مذكرات عاكف

صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (18)

محمد مهدي عاكف - جيتي
محمد مهدي عاكف - جيتي

أخر أيام الليمان

في الليمان؛ خرجوا بنا للجبل، وكنا نسير حوالي كيلومترين من الليمان حتى الجبل والحديد في أرجلنا. وكنا مقسمين إلى فرق، وكل فرقة فيها حوالي 10 أو 15 أخا، وعدد الفرق بين الأربعين والخمسين. وكان على كل فرقة أن تقوم بتحميل عربة قطار من الحجارة. وبالطبع نحن لم نكن نستطيع تكسير حجر ولا حمله، ولكن لأننا كنا منتشرين بين الفرق، فلم تكن هناك مشكلة؛ حيث كانت كل مجموعة متفاهمة مع فرقتها، وكان المسجونون القدامى ماهرين في وضع الحجارة، بحيث تبدو عربة القطار ممتلئة بسرعة. وعلى الرغم من كل شيء فقد كانت فترة الجبل فترة طيبة، فكنا نتعبد فيها مع أننا نعمل في الشمس. وفي نهاية النهار نعود، ولا يشعر بنا أحد، ولا يقوم أحد بعمل مشاكل.

وكنت مسؤول الجبل للإخوان، وليس لكل الجبل، فرئيس الجبل من المساجين الذين كانت كلمتهم ماضية عند المأمور، فلا بد أن يكون رجلا مر عليه 15 عاما في الليمان. ولكن كنت أنا رئيس الجبل لمئتين من الإخوان الموجودين، وكان لي عِمّة كبيرة ومكانة بين المسجونين. وذات مرة أحب رئيس الجبل الكبير أن يسيطر على الإخوان، فقال: ممنوع النظارات، ممنوع الصلاة، وذلك لأن الإخوان كانوا يرتدون النظارات الشمسية، حيث أن تراب الجبل شديد السوء على العيون، وفي وقت الظهر نقيم الصلاة ونصلي. فعندما قال ذلك أمسكت به ودفعته للحائط بقوة - وكان هو أطول مني ولكني أقوى منه- وقلت له: اسمع، إن سمعت صوتك تذكر الإخوان بعد ذلك سأدفنك هنا، وحضر الناس ليخلصونا. وبعد ذلك خافوا لأنني كنت قويّا وصوتي جهوري، وحضروا مساء في الليمان ليعتذروا لنا، وحضر هذا الرجل واعتذر لي، وسارت الأمور على ما يرام.

كان أغلب الإخوان في فرقة تكسير الحجارة؛ مقيدين بحبل. وكانوا يقومون بمهمة تكسير الحجر خير قيام، وكان بعضهم يرتل القرآن، والبعض الآخر ينشد الأناشيد الحماسية، استعلاء على الصعاب، واستهانة بهذه الأعمال الشاقة، فكانوا موضع التقدير والاحترام من النزلاء، ومن بعض الموظفين بالسجن.

ومما هو جدير بالذكر؛ أنني كنت أشترك مع النزلاء في لعبة العصي (التحطيب). وكنت أضع على رأسي عمامة كبيرة كرجال الصعيد، وقد رآني فضيلة المرشد وأنا في هذه الحلقة أتحرك يمينا وشمالا معتزا بهذه اللعبة التي لا يزاولها إلا الشجعان من الرجال، فما كان من فضيلة المرشد - رحمه الله - إلا أن طلب مني إحضار عمامة كبيرة تشبها بنزلاء السجن، وقد امتثلت لرغبته، وأخذ العمامة ووضعها على رأسه بطريقة خاصة؛ كشفت عن حقيقته رجلا مكافحا صلبا يهزأ بالأحداث مهما كان ثقلها، ويلين بالحق في سبيل الحق. وهكذا كانت هذه الفترة الأولى في حياة السجون.

وأذكر أن إدارة السجن قيدت الإخوان بقيد من حديد يُربط طرفه بوسط الجسم، ويوضع طرفه الآخر في الأرجل، وذلك حتى لا يستطيع الأخ الجري أو الهرب. وهذا تقليد قديم يتبع مع عتاة المسجونين، وأكابر المجرمين. أما الآن فقد صار ليمان طرة ليس مجرد سجن فقط، ولكنه صار منطقة سجون فيها عدة سجون مثل الليمان نفسه، وسجن مزرعة طرة، وملحق مزرعة طرة، وسجن المحكوم.. كلها عاش فيها الإخوان ونزلوا ضيوفا عليها.. "فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (آل عمران: 146).

