مدونات

عن سد النهضة الإثيوبي وتواطؤ عسكر مصر

سد النهضة الاثيوبي من النت
أولا: عن جريمة سد النهضة الإثيوبي 

هذا السد يمثِّل اعتداء على حق الشعب المصري في الحياة (مقابل حق الشعب الإثيوبي في النهضة)، وذلك للأسباب التالية:

1- جوهر جريمة سد النهضة يكمن في الارتفاع الشاهق للسد لكي يحجز وراءه أكثر من 70 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق، الذى يُعتبر المصدر الرئيسي للمياه التي تصل إلى مصر.

فكلما ارتفع السد كلما طالت فترة ملء الخزان وراء السد، وبالتالي طالت فترة النقصان الشديد لمياه النيل التي تصل إلى مصر، وبالتالي يعيش المصريون فترة أطول من العطش والجدب والجوع.. (وقد بدأت بالفعل فترة ملء الخزّان منذ بداية تحويل مجرى النهر في شتاء 2013).

وقد كان ارتفاع السد الإثيوبي في التصميم الأول للسد (قبل عام 2011) ارتفاعا يحجز وراءه 14 مليار متر مكعب من المياه، وهي كمية تكفي حاجة إثيوبيا من الكهرباء مع إنتاج فائض للتصدير، وكانت مصر لا توافق على ذلك الارتفاع.. ثم تغيَّر التصميم ليكون السد الإثيوبي سدا شاهقا يحجز وراءه 74 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل!!!

والمفترض أن تعود هذه المياه المُخزّنة للتدفّق مرة أخرى إلى مجرى النهر بعد فترة ملء الخزّان، وهي حوالي خمس سنوات، ما يجعل بناء السد بهذا الارتفاع بمثابة إعلان حرب على مصر لمدة خمس سنوات.

2- ولكن المياه المخزّنة وراء السد الإثيوبي لا تعود إلى مجرى النهر إلا إذا استخدمتها إثيوبيا في إنتاج الكهرباء فقط، أمّا إذا استخدمتها في استصلاح الأراضي فإنها لن تعود إلى مصر أبدا.

3- أمّا المصيبة الكبرى فهي الخطط المستقبلية لعدد لا ينتهي من السدود الإثيوبية (والإفريقية)، أي عدد لا ينتهي من فترات ملء الخزّانات، أو الاقتطاع الذي لا ينتهي من حصة مصر من المياه إذا تم استخدامها في استصلاح الأراضي الإفريقية، والتي يمكن بسهولة ريّها واستصلاحها باستخدام مياه الأمطار الغزيرة في إثيوبيا وكل دول حوض النيل.

ثانيا: عن تواطؤ عسكر مصر (عسكر كامب ديفيد)

أمّا تواطؤ السلطات المصرية أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك (قبل 2011) فيكمن بالاكتفاء بعدم الموافقة على بناء السد الإثيوبي، وعدم التوقيع على اتفاقية دول حوض النيل الجديدة التي تسمح ببناء السدود على مجرى النهر: وهو ما عطل فعلا التمويل الدولي للسد.. ولكن لم تدخل مصر في أية مفاوضات دبلوماسية مع إثيوبيا، والأهم أن مصر لم تتخذ أي إجراء قانوني دولي جاد للّجوء للتحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية من أجل الدفاع عن أمن مصر المائي..

فالتحكيم الدولي أو محكمة العدل كان هو الطريق الوحيد لتحقيق الالتزام الإثيوبي والدولي بـ:

1- ارتفاع مُحدد لسد النهضة لتكون فترة ملء الخزان فترة محدودة (سنة على الأكثر)، فتستطيع مصر أن تتحمل عواقبها من نقص مؤقت لكمية مياه النيل التي تصلها..

2- استخدام المياه المُخزنة في إنتاج الكهرباء فقط، وبذلك تعود تلك المياه بشكل مستمر إلى التدفق إلى مَجرى النهر ولا تنقص نقصانا نهائيا من حصة مصر من مياه نهر النيل..

