مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (40)

علي شيخون
"كنز استراتيجي لم يُستثمر بكامل طاقته بعد"- الأناضول
"كنز استراتيجي لم يُستثمر بكامل طاقته بعد"- الأناضول
شارك الخبر
40- الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية

على ضفاف قناة السويس حيث يمر أكثر من 12 في المئة من التجارة العالمية كل عام، تملك مصر فرصة قلّما تتوفر لأمة. فبين موقعها الجغرافي الفريد الذي يجمع ثلاث قارات، وبين ثورة رقمية تعيد تشكيل مفهوم التجارة والتبادل في كل بقعة من العالم، تختزن مصر مفتاحاً قد يفتح لها باب التحول من مجرد معبر جغرافي إلى مركز نابض بالحياة الاقتصادية يصنع القيمة ولا يكتفي بنقلها.

فمنذ فجر التاريخ كانت أرض الكنانة محطة للقوافل وملتقى للحضارات ومعبراً للسلع بين الشرق والغرب. وفي العصر الحالي وقد تغيرت أدوات التجارة من الجمال والسفن الشراعية إلى الحاويات العملاقة والخوارزميات الرقمية، يبقى السؤال الجوهري: هل تكتفي مصر بدور الممر الذي تعبره البضائع دون أن تترك فيه أثراً حقيقياً يُذكر، أم تنتقل لتصبح المركز الذي يصنع القرار ويضيف القيمة ويوزع الثروة؟

الإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلا إلى رؤية استراتيجية متكاملة تمزج بين تطوير البنية التحتية اللوجستية وبين استثمار الثورة الرقمية في التجارة الإلكترونية، وبين تأصيل كل ذلك في منظومة قيمية تضمن العدالة والشفافية، وهي القيم التي أرستها الشريعة الإسلامية منذ خمسة عشر قرناً حين نظّمت التجارة والمعاملات على أسس الأمانة والوضوح ومنع الغرر والاستغلال.

في هذا المقال نستكشف معاً كيف يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز لوجستي إقليمي وعالمي حقيقي عبر منظومة نقل متعدد الوسائط تربط البر بالبحر بالجو، ومناطق لوجستية متكاملة تستقطب الاستثمار العالمي. كما نستشرف آفاق اقتصاد رقمي واعد تقوده تجارة إلكترونية تنمو بمعدلات لافتة، وتُبنى على منصات تجمع بين كفاءة التقنية الحديثة وضوابط الشريعة الإسلامية التي تحمي المستهلك والتاجر معاً.

هل هذا مهم لنهضة مصر الاقتصادية؟
الدولة التي تمتلك بنية لوجستية متطورة تتحول إلى نقطة جذب للاستثمار الصناعي والتجاري، إذ يبحث المستثمرون دائماً عن أقصر الطرق وأقل التكاليف لإيصال منتجاتهم إلى الأسواق

لا يمكن فهم أهمية الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية لمصر بمعزل عن حقيقة جوهرية؛ هي أننا في عصر تحوّلت فيه السرعة والكفاءة في حركة السلع والمعلومات إلى عامل حاسم في تحديد موقع الأمم على خريطة الاقتصاد العالمي. فالدولة التي تمتلك بنية لوجستية متطورة تتحول إلى نقطة جذب للاستثمار الصناعي والتجاري، إذ يبحث المستثمرون دائماً عن أقصر الطرق وأقل التكاليف لإيصال منتجاتهم إلى الأسواق.

ومصر بامتلاكها قناة السويس التي تختصر آلاف الأميال على السفن العابرة بين الشرق والغرب تجلس فعلياً على كنز استراتيجي لم يُستثمر بكامل طاقته بعد. فالقناة وحدها تحقق عائدات سنوية تتجاوز المليارات، لكن هذه العائدات تبقى محدودة الأثر إذا ظلت مصر مجرد ممر عبور دون أن تتحول الموانئ المصرية إلى مراكز تصنيع وتجميع وإعادة تصدير تضيف قيمة حقيقية للبضائع العابرة قبل أن تكمل رحلتها.

