علي شيخون يكتب: تُنتج مصر كل عام عشرات الملايين من الأطنان من المخلّفات البلدية والزراعية والصناعية، يُعاد تدوير نصيب محدود منها، ويذهب أغلبها إلى مقالب مكشوفة، أو يُحرق في الحقول فتختنق به سماء الدلتا كل خريف. وفي الوقت نفسه تستورد البلاد بالعملة الصعبة خامات من البلاستيك والورق والمعادن والأسمدة كان يمكن أن تعوّضها تلك المخلّفات
علي شيخون يكتب: يخطئ أي تحليل للأمن المائي المصري إذا حصر الموارد المائية في مجرى النيل وحده، فالمنظومة المائية الحقيقية تشمل إلى جانبه الأمطار الموسمية المتساقطة على سيناء والساحل الشمالي وجبال البحر الأحمر، والمياه الجوفية المتجددة والمتراكمة في الوادي والدلتا والصحراء الغربية وأبرزها الخزان النوبي، فضلاً عن مياه البحرين المتوسط والأحمر بوصفها مصدراً خاماً للتحلية ومجالاً اقتصادياً مستقلاً بذاته. وتوسيع هذا التعريف شرط أساسي لأي استراتيجية مائية واقعية، لأن حصر التفكير في النيل يحمّله عبئاً يتجاوز طاقته الفعلية ويهمّش مصادر قابلة للتنمية
علي شيخون يكتب: لم يكن موقع مصر يوما حدودا تفصل إنما كان دوما جسرا يصل أفريقيا بآسيا والمشرق بالمغرب عبر قناتها الخالدة، واليوم تستدعي الطاقة النظيفة هذا الدور التاريخي نفسه فتتحول خطوط الكهرباء العابرة للحدود إلى قوافل جديدة تحمل النور بدل البضائع. فمن الجنوب تمتد كابلات الربط الكهربائي نحو عمق أفريقيا لتحمل فائض الطاقة المصرية إلى شبكات مجاورة متعطشة للكهرباء النظيفة. ومن الشرق يتعمق الربط مع دول الخليج ليُنسج نسيج طاقة عربي موحد تتبادل فيه الدول فوائض إنتاجها. ومن الشمال، تمتد كوابل بحرية تحت مياه المتوسط لتصل حقول الشمس المصرية بأسواق أوروبا الظمأى للطاقة النظيفة فتُصدَّر الكهرباء كما تُصدَّر السلعة
علي شيخون يكتب: الطاقة ليست ملفاً من ملفات النهضة إنما الركيزة التي تقوم عليها سائر ملفاتها؛ إذ لا تقوم صناعة وطنية ولا تزدهر زراعة ولا يتحرك قطار سياحة ولا ينبض اقتصاد رقمي إلا على أساسٍ من طاقة وفيرة رخيصة نظيفة. فمن يملك مصادر الطاقة يملك مفاتيح الصناعة والزراعة والنقل والتصدير، ومن يُحسن توظيف هبات الشمس والريح والموقع يكتب لأمته مقعداً بين الأمم الكبرى؛ فأمة تملك طاقتها تملك قرارها وتتحرر من موازين القوى التي تُملي عليها شروط تبعيتها
علي شيخون يكتب: مصر 2040 التي نطمح إليها ليست أبراجاً شاهقة تُبهر العين إنما مدنٌ تحفظ كرامة ساكنيها، وتصون موارد أبنائها، وتحمل وجهاً حضارياً يُعرَف به المصري أينما حلّ. مدنٌ تُنتج ولا تستهلك فقط، وتجمع الناس ولا تعزلهم، وتَعمُر بالحياة لا بالخرسانة وحدها. تلك هي المدينة التي تليق ببلدٍ يسعى لمقعدٍ بين العشرة الكبار؛ فالأمم الكبرى تُقاس بمدنها كما تُقاس باقتصادها
