قضايا وآراء

التمرد الإسلامي

1300x600
في تعريف ألبير كامو للإنسان المتمرد في كتابه العميق الذي يحمل الاسم ذاته، يقول "الإنسان المتمرد يقول لا. ولئن رفض، فإنه لا يتخلى. فهو أيضا إنسان يقول نعم، منذ أول بادرة تصدر عنه. إن العبد الذي ألِف تلقي الأوامر طيلة حياته يري فجأة أن الأمر الجديد الصادر له غير مقبول. فما هو فحوى هذه اللا.؟ إنها تعني "أن الأمور استمرت أكثر مما يجب" و"أنها مقبولة حتى هذا الحد ومرفوضة فيما بعده" وتعني أيضا أن هناك حدا يجب ألا تتخطاه".

ويضيف في مكان آخر أن الوعي يولد مع التمرد وأنه في لحظة ما وربما لسبب مجهول حتى للمتمرد ذاته يصبح ما يؤمن به أغلى من حياته وتصبح المعادلة "كل شيء أو لا شيء".

لا أدري إن كان مصدرو تقرير كارنيجي في نهاية العام الماضي يعنون ذلك عندما أطلقوا على ما يحدث في مصر تمردا إسلاميا، ولكن إلى حد كبير ما يحتويه التقرير يشير إلى الخوف من تمرد كبير في الأفق؛ متوافق مع تعبير كامو؛ وكما لم ينس التقرير ذكر كيف يمكن السيطرة عليه.

يبقى في العنوان تفسير معني الإسلامي؛ ماذا يعني وكيف يمكن أن يتحقق هذا التمرد الإسلامي الذي يخشى منه التقرير والذي يرجوه المتمردين؟. ربما هذا أصل الموضوع؛ فلسنا بصدد إعادة تعريف التمرد ولكن بحاجة لتفسير "الإسلامي" والذي قد ينقذنا من براثن السقوط في فخ كارنيجي.

هل كان يعني التقرير الجماعات الإسلامية بتنوعها واختلافها أم كان يعني تحديدا الجماعات المسلحة؟ . أرى أنه لم يكن يعني الاثنين؛ فالجماعات التي تمارس الدعوة أو السياسة أو كليهما لها مواصفات يصعب عليها ممارسة التمرد؛ فهي بطبيعة تكوينها تحاول استخدام المساحات المتاحة سواء للدعوة أو للعمل الحزبي السياسي وإلى حد ما صنعت صورة ذهنية عند الجماهير تجعلها جزءا من المنظومة الموجودة بالفعل؛ فهذه الأدوات والإجراءات تصعب كثيرا من كلمة لا التي يبدأ بها التمرد. فهي تبنت مفهوما أحاديا لمصطلح الإسلامي كلٌ حسب رؤيته؛ فقد أصبح الإسلامي هو ذلك الرجل الذي يؤمن بما تراه تلك الجماعات صحيحا وهذا حقها بالتأكيد؛ ولكن في هذه الحالة عند تَبَني تيارات متعددة لأيديولوجية واحدة وكل يرى صحة موقفه وكل منهم يتحرك فعلا داخل ما يراه صحيحا من العمل؛ فعند ذلك تكون النتائج المتراكمة بعد سنوات طويلة من العمل هي معيار مباشر وبسيط لتقييم تلك التيارات؛ وعندما تكون النتيجة هي الاقتراب من الإبادة فلابد أن نتوقف. وبالمناسبة فصل الدعوي عن السياسي أو المؤسسات الحزبية عن المؤسسات الدعوية ليست إجابة الآن لأي سؤال من الأسئلة الواجبة للتحرر؛ فجميعهم السياسي والحزبي والدعوي في نفس المساحة ولن يكون الفصل أو الدمج حلا للوضع الحالي.

أما الجماعات المسلحة فمع أنها أخذت أقصى درجات الرفض و"التمرد" وقالت لا بكل قوة وعنف وبلا شك كان لها تأثيرا كبيرا وهاما على استعادة وعي الأمة؛ إلا أنها قامت بتبني خطأ استراتيجي كبير؛ فقد جعلت المنتمي إليها بمواصفات شديدة الخصوصية وخلطت بين دوائر مختلفة للانتماء للمشروع ؛ ولذلك انعزلت عن قطاع واسع جدا ؛ بل لا أبالغ عندما أقول أنها انعزلت ليس فقط عن محيطها الفاعل ولكن ربما عن مشروعها ذاته وأصبحت بدون وعي تدافع عن نفسها فقط؛ كان نموذج "الدولة الإسلامية" الموجودة حاليا مختلفا فهو نشأ مندمجا مع قطاع واسع من المجتمع لذا استطاع أن يحقق نموذجا مختلفا. ولكن لطبيعة التنظيمات والضغط الأمني والمجتمعي والفكري الكبير عليها؛ فربما تحرك نحو العزلة مرة أخري.

إذا ماذا كان يعني التقرير عندما ذكر التمرد الإسلامي؟ .

كان يعني حالة أخرى بدأت في الظهور على استحياء قبل انقلاب يوليو في مصر؛ ظهور تيار من داخل المجتمع يحمل فكرا إسلاميا لا يعاني من عبء التنظيمات الثقيلة العميقة في التاريخ والمتسعة في الجغرافيا؛ كما لا يعاني من الاغتراب عن المجتمع الذي فرضته الظروف والأفكار على التنظيمات المسلحة؛ تيار يرفض الاستسلام للواقع ويرفض الانسحاب منه إلى جبال العزلة والغربة ويصر على البقاء داخل المجتمع. هذا التيار وضع تعريفا مختلفا للإسلامي؛ وهو ذلك الذي يؤمن أن مقاومة الظلم ضرورة أخلاقية ودينية وأن الإنسان هو القيمة الأسمى وأنه ليس مجرد أداة لإنتاج الثروة وليس مجرد مستهلك، ويؤمن أن الإسلام يملك من الأفكار والقيم ما يُمَكنه من تحقيق ذلك.

هذا التيار المتمرد الذي قال لا ؛ كفى ؛ لن نستمر هكذا. كان يقولها على استحياء قبل 3 يوليو؛ ولكنه أصبح عال الصوت بعد كوارث 2013 وما تلاها ؛ وتأكد أن لا التي يقولها للجميع هي الطريق الوحيد الممكن للنجاة؛ هذا التيار غير المنظم "إجرائيا" هو من تخشاه كارنيجي؛ فهي لا تخشى الجماعات السياسية لأنها حتى لو معادية لها وتريد إبادتها من الوجود فهي تتحرك في ملعبها وبأدوات وقوانين يعلمونها جيدا؛ ففي النهاية هناك حل ما سيحدث. والجماعات المسلحة مهما كانت مرهقة ومكلفة إلا أن اغترابها وعزلتها لن يجعلها تهديدا وجوديا للإقطاعيين الجدد.

إن هؤلاء المتمردين وهؤلاء فقط هم الخطر الداهم والحقيقي؛ فهم الملايين داخل المجتمع وهم القادرون على المقاومة الشعبية عندما تحين لحظة المواجهة الحتمية القادمة.

إن كارنجي تريد تبريد روح التمرد بالحفاظ على "النظام العام" كما كان ؛ ولذلك ينبغي على الجماعات الكبرى والأحزاب التي لا يمكنها التمرد أن تترك تلك المساحة للمتمردين؛ ولا تهتم كثيرا بما يقول كارنجي التي يدرك رجالها جيدا أن الخطر سيأتي من هؤلاء الذين سيستمرون في قول لا.