قضايا وآراء

معركة الأمل واليأس

بهاء عفيفي
1300x600
1300x600
يخوض الشعب المصري معركة مصيرية في تاريخه المعاصر، حيث تكمن صعوبة المعركة في مواجهة اختيار صعب بأن يكون للشعب دور في تحديد مسار العملية السياسية في مصر. فالمصريون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما المشاركة بكثافة في عملية انتخابية ينقصها كثير من معايير النزاهة والشفافية من أجل إنهاء حكم السيسي عن طريق الصندوق، أو الاستسلام إلى فكرة أن السيسي قد ضمن نجاحه قبل الانتخابات لسيطرته على أجهزة الدولة المختلفة، وأنه سيزور الانتخابات، وعليهم أن يمكثوا في بيوتهم وينتظروا قضاء الله أن يخلصهم من السيسي الذي سلط عليهم ليذيقهم الذل والهوان.

تكمن صعوبة الاختيار في أن السيسي قد نجح في زراعة اليأس في نفوس المصريين من إمكانية الخلاص منه، وأطلق أجهزته الإعلامية من أجل الترويج لفترة رئاسية جديدة لاستكمال إنجازاته المزعومة. كما أنه لم يتوقف عن تهديد المصريين بأن رحيله عن السلطة سوف يؤدى إلى انهيار مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، وكأن الجيش المصري أصبح ملكاً للسيسى، وأن مؤسسات الدولة سوف تتوقف عن العمل بمجرد اختفاء السيسي من المشهد السياسي. ما يفعله السيسي هو أمر متوقع من رجل متشبث بالسلطة، ولا يتصور نفسه في أي منصب غير منصب رئيس الجمهورية، رغماً عن الجميع.

ولكن المؤسف أنه توجد بعض قوى المعارضة التي تساعد السيسي، بقصد أو بدون قصد، من أجل تحقيق هدفه. فهم يكرّسون أن السيسي سوف يفوز بالانتخابات حتى ولو بالتزوير، متناسين أن الشعب وحده هو الذي يمكنه أن يقطع الطريق على السيسي، وأن يقوم بفضح تزويره بالمشاركة الإيجابية الكثيفة التي تقطع الطريق على التزوير.

وللأسف، فإن من يعارض المشاركة في الانتخابات لا يطرح حلولاً أخرى للتخلص من السيسي، بل لا يتوقف عن ثني المصريين عن المشاركة في الانتخابات، بل ويكيل الاتهامات بالخيانة والعمالة لمن يحاول دخول حلبة الانتخابات من أجل الفوز واسترداد الوطن المسلوب، أو حتى المشاركة الانتخابية من أجل فضح تجاوزات النظام في العملية الانتخابية. وهؤلاء المزايدون أصبحوا على استعداد لأن يقبلوا الذُل والهوان من السيسي، ولا يقبلون أن يدعموا من يحاول أن يقوض نظام السيسي، وهو أمر يصعب فهمه على أي إنسان عاقل.

وبنظرة الأمل والحرية، يمكننا أن نرى أن هناك طرقا كثيرة للاستفادة من الانتخابات، ومنها إسقاط السيسي الذي ليس له شعبية في الشارع الآن، بالمقارنة بعام 2014، حيث قدم نفسه على أنه مخلص مصر من طاغوت الإخوان، وأنه من سوف يخلق التنمية الاقتصادية، وأنه سوف يبني مصر الحديثة، إلى أن أفاق الشعب على موجة غلاء غير مسبوقة، وانهيار أمني على كافة الأصعدة، لدرجة تعرض وزيري الدفاع والداخلية إلى محاولة اغتيال، وتراجع دور مصر الإقليمي، لدرجة استهزاء وزير الخارجية الإثيوبية من مصر، وتحديها علناً بأنها لا يمكن أن تفعل أي شيء بخصوص سد النهضة. ووصل الأمر إلى التفريط في التراب المصري والحقوق التاريخية الأصيلة في مياه نهر النيل. وحتى وإن لم ينجح مرشح القوى الوطنية في الفوز بالانتخابات، فهو قادر على كشف التزوير والتلاعب في العملية الانتخابية؛ لأن من حق أي مرشح أن يكون له مندوب في كل لجنة، وهي ميزة لا تتوفر في حال مقاطعة الانتخابات. بل على العكس، فإنه في حال المقاطعة فقد أصبحت الفرصة سانحة للسيسي للتزوير، ولا عزاء للمقاطعين.