علي شيخون يكتب: مصر تضيف كل عام ما يقارب مليوني نسمة، وتدفعهم الحاجة إلى مساحةٍ ضيقة من الوادي والدلتا لا تتجاوز نسبةً محدودة من مساحة البلاد. ضغطٌ سكاني هائل أنتج مدناً متضخمة وعشوائياتٍ التهمت الأرض الزراعية، ودفع الدولة إلى رهانٍ كبير على جيلٍ جديد من المدن. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف نجعل هذا الرهان استثماراً في نهضةٍ حقيقية يرتقي بحياة الناس ويصون الموارد ويحفظ الهوية؟
علي شيخون يكتب: قاعدتان، الأولى فقه الأولويات الذي يقدّم ما تشتد إليه الحاجة العامة على ما يُحتمل تأجيله، فيبدأ بما يفك اختناقاً إنتاجياً قائماً قبل ما يضيف رفاهية مستقبلية؛ والثانية قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن كان تشغيل المصانع والمزارع واجباً تنموياً، فإن استكمال ما لا تعمل إلا به من طاقة ومياه ونقل واتصال يأخذ حكمه ذاته في الوجوب، ولا يُترك لمصادفات التمويل أو ضغوط اللحظة
علي شيخون يكتب: كل نهضة اقتصادية كبرى في التاريخ الحديث بدأت من تحت الأرض قبل أن تظهر فوقها: سكك حديد قبل المصانع، ومحطات كهرباء قبل المدن الصناعية، وكابلات إنترنت قبل اقتصاد المعرفة. البنية التحتية هي الأرضية التي تقف عليها القطاعات جميعاً، ومضاعف خفي يرفع عائد كل جنيه يُستثمر في الصناعة أو الزراعة أو السياحة، أو يبدده إن كانت هشة
علي شيخون يكتب: رؤية استراتيجية متكاملة تمزج بين تطوير البنية التحتية اللوجستية وبين استثمار الثورة الرقمية في التجارة الإلكترونية، وبين تأصيل كل ذلك في منظومة قيمية تضمن العدالة والشفافية، وهي القيم التي أرستها الشريعة الإسلامية منذ خمسة عشر قرناً حين نظّمت التجارة والمعاملات على أسس الأمانة والوضوح ومنع الغرر والاستغلال
علي شيخون يكتب: ثمة حقيقة ينبغي ألا تغيب، هي أن مصر ليست دولة تبدأ من الصفر، هي دولة تمتلك جامعات وكفاءات وتجارب وبنية تحتية ومؤسسات. المطلوب ليس البناء من العدم بل إعادة التوصيل، توصيل ما هو موجود ببعضه، وتوجيه ما هو متفرق نحو هدف واحد. والفرق بين دولة عاجزة ودولة ناهضة يكمن في القدرة على تنسيق ما لديها نحو رؤية واضحة وإرادة صادقة
علي شيخون يكتب: مصر تملك هوية فريدة تجمع ما تفرّق في غيرها: أقدم حضارة إنسانية موثّقة، وإسلام معتدل راسخ، وشخصية شعبية دافئة أصيلة، وموقع يربط ثلاث قارات في نقطة واحدة. كل هذا يُترجَم إلى قصة سياحية متكاملة تُقال بكل الأدوات وعبر كل القنوات، فتتحول مصر من وجهة تُزار إلى تجربة تُختبَر وتُروى وتُشتاق
علي شيخون يكتب: في عالم تتنافس فيه الأمم على كل شيء، تملك مصر ما يقف وحده في مكانه لأنه لا يُكرَّر، والفرق بين ما يُنافَس عليه وما يُحتكَر طبيعيا شاسع، فالأول يمكن تجاوزه والثاني يبقى حكرا على من منحه الله تعالى من الجغرافيا والتاريخ والحضارة. ومصر تملك الأول الثاني، فجاء احتكارها السياحي مكتملا قبل أن تُخطط له أي حكومة أو تشترطه أي سوق