفريق بين الانتخابات الديمقراطية التنافسية؛ وبين غيرها من الانتخابات اللا ديمقراطية واللا تنافسية.

وليكن معلوما أن الانتخابات لا تنتج ديمقراطية، والعكس صحيح، فإن الالتزام بقواعد ومبادئ الديمقراطية تؤدي إلى انتخابات نزيهة.

إن نزاهة الانتخابات الحركية تتطلب بيئة ثقافية ديمقراطية، وتتطلب المساواة بين الأعضاء، وقدرة كل واحد في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمنافسة الانتخابية، وأن يتمتع الجميع بالامتيازات والحقوق بشكلٍ متساوٍ، وأن يعمل المتنافسون على المناصب في أجواء من حرية التعبير وعدم التمييز أو التحريض أو الإبعاد أو الإقصاء على أساس الرأي أو الموقف، وضمان أن تلتزم المؤسسات السيادية في التنظيم بالحياد وأن لا تكون طرفاً لصالح فريق بعينه أو أشخاص بعينهم، وأن يلتزم جميع المتنافسين بمدونة أخلاقية وبمدونة قانونية، وأن يضمن القانون المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات، وأن تقوم الجهات الرقابية والقضائية بضمان كل ما سبق.
هل الانتخابات التي أجرتها حركة حماس في قطاع غزة التزمت بالمعايير والمبادئ والقيم سالفة الذكر؟ أم أنها انتخابات تفتقد إلى معايير الديمقراطية السليمة، ومعايير الانتخابات التنافسية؟

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل الانتخابات التي أجرتها حركة حماس في قطاع غزة التزمت بالمعايير والمبادئ والقيم سالفة الذكر؟ أم أنها انتخابات تفتقد إلى معايير الديمقراطية السليمة، ومعايير الانتخابات التنافسية؟ إن أهم هدف للانتخابات أن تحقق تداولاً سلمياً لشغل المواقع القيادية. والسؤال أيضاً: هل الحركة حققت ذلك فعلياً أم أن العملية الانتخابية لا تعدو كونها تجديدا لشرعية القيادة القائمة المرة تلو المرة؟

فأغلب أعضاء المكتب السياسي المنتخب في قطاع غزة في هذه الدورة هم أعضاء في المكتب السابق، دون أي تغييرات مهمة وجوهرية تذكر. فالعناصر الجديدة التي تم إدخالها إلى المكتب قد سبق استبعادها في انتخابات الدورة السابقة، وهي قيادات شغلت مواقع مهمة في المكاتب السياسية السابقة، وتم استدعاؤها واسترضاؤها لحشد التأييد لصالح تجديد قيادة الأخ أبو إبراهيم للدورة الجديدة.

كيف للنظام الانتخابي أن يحقق انتخابات تنافسية ديمقراطية وهو لا يسمح بحرية الترشح للانتخابات، ولا يسمح بالدعاية الانتخابية، ولا يسمح بنشر أسماء الجمعية العمومية للطعن عليهم، ولا يسمح بتشكيل قوائم انتخابية، ولا يطالب المرشحين بتقديم برامجهم الانتخابية والتعريف بها، ولا يتمتع الأفراد بنفس الحقوق والواجبات؟ فالقيادة هي التي تملك المقدرات وتملك الأدوات، وتملك المعلومات، والعنصر لا يكاد يطلع على القانون الذي يحكم العملية الانتخابية، فالقانون لا يصل إلى الجميع.

إن الانتخابات التنافسية لها أسس ومبادئ ومعايير، وينبغي الأخذ بها لتحقيق الغرض من الانتخابات، وهذا ما طالب به الدكتور غازي حمد في مقالة له تحت عنوان "الانتخابات بين النمطية والتجديد". إن الانفتاح وزيادة الوعي وتحويل الانتخابات إلى حلبة تنافس فكري وسياسي، وساحة لاستعراض المنجزات، بعيداً عن الشعارات الفضفاضة، هو المفتاح والحل لرفد الحركة بدمٍ جديد وقدرات مبدعة وخلاقة، تسهم في خلق نهضة حركية حقيقية في جميع النواحي الفكرية والسياسية والإدارية.

للأسف الشديد أن الانتخابات يحكمها نظام انتخابي قاصر، وفيه ثغرات تحتاج إلى معالجة، وتم استغلاله من قبل البعض بتلاعب لصالح الجهات المتنفذة في الحركة، بغرض تحطيم الكفاءات المهنية وإقصاء الشخصيات القيادية الوازنة والمعتبرة، وضمان عدم صعودها في المراحل الأولى للعملية الانتخابية، ليتم الاستفراد بترتيب المواقع كافة في المراحل الانتخابية اللاحقة وفق ترتيبات مسبقة يتم الإعداد لها في الغرف المغلقة، ويتم التوافق عليها بين مراكز القوى وأصحاب النفوذ والمصالح.
لقد آن الأوان أن تطور الحركة نظامها العام ولوائحها الانتخابية، بحيث يتم تجاوز الأخطاء السابقة، وضمان الحفاظ على وحدة الحركة وتماسكها التنظيمي، وتحقيق التوازن والتكامل بين جميع مكوناتها، وتحقيق بيئة تعزز الشراكة، وتحقق بدينامكيتها التداول القيادي

وعليه فإن الانتخابات لا تقوم على قاعدة الشراكة، وإنما تقوم على أساسٍ من الصراع والمغالبة والإقصاء وتهميش القامات الحركية، التي تمتلك رأياً حراً، وبالمقابل يتم تصعيد فريق كل مؤهلاته أنه صوتٌ انتخابي لتصعيد الفريق المطلوب في المراحل التالية، دون النظر إلى القدرات والكفاءات المهنية أو الحركية أو الثقافية أو العلمية. وعليه، فجميع الانتخابات فيها عوار وخلل بنيوي لا يمكن إصلاحه إلا بتغيير الأساس الفلسفي والقيمي والأخلاقي الذي ينبني عليه النظام الداخلي واللائحة الانتخابية.

لقد آن الأوان أن تطور الحركة نظامها العام ولوائحها الانتخابية، بحيث يتم تجاوز الأخطاء السابقة، وضمان الحفاظ على وحدة الحركة وتماسكها التنظيمي، وتحقيق التوازن والتكامل بين جميع مكوناتها، وتحقيق بيئة تعزز الشراكة، وتحقق بدينامكيتها التداول القيادي بدلاً من الاكتفاء بانتخابات نمطية تقليدية تجدد الشرعيات للقيادات القائمة. وهذا التغيير أدعى لإشاعة روح الوئام والتوافق والوحدة، وتمكين الحركة من مواجهة التحديات على الصعيد الداخلي والخارجي.
التعليقات (0)