من جانب آخر، تمثل التجارة الإلكترونية أحد أسرع القطاعات نمواً في الاقتصاد العالمي، وقد أثبتت التجارب الدولية أنها قادرة على خلق ملايين فرص العمل وتمكين صغار التجار والحرفيين من الوصول إلى أسواق لم يكونوا يحلمون بالوصول إليها من قبل. فحين يستطيع صانع تقليدي في صعيد مصر أن يبيع منتجاته لعميل في الخليج أو أوروبا عبر منصة رقمية موثوقة فإن ذلك يمثل ثورة اقتصادية واجتماعية تعيد توزيع الفرص بشكل أكثر عدالة.

والأهم من ذلك كله أن تطوير هذين القطاعين معاً ينسجم مع جوهر النهضة الاقتصادية الشاملة التي ننشدها، فهما يجمعان بين البعد الاستراتيجي الجيوسياسي الذي يعزز مكانة مصر الإقليمية والبعد الاجتماعي الذي يفتح أبواب الرزق أمام الشباب ورواد الأعمال، والبعد القيمي الذي يضمن أن يكون هذا النمو الاقتصادي محكوماً بضوابط شرعية تحفظ حقوق جميع الأطراف، فلا تتحول السرعة إلى تسرّع ولا تتحول الكفاءة إلى استغلال.

البعد الإسلامي الحضاري:

حين نتأمل تاريخ الأسواق في الحضارة الإسلامية نجد أن المسلمين الأوائل لم يتعاملوا مع التجارة باعتبارها نشاطاً اقتصادياً مجرداً عن القيم، وإنما أسسوا لها منظومة متكاملة تجمع بين تنظيم المكان وضبط المعاملة وصون حقوق الأطراف جميعاً. فقد كانت الأسواق في المدن الإسلامية الكبرى من بغداد إلى القاهرة الفاطمية نقاط التقاء تجارية منظمة تخضع لرقابة المحتسب الذي كان يتولى التأكد من صحة الموازين، ووضوح الأسعار، وخلو المعاملات من الغش والتدليس. وما هذا في جوهره إلا نموذج مبكر لفكرة المنطقة اللوجستية المنظمة التي تسعى دول العالم اليوم إلى بنائها بأحدث التقنيات، غير أن المضمون القيمي الذي حملته تجربة الحسبة يظل سابقاً في زمنه ومعاصراً في جوهره.

وإذا انتقلنا إلى التجارة الإلكترونية فإننا نقف أمام مساحة التقاء مباشرة بين أحدث صور التبادل التجاري وأقدم ضوابطه الفقهية. فمسألة الغرر التي حذّر منها الفقه الإسلامي، وهي بيع ما فيه جهالة أو غموض يُفضي إلى نزاع تجد تطبيقها اليوم في كل تفصيلة من تفاصيل المنصات الرقمية في دقة وصف المنتج ووضوح الصورة وصدق التقييمات وشفافية رسوم الشحن والضرائب المخفية. ومنصة التجارة الإلكترونية المتوافقة مع الشريعة ليست تلك التي تكتفي بمنع بيع المحرمات، فحسب وإنما التي تبني تجربتها الكاملة على رفع الجهالة عن المستهلك في كل خطوة من لحظة العرض إلى لحظة الاستلام.

كذلك تحضر ضوابط العربون وحق الاسترجاع التي تناولها الفقهاء قديماً وهم يبحثون كيف يوازن العقد بين حق البائع في الاستقرار وحق المشتري في العدول، لتجد اليوم تطبيقاً مباشراً في سياسات الإرجاع والاستبدال التي تتبناها منصات التجارة الإلكترونية، والتي حين تُصاغ بعدل تحفظ الثقة بين الطرفين وحين تُصاغ بجور تتحول إلى مصدر نزاع وغبن.

وفي مواجهة المخاطر المستجدة التي تفرضها سرعة التحول الرقمي من قضايا حماية بيانات المتسوقين إلى آليات الدفع الإلكتروني ومدى توافقها مع ضوابط الربا والقمار المستتر في بعض صيغ "اشترِ الآن وادفع لاحقاً"، يقدّم الاجتهاد الفقهي المعاصر عبر المجامع الفقهية المتخصصة أدوات تحليلية قادرة على مواكبة هذا التطور دون جمود ودون تفريط، بما يجعل الالتزام الشرعي حليفاً للثقة الاقتصادية لا عائقاً أمامها.