3- عدم الموافقة العامة المفتوحة على بناء السدود الإفريقية على مجرى نهر النيل..

أما تواطؤ العسكر بعد الإنقلاب العسكرى في تموز/ يوليو 2013، فقد بلغ أقصى درجات الخيانة للشعب المصري.

فقد سارعت أول حكومة للعسكر بالتوقيع بالموافقة على السد الإثيوبي بارتفاعه الشاهق في التصميم الجديد لتخزين 74 مليار متر مكعب، وقال رئيس الوزراء حينها حازم الببلاوى إن "السد الإثيوبي فيه رخاء للبلدين"!!!

- وبعد الموافقة جاءت الحكومة الثانية (حكومة محلب) لتدعي التفاوض مع إثيوبيا واستشارة اللجنة العلمية الثلاثية (المُشكّلة مِن خبراء دوليين ومن مصر ومن إثيوبيا)، والتي تم تشكيلها أيام الرئيس المنتخب د. محمد مرسي، فهل يُمكن أن تكون هناك أية فائدة مِن وراء التفاوض والاستشارة العلمية بعد التوقيع بالموافقة على بناء السد بارتفاعه الشاهق؟!!! 

ثم في آذار/ مارس 2015 قام السيسي رئيس الانقلاب العسكرى بتتويج الخيانة فقام بالتوقيع بموافقة مصر على وثيقة إتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان تقضي بـ:

1- موافقة مصر على الارتفاع الشاهق للسد الإثيوبي: أي على تعطيش أراضي مصر الزراعية، وعطش المصريين، والجوع، وارتفاع أسعار الإنتاج الزراعي... لمدة خمس سنوات.

2- الموافقة على بناء السد بدون أية اشتراطات على إثيوبيا بعدم استخدام المياه المخزّنة في الزراعة، وهو الاستخدام الذي يؤدي، إذا تم، إلى أن تفقد مصر نهائيا كمية المياه الضخمة المخزّنة سنوياً وراء السد.. وهنا اعتمد السيسي، كما أعلن هو، على النيات الطيبة لإثيوبيا!!!

3- موافقة مصر العامة على حق دول حوض النيل في بناء السدود المختلفة!!!

4- الاتفاق على شراء الكهرباء من إثيوبيا!!! 

وهنا نأتي إلى كارثة أخرى، غير كارثة تعطيش وتجويع الشعب المصري: فقد كشف الاتفاق على استيراد الكهرباء مِن إثيوبيا عمّا يخطّطه العسكر لتحوُل مصر من صناعة الكهرباء وإنتاجها؛ إلى إستيرادها جاهزة للاستهلاك، وهوما يُعتبر نكسة حضارية بكل معنى الكلمة.

فبدلاً من صيانة محطات الكهرباء، وبدلا من إنشاء محطات جديدة والاستثمار فيها، وبدلا من إنشاء محطات الطاقة الشمسية والرياح لإنتاج الكهرباء (كما كان مخططا في برنامج د. محمد مرسى للنهضة المصرية، وكما تدّعي سلطة العسكر)، وبدلا من تشغيل المهندسين والعمال، سنغلقها بالضبّة والمفتاح.. وستُضاف الكهرباء إلى القمح والغاز وكل الواردات الحيوية التي يذل استيرادُها مصر ويُمسكها من رقبتها.. وسيُضاف مهندسو الكهرباء والموظفون والعمال إلى طابور البطالة وسائقي التوكتوك و...

- وقد مهّدت سلطة الانقلاب بالفعل لهذه النكسة بإقالة وتسريح ألف مهندس وعامل من وزارة الكهرباء بحجة أنهم من الإخوان!!!

- وفي صيف 2014، وبدلا من الإعلان عن خطة لصيانة محطات الكهرباء وتزويدها بالوقود اللازم، والمتوفّر بالفعل من مليارات الخليج، أعلن رئيس الوزراء وقتها أن مشكلة انقطاع التيار سيتم حلها بعد أربع سنين، أي في 2018!!! وهذا هو تقريبا موعد الانتهاء من بناء سد النهضة.. نهضة إثيوبيا طبعا..