بورتريه

كوبلر.. من حزب "الخضر" إلى حقول الألغام في بغداد وطرابلس (بورتريه)

كوبلر عربي21
يطلق عليه نشطاء عراقيون تسمية "سفير فوق العادة لإيران" في العراق..

ويقول عنه ليبيون إنه "يجسد الوصاية الغربية على ليبيا".

رجل من حزب " الخضر" الألماني كان يهتم بحماية الغابات المطرية في البرازيل أكثر مما يهتم بأناقته كدبلوماسي. 

يعود الفضل في صعود نجمه في البعثات الخاصة بالأمم المتحدة إلى صعود حزب "الخضر" إلى الحكم في ألمانيا، بالتحالف مع الحزب "الديمقراطي الاشتراكي" بزعامة المستشار السابق غيرهارد شرودر.

وتسلم زعيم "الخضر" يوشكا فيشر، منصب وزير الخارجية ليجلس متربعا على رأس السلك الدبلوماسي في برلين عام 1998. 

يتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإندونيسية والعربية، أتقنها في مناطق عمل في بعضها دبلوماسيا أو مبعوثا أو وسيطا أمميا.

مارتن كوبلر المولود في مدينة شتوتغارت الجنوبية، عاصمة ولاية بادن فورتمبيرغ عام 1953، والحاصل على بكالوريوس العلوم القانونية في جامعة "بون"، درس اللغات الآسيوية في جامعة "باندونغ" في إندونيسيا، وتخصص لاحقا في القوانين الدولية الخاصة بالمياه.

عمل في وزارة الخارجية الألمانية عام 1983 خبيرا في الشؤون القانونية، وانتدبته وزارة الخارجية الألمانية بين عامي 1994 و1997 ليترأس الممثلية الألمانية في أريحا، وذلك في أعقاب "اتفاقية أوسلو" بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وشغل منصب نائب رئيس "فرقة عمل البلقان" بوزارة الخارجية من عام 1997 إلى عام 1998، وكان عام 1998 حاسما في حياته السياسية، وعمل منذ ذلك العام نائبا لرئيس مكتب وزير الخارجية يوشكا فيشر، ثم أصبح رئيسا لهذا المكتب بين عامي 2000 و2003.

وعمل بعدها سفيرا لألمانيا في القاهرة بين عامي 2003 و2006، ورافقته زوجته بريتا فاغينير التي تعمل في الأمم المتحدة في قسم حقوق الإنسان، إلى القاهرة بمثابة نائبة لزوجها السفير، وأثار تعيين زوجته بهذه الطريقة كثيرا من التساؤلات داخل المعارضة التي اتهمت فيشر وكوبلر باستغلال منصبيهما لأغراض شخصية، وعمل بعدها سفيرا في نيودلهي. 

وبعد الحرب على العراق، وسقوط بغداد عين كوبلر سفيرا لبلاده في العراق بين عامي 2006 و2007، وقضى معظم وقته، أثناء فترة إقامته كسفير ألمانيا ببغداد، في إدارة مفاوضات معقدة مع جماعات اختطفت عدة ألمان كانوا يعملون في المنظمات الإنسانية ومنظمات إعادة البناء أو كصحافيين.

عاد بعدها في عام 2007 إلى برلين ليترأس القسم الثقافي في وزارة الخارجية الألمانية، وبعد ثلاث سنوات انضم إلى الأمم المتحدة بصفة مساعد المبعوث الأممي إلى أفغانستان، قبل أن يعين مبعوثا خاصا إلى العراق بين العامين 2011 و2013.

كان على مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى العراق كوبلر أن ينسق جهود 16 منظمة مختلفة تابعة للمنظمة الدولية في العراق، لكنه لم يحقق النجاح المرجو منه في هذه المهمة التي وصفها بـ"سياسية". وبحسب تصريحاته نفسه، قضى أقل من سنتين في بعثة الأمم المتحدة في بغداد، لكنه فشل في الخروج من بغداد طوال سبعة أشهر بسبب تدهور الوضع الأمني.

وكانت تجربته في العراق الأكثر إثارة للجدل بسبب تصريحاته التي امتدح فيها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، في ظل الانتهاكات المفضوحة في مجال حقوق الإنسان.