وحين تبني مصر مركزها اللوجستي ومنظومتها الرقمية على هذا الأساس القيمي الأصيل تستعيد امتداداً حضارياً طبيعياً يمنحها ميزة تنافسية لا تملكها كثير من النماذج العالمية التي تطورت تقنياً بمعزل عن أي إطار قيمي ناظم.

الواقع المصري

حين ننتقل من آفاق الطموح إلى أرض الواقع نجد أن مصر لا تنطلق من فراغ وإنما تمتلك بالفعل أصولاً استراتيجية ضخمة لم تُستثمر بعد بالكفاءة المطلوبة. فقناة السويس التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية سنوياً تظل المورد الأبرز الذي يضع مصر على خريطة العالم اللوجستية، وقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات جادة في هذا الاتجاه أبرزها مشروع تطوير منطقة قناة السويس الاقتصادية الذي يهدف إلى تحويل الممر المائي من مجرد طريق عبور إلى منظومة متكاملة تضم موانئ ومناطق صناعية ولوجستية على ضفتيه.

غير أن الناظر بعمق إلى هذا المشروع يلاحظ أن الفجوة لا تزال قائمة بين الطموح المعلن والواقع التشغيلي. فالموانئ المصرية رغم تطورها الملموس في السنوات الأخيرة ما زالت تعاني من بطء نسبي في إجراءات التخليص الجمركي مقارنة بمنافسين إقليميين كالمغرب والإمارات، كما أن الربط بين الموانئ والشبكة اللوجستية الداخلية من طرق وسكك حديدية ومستودعات، لا يزال دون المستوى المطلوب لتحويل مصر من نقطة عبور إلى مركز تجميع وإعادة تصدير حقيقي يضيف قيمة فعلية للبضائع قبل أن تكمل رحلتها.

أما في مجال التجارة الإلكترونية فقد شهد السوق المصري نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة مدفوعاً بانتشار الهواتف الذكية وتزايد ثقة المستهلك في الشراء عبر الإنترنت، وظهرت منصات محلية وإقليمية استطاعت أن تستقطب قاعدة عملاء واسعة. ومع ذلك تبقى هذه المنصات بمعزل تام عن أي إطار يراعي الضوابط الشرعية بشكل مؤسسي، فلا توجد حتى الآن منظومة اعتماد أو تصنيف واضح يميز المنتجات والمعاملات الملتزمة بالضوابط الإسلامية، وهي فجوة كبيرة في سوق تمثل الأغلبية المسلمة فيه شريحة استهلاكية ضخمة تبحث -دون أن تجد غالباً- عن خيارات تجارية تتسق مع قيمها.

كما تواجه التجارة الإلكترونية المصرية تحديات بنيوية أعمق من ضعف نسبي؛ في أنظمة الدفع الرقمي وانخفاض معدلات الشمول المالي خارج المدن الكبرى، إلى غياب أطر تنظيمية واضحة لحماية المستهلك الرقمي بالقدر الذي يضمن له حقه في الإرجاع والاستبدال ووضوح المعلومة، وهي بالمناسبة ذات القضايا التي عالجها الفقه الإسلامي بعمق منذ قرون تحت مظلة منع الغرر وضمان الرضا.

النماذج الدولية

حين نبحث عن نماذج تخدم تحديداً فكرة المركز اللوجستي والتجارة الإلكترونية المتوافقة شرعياً تبرز تجارب متعددة، بعضها يقدّم الأقرب جغرافياً وحضارياً وبعضها يقدّم العمق التقني والتشغيلي.

النجاح الحقيقي لا يأتي من تقليد عابر، إنما من ربط البنية التحتية بهوية اقتصادية وقيمية واضحة، بحيث يصبح الميناء أو المنصة الرقمية امتداداً لمكانة الدولة لا مجرد منشأة معزولة عن سياقها

في الجانب اللوجستي يقدّم ميناء طنجة المتوسط في المغرب نموذجاً قريباً من الحالة المصرية، إذ تحول خلال أقل من عقدين من ميناء صغير إلى أكبر ميناء حاويات في أفريقيا والبحر المتوسط عبر ربطه المباشر بمناطق صناعية حرة مجاورة، بحيث لا تكتفي البضاعة بالعبور وإنما تدخل خط تصنيع أو تجميع قبل إعادة التصدير. ويكمل هذا النموذج ما حققه ميناء جبل علي في الإمارات، الذي لم يكتفِ ببناء رصيف بحري لكنه بنى منظومة متكاملة من النقل الجوي والبحري والبري مدعومة بحوافز استثمارية جذابة حولت دبي من محطة عبور إلى مركز لإعادة التصدير تكتسب فيه البضاعة قيمة مضافة حقيقية. وهذان النموذجان معاً هما الأقرب لما يمكن أن تكرره مصر حول قناة السويس ومينائي شرق بورسعيد ودمياط.