وإذا استرسلنا في التفكير قليلاً نجد أن أمام المصريين فرصة جيدة من أجل إظهار معارضتهم لحكم السيسي؛ عن طريق تحرير توكيلات للمرشح خالد علي، من أجل توثيق موقفهم السياسي، وأن تتحول عملية التوكيلات إلى انتخابات مبكرة تكسر حاجز الخوف للمصريين. فَلَو تخيلنا توجه خمسة ملايين من معارضى السيسي لمكاتب الشهر العقاري لتحرير توكيلات لخالد علي، فقد أصبح خالد علي حاصلا على خمسة ملايين صوت؛ قادرة على كسر حاجز الخوف عند المصريين، وتشجيعهم على النزول بكثافة من أجل التخلص من السيسي.

قد يظن البعض أنني متفائل أكثر من اللازم، بل أكون واهماً بمثل هذا التصور، ولكنني أسأل من يعترض على هذا الطرح: ألا يوجد خمسة ملايين من الشعب المصرى كارهين للسيسي؟ أليس في مقدورهم أن يتوجهوا إلى مكاتب الشهر العقارى ويقفوا في طوابير طويلة من أجل وطنهم؟ ألا يوجد كثير من الشباب بلا عمل أو أمل في اَي مستقبل؟ أيبخل هؤلاء الشباب على أنفسهم ببضع ساعات من أوقاتهم التي يقضونها على المقاهي؛ شاكين همهم لبعضهم، منتظرين معجزة من السماء تنتشلهم من البطالة والفقر؟ ألا يوجد في مصر من اكتوى بنار السيسي، ولا يستطيع أن يخرج في مظاهرة من أجل ولد معتقل بلا ذنب أو جريمة سوى أنه اعترض على التفريط في التراب المصري؟ أين أهالى الشهداء والمعتقلين الذين يخضعون للتعذيب في سجون السيسي؟.. وسيرد عليّ البعض بأن الجميع يخشى من القبضة الأمنية، وهنا الرد سوف يكون بأن القبضة الأمنية تستطيع أن تواجه مجموعة من الأفراد، ولا يمكنها مواجهة الملايين. والدليل على ذلك، رفض الجهات الأمنية إقامة أي مباريات في إستاد القاهرة بحضور جماهيري، وتنقل كل المباريات إلى إستاد برج العرب لأنه في قلب الصحراء، خوفاً من اندلاع المظاهرات.

أما بالنسبة لمن يعترض على العملية الانتخابية لخوفه من أنها سوف تعطى شرعية لنظام السيسي، فهذه حجة واهية؛ لأن السيسي سوف يحصل على شرعيته، سواء شاركت المعارضة أو لم تشارك؛ لأن الانتخابات لمن حضرها لا لمن قاطعها.

ولذلك، فإن المحصلة أن المقاطعة تصب في مصلحة السيسي، والمشاركة سوف تكون اختبارا للمصريين في قدرتهم على الخروج من جدار الخوف، وأن يكونوا إيجابيين من أجل وطنهم الذي هو على وشك الانهيار؛ تحت حكم طاغية ليس له مشروع سوى تدمير هذا الوطن. وعلى من ينادي بالمقاطعة أن يطرح خياراً آخر من أجل الخلاص من السيسي، بدلاً من تثبيط الهمم وإخماد أي حراك وطني يمكن أن يقوّض هذا النظام الفاشي.
التعليقات (0)