ولم يحظ بشعبية تذكر هناك وزادت المطالبات بتغييره لإعلان تأييده للمالكي، واتهم بلعب دور مشبوه في التغطية على الجرائم الطائفية.

وفي الوقت الذي كان يبدي فيه المجتمع الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية قلقهم إزاء التعذيب والوتيرة المتصاعدة في الإعدامات والانتهاك الممنهج والخطير لحقوق الإنسان في العراق، كان كوبلر يمتدح وبشكل مقيت سياسة المالكي الطائفية.

وبدا ذلك واضحا من سيل التصريحات التي كانت تزخر بها وسائل الإعلام العراقية المنتقدة له ولتحيزه "المكشوف"، فقد اتهمت الناطقة باسم "ائتلاف العراقية" ميسون الدملوجي، كوبلر بأنه "كاذب ولا يلتفت إلى معاناة العراقيين"، فيما وصف أمين عام "تجمع المستقبل الوطني" والقيادي في "القائمة العراقية" ظافر العاني تصريحات كوبلر المدافعة عن المالكي بأنها "مثيرة للاشمئزاز وتكشف بلا أدنى شك تحيزه غير المقبول لصالح أطراف سياسية على حساب حقوق وحريات العراقيين".

وقال الناطق الرسمي باسم "هيئة العلماء" الشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي: "إن العراق ابتلي بأسوأ ممثلين للأمم المتحدة خلال فترة الاحتلال، الأول دي مستورا والثاني كوبلر، وكلاهما نموذجان من العار على الأمم المتحدة أن تجعل منهما ممثلين، سيبقى هذان الرجلان نقطة سوداء في تاريخ الأمم المتحدة".

وأشار إلى أن "مارتن كوبلر وقبله دي مستورا كان يتصرفان كموظفين لدى المالكي بل حتى لدى أصحاب المليشيات". من جانبه يقول الحقوقي في مؤسسة رصد العراق علي النعيمي إن "أداء كوبلر في العراق كان سيئا بكل المقاييس، ومجاملا بشكل واضح للحكومة العراقية، كما أنه ليس محايدا في عمله".

وفي ظل هذا الوضع المأزوم بسبب مواقفه، قفز كوبلر هاربا من العراق إلى الكونغو في حزيران/ يونيو عام 2013، بعدما كلفه سكرتير الأمم المتحدة بان كي مون بقيادة بعثة الأمم المتحدة إلى شرق الكونغو، ومنحته هذه الصفة رئاسة أكثر من 20 ألف جندي من قوات حفظ السلام في البلاد، وحقق في الكونغو نجاحا طفيفا رغم أن السكان استقبلوه بداية بالحجارة.

ومن الكونغو جاء إلى ليبيا التي عين فيها مبعوثا دوليا جديدا إلى ليبيا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي خلفا لبرناردينو ليون، الذي فشل في إقناع أطراف النزاع في هذا البلد بالتوصل إلى اتفاق سلام.. 

ورغم أن ليون أعلن في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أنه تمكن من انتزاع اتفاق بين أطراف النزاع الليبي على مقترح لتشكيل حكومة وفاق وطني تقود مرحلة انتقالية لمدة عامين، فإن هذا المقترح رفضه برلمان طرابلس (غربا) المنتخب، وكذلك أيضا البرلمان بطبرق (شرقا) المعترف به دوليا.

واتهم ليون بطلب الإذن من السلطات الإماراتية بطرح سفير ليبيا في أبو ظبي "عارف النايض" مرشحا لرئاسة حكومة التوافق الوطني، وأنه كان منهمكا في إبرام خطة مع مجلس الأمن القومي التابع للإمارات حول كيفية إدارة القوات المسلحة الليبية.

وبحسب ما نشرت "الغارديان" وقتها، فإن طبيعة العلاقة بين ليون والإمارات تثير الشكوك حول دور الأمم المتحدة في ليبيا، وتجعلها جزءا من المشكلة بدلا من أن تكون جزءا من الحل، خصوصا في ضوء تعيين ليون بمنصب مرموق في معهد دبلوماسي إماراتي، بناء على اتفاق وقع بين الطرفين إبان عمله كوسيط دولي.