أما ميناء روتردام الهولندي وهو أكبر موانئ أوروبا وأكثرها تقدماً تقنياً فيقدم زاوية مختلفة تماماً تستحق التأمل. فالميناء الذي حوّل نفسه إلى توأم رقمي كامل يتتبع كل حركة سفينة وحاوية وحالة طقس في الوقت الفعلي بهدف الوصول لدخول السفن وخروجها من الميناء بشكل ذاتي بحلول عام 2030، لم يكتفِ بالريادة التقنية وحدها وإنما أدرك مبكراً أهمية السوق الإسلامية المتنامية في أوروبا، فسعى منذ عام 2007 إلى وضع دليل تشغيلي لمعايير الحلال بالتعاون مع جهة تصديق هولندية متخصصة يغطي متطلبات الحلال الخاصة بالشحن والفحص والتخزين والتعبئة والنقل. وعلى الرغم من أن هذه التجربة لم تخلُ من تحديات حقيقية في التطبيق والاستمرارية، فإن الدلالة الأعمق تبقى قائمة حين يسعى أكبر ميناء أوروبي رقمياً إلى مغازلة معايير الحلال لجذب تجارة العالم الإسلامي، فذلك يكشف أن هذه المعايير لم تعد خصوصية دينية محدودة الأثر وإنما أصبحت ميزة تنافسية اقتصادية، وهو ما يضع مصر أمام مسؤولية مضاعفة لتكون صاحبة الريادة الأصيلة في هذا المجال لا تابعة له.

وفي مجال التجارة الإلكترونية، تقدّم الصين تجربة تقنية لافتة في دمج التمويل الرقمي بالتجارة وبناء أنظمة تقييم وثقة صارمة بين البائع والمشتري؛ قلّصت من حالات النزاع بشكل كبير، وهي بنية تقنية يمكن الاستفادة من آلياتها بصرف النظر عن السياق القيمي الذي نشأت فيه.

غير أن التجربة الأكثر دلالة لنهضة مصر تحديداً هي منصة "HijUp" الإندونيسية، التي تأسست عام 2011 لتكون أول منصة متخصصة في الأزياء الإسلامية في العالم، حيث انطلقت بأربعة عشر شريكاً محلياً من المصممين الإندونيسيين لتضم اليوم أكثر من خمسمائة شريك. واللافت أن نموذجها لم يقتصر على تصنيف الأزياء المحتشمة تسويقياً، إنما امتد إلى آلية تشغيلية حقيقية في اختيار العلامات التجارية والتأكد من التزامها، حيث يخضع أي مصمم راغب في الانضمام للمنصة لعملية انتقاء مسبقة تتحقق من قدرته على ضمان الجودة قبل قبوله.

والدرس الجامع من هذه التجارب أن النجاح الحقيقي لا يأتي من تقليد عابر، إنما من ربط البنية التحتية بهوية اقتصادية وقيمية واضحة، بحيث يصبح الميناء أو المنصة الرقمية امتداداً لمكانة الدولة لا مجرد منشأة معزولة عن سياقها، كما تكشف تجربتا روتردام و"HijUp" معاً أن معايير الحلال أصبحت سباقاً تنافسياً عالمياً وأن الالتزام الشرعي الحقيقي يحتاج إلى منظومة اعتماد ورقابة مؤسسية، وهو درس تأسيسي لأي نموذج مصري يريد أن يبني ريادة حقيقية لا متابعة متأخرة لتجارب الآخرين.

وفي المقال التالي -إن شاء الله- نستكشف سويا أهم الاستراتيجيات اللازمة والتحديات المتوقعة وكيفية التعامل معها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)