مقالات مختارة

"الحشد الولائي".. انقلاب على السيستاني

1300x600
كتب رشيد الخيّون: استغلالا لفتوى المرجع الديني علي السيستاني، تشكل ما عُرف بـ"الحشد الشعبي"، الذي يُشير إليه البعض بـ"الولائي"، نسبة للإشراف الإيراني عليه، لمواجهة خطر "داعش"، بعد اجتياحها الموصل، وما زالت جريمة التسليم يشوبها الغموض. 

وفي الغالب أن الفقهاء يفتون بطلب، وقد صُوِّرت للسيستاني ضرورة الفتوى، فالرجل لم يكن عسكريا ولا سياسيا، كي يُقدر الحالة بلا مَؤتمن يوضحها له، فكان ذلك وأَعلن "الجهاد الكفائي" من دون تحديد مذهب أو ديانة، لكن واقع الحال أنها موجهة للإمامية.

بعد صدور الفتوى استُغلت وحُرفت عن وجهتها، لتشكيل جيش رديف للجيش العراقي، بل وفي الطريق لابتلاعه، ودخلت إيران لتنظيمه، وهي التي لم تكن قيادتها الدينية والسياسية على اتفاق مع مرجعية النجف، وهذا أمر يخص الاختلاف في نظرية "ولاية الفقيه"، بل والثورة الإيرانية. 

فمِن المعلوم أن مرجعية السيستاني امتداد فكري وسلوكي لمرجعية سلفه الخوئي (ت 1992)، وما قبلها مِن مرجعيات كمرجعية محسن الحكيم (ت 1970).. وكلها لا تقر بالثورات، ووفق ذلك استقبل الخوئي (18/11/1978)، قُبيل الثورة (10/2/1979)، الملكة فرح ديبا وابنتها وولي العهد علي رضا، خلال زيارتهم العتبات المقدسة بكربلاء والنَّجف، وكان الخميني (ت 1989)، قد أُخرج من العراق واستقر بباريس يُحرك الثورة من هناك (فرح ديبا، مذكرات). 

بطبيعة الحال، الإسلام السياسي اعتبر ذلك مثلبة على الخوئي، مع أن الأمر طبيعي، فكم مِن ملوك أتوا إلى المراجع واستُقبلوا، ذلك أنهم ذوو مهام دينية في الأساس، وأن ما حصل في أعقاب الثورة مِن إعدامات وإيذاء للمراجع التقليديين يبرر صمتهم عن تأييدها.

نفهم مما تقدم أن السيستاني، وإن كان إيراني الأصل (يعيش بالنجف منذ 1951)، لا يعني أنه يؤيد السياسة الإيرانية الثورية بالعراق، فما يهمه المذهب والوطن حيث استقرت المرجعية منذ 448هـ، وهكذا كان أستاذه الخوئي وأسلافه من المراجع.

حصل ما يشبه الانقلاب على فتوى الكفائي، ليستفيد منها الولي الفقيه بالإشراف على "الحشد الشعبي"، الذي تأسس مِن الميليشيات ذات الارتباط به، والمرجعية غير متوافقة معها على حساب الجيش.

نأتي على حيثيات صدور "الجهاد الكفائي": اجتاحت "داعش" الموصل (10/6/ 2014)، وفي اليوم نفسه أصدرت المرجعية بالنجف بيانا جاء فيه: "تتابع المرجعية الدينية العليا بقلق بالغ التطورات الأمنية الأخيرة، في محافظة نينوى، والمناطق المجاورة لها، وهي إذ تشدد على الحكومة العراقية وسائر القيادات السياسية في البلد ضرورة توحيد كلمتها، وتعزيز جهودها في سبيل الوقوف بوجه الإرهابيين، وتوفير الحماية للمواطنين.." (موقع المرجعية الرَّسمي). 

بعد ثلاثة أيام (13/6/2014)، ومع ما وصلها من خطورة الموقف، أصدرت فتوى "الجهاد الكفائي"، أي الاكتفاء بالعدد لدرء الخطر، وحصرت التطوع في القوات المسلحة. كانت فتوى جهاد دفاعي لا بدائي؛ لأن الأخير من شأن الإمام المنتظر، وهنا يختلف المراجع التقليديون عن الثَّوريين، ويغلب على الظن أن الأخيرين لا يقرون بوجود الغائب بقدر إقرارهم بنيابته، بمعنى استغلال الفكرة سياسيا.

ولما استغلت الفتوى لتشكيل "الحشد الشعبي"، خارج رغبتها، أذاعت المرجعية (4/7/2014) الآتي: "نؤكّد مرّةً أخرى ضرورة تنظيم عملية التطوع وإدراج المتطوعين ضمن تشكيلات الجيش والقوات الأمنية الرسمية.." (خطبة الصافي وكيل المرجعية). وبعد أيام (11/7/ 2014) جاء التأكيد: "لقد أوضحنا أكثر من مرة أن الدعوة للتطوع في صفوف القوات العسكرية والأمنية العراقية إنما كانت لغرض حماية العراقيين من مختلف الطوائف والأعراق وحماية أعراضهم ومقدساتهم من الإرهابيين الغرباء، ومن هنا نؤكد على جميع المقاتلين في القوات المسلحة ومن التحق بهم من المتطوعين.. جميعا ضرورة الالتزام التام والصارم برعاية حقوق المواطنين جميعا وعدم التجاوز على أي مواطنٍ بريءٍ مهما كان انتماؤه المذهبي.." (خطبة الكربلائي وكيل المرجعية).

إلا أن الأمر أخذ مسارا آخر، وضع المرجعية والحكومة أمام الأمر الواقع بوجود جيش رديف يُقاد إيرانيا، وتهميش الجيش العراقي. لم يهمش الجيش فقط وإنما همشت رئاسة الوزراء والمرجعية أيضا، فلا كلمة لأحد على هذا الحشد. بهذا يجري القول: إن ثمرة الفتوى قد جناها الولي الفقيه، بانقلاب على المرجعية. 

فمَن المستفيد مِن تعجيز الجيش العراقي ووضع المرجعية بهذا الموقف المحرج، لعدم الاستجابة لفتاويها في الظُّروف الحرجة؟ لعل ما جرى يثير الخشية من جيش بمواصفات "الباسيج" (قوات التعبئة الشعبية). ما حصل: فتوى جهاد كفائي أسست لحشد ولائي.

(عن صحيفة الاتحاد الإماراتية 9 تموز/ يوليو 2015)