رحلة إلى الواحات 

عاش الإخوان المحكوم عليهم ستة شهور في ليمان طرة؛ يقطعون الحجارة في الجبل، وهي منطقة جبال مليئة بخام الحجر الجيري الذي يستخدم في صناعة الأسمنت، حيث تنتشر في هذه المنطقة مصانع الأسمنت مثل مصنع أسمنت طرة، ومصنع أسمنت حلوان.

ثم فوجئت الحكومة بأن صحة المرشد الثاني، حسن الهضيبي، قد تدهورت، فأصدرت قرارا بحبسه في منزله في منطقة الروضة بالقاهرة، وتم ترحيل عدد من قيادات الإخوان إلى سجن الواحات الخارجة. وكان عدد الذين تم ترحيلهم حوالي 350، وتم أيضا ترحيل بعض عتاة المجرمين المتهمين في قضايا القتل. وإلى جانب هؤلاء، كان هناك بعض من الشيوعيين، وكانت الحكومة قد اعتقلت أغلب قياداتهم منذ عام 1958 عندما رفضوا أن يسيروا في ركب الثورة.

في يوم 5 رمضان (أيار/ مايو) 1955م، فوجئنا بترحيل مائة أخ إلى الواحات، وكان كلهم من الأسماء الكبيرة، وكنت واحدا منهم، وكنا قد سبقنا مجموعة الـ350 الذين جاؤوا من بعدنا. وكانت رحلة قاسية جدا، فقد ظللنا 24 ساعة في القطار، ثم عند بلد تسمى "المواصلة" عند قنا؛ انتقلنا لقطار آخر في غاية السوء، ليصل بنا إلى الواحات. ولكي نسرِّي عن أنفسنا، كنا نقضي الوقت في هتافات مدوية. ومن الطريف أن المأمور الذي كان مكلفا بتوصيلنا، واسمه الحلواني، أحضر العساكر، فكنا نهتف من جانب وهم يهتفون من الجانب الآخر!

وفي الليلة الأولى التي قضيناها في هذا السجن، أصدر مأمور السجن أمرا بتقييد الإخوان بالسلاسل الحديدية، وربط كل مجموعة بعمود الخيمة، حتى لا يستطيع أحد من الإخوان التحرك أو الهرب. لكن الإخوان رفضوا ذلك الأمر، وقرروا الوقوف ضد تنفيذه مهما كلفهم الأمر. ولما تلبد جو السجن بالتمرد على إدارته، اتصل مأمور السجن بمحافظ الواحات الخارجة، وأخبره بالوضع، فرد عليه المحافظ وقال: لا داعي لهذا الإجراء، فإن الإخوان في مكان ناء بعيد عن الوادي والعمران، فهم في صحراء شاسعة، ولو هرب أحدهم فلن يستطيع أن يهتدي لأي مكان. وقال مأمور السجن إنها أوامر صدرت إليه من وزارة الداخلية، فاتصل المحافظ بوزير الداخلية زكريا محيي الدين، وطمأنه بأنه مسؤول شخصيا عن وقوع أي حادث هروب. وانتهت المشكلة عند هذا الحد، وبعد ذلك قامت إدارة السجن بتنسيق مرافق السجن والخيام، بمعاونة الإخوان والنزلاء الآخرين.

وفي الواحات، وضعونا في مكان واسع جدا في صحراء لا ماء فيها ولا شجر.. ليس هناك إلا بعض الخيام الملقاة على الأرض. وكنا في رمضان، ولكن الإخوان كانوا بواسل بالفعل. ولا أنسى الدكتور حسين كمال الدين، والأخ عبد السميع عفيفي، والحاج محمد الشناوي، ومحمود بكري، حيث بذلوا جهدا ضخما جدا، حتى نصبنا الخيام لمئة من الإخوان. وكانت أكبر المشاكل هناك هي مشكلة المياة، فلكي نحضر ماء الشرب، كنا نسير مسافة كيلومترين لنملأ من عين تخرج من الأرض. وعشنا حياة قاسية جدا لمدة ستة أشهر، كدنا فيها أن نهلك، وتشققت شفاهنا، فما رأينا خضرة.. لكن صبرنا، وظللنا نعمل ونستغل كل شيء في هذا السجن من أجل الحياة. وكنا نتناوب السير للوصول للبئر لجلب الماء، فكانت الحياة في بدايتها صعبة جدا؛ فجاست في النفوس الآلام، وتذكر البعض الأهل والأولاد، فكانت محنة علينا أخرى. وزاد الأمر مجموعة الشيوعيين الذين كانوا معنا في السجن، حيث كانت مشكلة المياة تمثل أكبر المشاكل، حتى قام أحد الإخوة بعمل مفاجئ.

 

اقرأ أيضا: صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (17)

اقرأ أيضا: صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (16)

التعليقات (0)