يبدو كوبلر مدركا لحجم الفوضى في ليبيا حين يصف الأوضاع في ليبيا في مقابلة أجرتها معه مجلة "دير شبيغل" الألمانية بالشكل الآتي: "السلطة في ليبيا تفرضها مليشيات لا يحكمها أحد (...) وفي ليبيا برلمانان وحكومتان موزعة في شرق البلاد وغربها، فيما يتمدد تنظيم داعش في المنطقة الفاصلة (...) ليبيا بلد ممزق تماما". 

 وقال: "هدفي هو أن أمنع هذا البلد من التحول إلى سوريا جديدة (...) في ليبيا فراغ سياسي وعسكري خطير يجب ملؤه بأسرع وقت". 

ويعيد كوبلر توصيف الوضع الإنساني في ليبيا بكلمة واحدة وهي "مزر"، في الوقت الذي فيه يلعب بورقة "تنظيم الدولة/داعش" محذرا من استيلاء "التنظيم" على المرافق النفطية في ليبيا، بعد تنامي أعداد عناصره القادمين من سوريا والعراق.

ويؤكد كوبلر أن "الضغط كلما زاد على داعش في سوريا، زاد عددهم في ليبيا"، وأن "التنظيم يحاول الانتشار في تونس البلد المجاور لليبيا".

وأوضح كوبلر أن "القتال ضد داعش في الشرق شهد تقدما، لكن لا يوجد بعد جيش ليبي موحد، هناك الجيش الوطني الليبي تحت قيادة الجنرال خليفة حفتر، لكنه لا يمثل جيشا لكل ليبيا".

ودعا الليبيين إلى البحث عن سبيل لتشكيل "جيش موحد، بمشاركة القوات في الشرق والغرب".

وأعلن دعمه للبيان الذي أصدره 100 نائب من البرلمان أعلنوا فيه دعمهم لحكومة رئيس الوزراء فايز السراج الذي هو أيضا رئيس المجلس الرئاسي، مبينا أن أمام البرلمان 10 أيام لمنح الثقة للحكومة التي يجب أن تؤدي اليمين الدستورية لتباشر عملها.

ووصفت المعارضة الليبية تصريحاته هذه بأنها "تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد"، ما اضطر مكتب كوبلر إلى إصدار تصريح صحفي قال فيه إن التصريحات "نشرت منقوصة".

وطالب كوبلر حكومة السراج بمواصلة العمل في العاصمة طرابلس، متوقعا صدور عقوبات إضافية من المجتمع الدولي على المزيد من الأشخاص الذين يعرقلون حصول الحكومة على الثقة بشكل رسمي.

والسراج، ينتمي إلى حزب "التحالف القومي الوطني"، اختاره الموقعون على اتفاق "الصخيرات" المغربية لإنهاء الأزمة السياسية الليبية رئيسا لـ"حكومة الوفاق".

واعترضت قوى ليبية على تعيين السراج في هذا المنصب، مشيرة إلى أنه "شخصية لا يعرف لها أي تاريخ ثوري، ولا أي دور في ثورة شباط/ فبراير عام 2011، ولا يعرف لها نشاط سياسي"، وخرجت مظاهرات في ليبيا تعترض على الاتفاق الذي عين بموجبه باعتبار أنه "يجسد الوصاية الغربية على ليبيا".

هذا إضافة إلى أن اتفاق "الصخيرات" رفضه كل من رئيس المؤتمر الوطني العام (برلمان طرابلس) نوري بوسهمين ورئيس مجلس النواب المنحل (برلمان طبرق) عقيلة صالح. فيما قال عبدالله الثني، رئيس الحكومة المؤقتة المنبثقة عن البرلمان الليبي المعترف به دوليا إن حكومته "لن تعترف بشرعية أي سلطة تأتي بإملاءات خارجية".

ولا يعول الكثيرون، سواء من الداخل الليبي أم خارجيا من جوار ليبيا على الدبلوماسي الألماني كوبلر، وستتمثل مهمة كوبلر، في لملمة اتفاق السلام الذي فشل سلفه ليون في أن يجمع أطراف النزاع الليبي على التوقيع عليه.

ويبدو الانفراج في ليبيا كما لو كان بطة عرجاء أو سلحفاة تسير متثاقلة.. فتدخلات بعض الدول العربية ودول الجوار لليبيا تمنع التوصل إلى توافق وطني بين أطراف النزاع، وكوبلر يخطئ إذا اعتقد أن ليبيا هي الكونغو!