مدونات

علماء تحدوا الطغاة وآخرون انبطحوا أمام السلطان

رضا
لا شك أن عالم الدين يكتسب ثقةً أكبر فى عيون تلاميذه ومحبيه، بل والمجتمع ككل كلما كان مستقلاً عن السلطان، وبعيداً عن دائرة الحكم الجهنمية وشبكاتها العنكبوتية، التى تؤثر بشكل كبير وسلبى على استقلالية ونزاهة القريبين منها، لاسيما عندما يكون هذا القريب من الحاكم عالم دينى أو فقيه شرعي، رأس ماله هو العلم المنزه عن أى هوى، والمستقل عن أى شخصٍ، أيّاً كان نفوذه وسلطانه.

مما قد يفقد العالِم اعتباره العلمي، بل وهيبته أمام المجتمع إذا ما قبل أن يكون تابعاً ضمن أدوات الحاكم، يتلاعب بها كيفما شاء لخدمة أغراضه حفاظاً على عرشه .

 لقد تغيرت نظرة الحاكم إلى مؤسسة الأزهر ككيانٍ مستقلٍ فاعلٍ، ومحركٍ وقائدٍ للحركة الوطنية، يستطيع أن يخلع الحاكم فى أحيانٍ كثيرة، ويقود التغيير لما له من تأثير دينى بحق على جموع الشعب، استمد هذا الرصيد من نزاهة الأزهر العلمية الشرعية انحيازاً حقيقياً للأمانة المنوط بها، وليس لفئة أو جماعةٍ أو نظام حكم بعينه ، ذلك أن مصر الدولة كانت تستمد قوتها الرئيسية من قوة واستقلالية الأزهر، كقوة ناعمة فاعلة فى محيطها الإقليمي والعالمي أيضاً.

 بلغ ذروة التحول السلبى والتراجع المزرى لدور الأزهر، كمؤسسة جامعة بعد حركة 23 يوليو 1952، ومحاصرة دوره بحيث يضمن ضباط يوليو ولاءه لمقتضيات المرحلة، أو على الأقل تحييد دوره.. بدا ذلك واضحاً وجلياً فى قانون تنظيم الأزهر عام 1961، حيث أصبح تابعاً مالياً وإدارياً، بل وسياسياً للدولة، وفقد على أثرها أهم مصدر قوته وتأثيره، فتحول شيخ الأزهر إلى مجرد موظف كبير بدرجة رئيس وزراء، يتم تعيينه من قبل رئيس الجمهورية، يتقاضى راتبه حسبما تقرره له السلطة ، ولم يكن تدخل سلطة يوليو عائقاً أمام استقلال بعض علماء الأزهر العمالقة، أصحاب الرأى الحر، أمثال العلاّمة الشيخ محمد الخضر حسين، أحد أبرز علماء عصره استقلاليةً ونزاهةً وعلماً، لنبين الفارق الشاسع بين علماء عاشوا سلاطيناً بعلمهم المنزّه عن الهوى، وعلماء ارتموا فى حضن السلطة تحت دعاوى ومبررات واهية، وحقائق ملتوية لضمان الكرسى، أو لفسادٍ فى القلب والعقل.

 فلنشاهد المقارنة المذهلة والمقاربة ذات الدلالة، التى لا تخطئها العين، إزاء موقف الشيخ الخضر حسين، هذا التونسى الأصل، عندما تولى مشيخة الأزهر، بعد أقل من شهرين من حركة 23 يوليو فى 16 سبتمبر 1952، بناءً على طلب ضباط يوليو، حيث توجه ثلاثة من الضباط إلى منزله، طالبين منه قبول المنصب فنهض بالأمانة، ما وسعته الطاقة رغم قصر مدتها ، وعندما أحسّ بضغوطٍ تحول بينه وبين القيام بمهام الأمانة الموكلة إليه، صمم على الاستقالة فى 7 يناير 1954، حيث احتدم الصراع بين جمال عبدالناصر ومعسكره من صغار الضباط المنتفعين من الحكم الجديد من جهة، وبين الرئيس اللواء محمد نجيب وجماعة الإخوان المسلمين من جهةٍ أخرى، فطلب منه العسكر فتوى بأن هؤلاء (أي الإخوان) كفار أو خوارج أو بغاة، فقال الشيخ رحمه الله ، معاذ الله أن أختم حياتي بهذه الفتوى، وأضع دماءهم فى رقبتي، معاذ الله أن أقول عن الدعاة بغاة، لقد عشت خادماً لديني لا مستخدماً له قائلاً قولته الشهيرة" ويكفى العبد كِسرة خبزٍ وشربة ماءٍ، وما أكثر الفضاء فى ملكوت الله، وإنى أشهد الله أن الإخوان دعوة ربانية، عرفتهم ميادين البذل والعطاء والجهاد والتضحية، لم يخونوا ولم يغدروا بما عرفت عنهم، وها أنا ذا أعلن استقالتي من كل منصبٍ يحول بينى وبين إرضاء ربي"، مختتماً استقالته المدوية قائلا : "إن الأزهر أمانةً فى عنقي، أسلمها حين أسلمها موفورةً كاملة، بل وإذا لم يتأتّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدى، فلا أقل من أن يحصل على نقص."

 بهذه المقاربة البسيطة، لشيوخ العزة المستمدة من عزة الإسلام، مهما كانت التضحيات والضغوطات المادية والمعنوية، وبين شيوخ السلطان الذين باعوا الدين بالدنيا والغالي بالرخيص، واختاروا نعيم سلطانهم الزائل عن نعيم الله الباقى، وتاريخنا الإسلامى المجيد ملىءٌ بمواقف فاصلة لعلماء وأئمة، يفخر بها كل مسلم حر لا يتسع المجال الآن لسردها، من الحسين بن على رضى الله عنه، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير، ومالك بن أنس، وأبى حنيفة وبن حنبل، وابن تيمية وعز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء.
 
حفروا سيرتهم فى تاريخ العظماء والمجددين، بحروفٍ من نور، بينما سيذهب الآخرون إلى مزبلة التاريخ، غير مأسوفٍ عليهم، بما قدمت أيديهم، وأسبغوا شرعيةٍ زائفة على طغاةٍ مستبدين، وشرعنوا القتل والاستئصال والإرهاب، وحملات التفزيع المستعرة منذ عدة شهور، في استخدام رخيص ومبتور للنص القرآنى والنبوى.