مقالات مختارة

موقف الاردن من ربيع العرب وجبهة مناوئيه

1300x600
من الواضح أن مسار المواقف الخارجية الأردنية إزاء ما يعرف بالربيع العربي لا زالت تصب في اتجاه الاصطفاف مع قوة المال الخليجي المتوجسة من رياح التغيير الديمقراطي، والطامحة إلى إعادة ترتيب المنطقة بما يعزز نفوذها ويوقف المد التركي والإيراني المستند إلى شعبية قوى الإسلام السياسي السني والشيعي. لكن السؤال: هل حسم صانعو القرار في هذا البلد خياراتهم بالانخراط الكامل في هذه المعركة على ما تحمل من مخاطر، وبما يعنيه ذلك من تضحية بالنموذج الأردني في الحكم، الذي طالما كان مترقباً للتحولات الدراماتيكية في هذه البقعة من العالم؟ وهل سيلعبون والحال كذلك دور المنفذ، أم سيدفعون باتجاه ترشيد حالة مواجهة التواقين إلى الحرية؟ وكيف ستنعكس آثار التحالف القديم الجديد محلياً؟

عملياً؛ يميل الأردن الرسمي وفقاً لتركيبته البنيوية إلى التحالف مع الأنظمة التقليدية التي ترى في ثورات الربيع العربي تهديدا وجودياً لها، ليس بسبب عداء قوى الشد العكسي المؤثرة في بنيته للإصلاح ومخاوفها منه فحسب، بل أيضا لارتباط مصالح هذا البلد، خاصة الاقتصادية عضوياً بالسعودية والإمارات والكويت في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، ولأن التقديرات لدى صناع القرار الأردني بأن الثورات الشعبية إلى انحسار في ظل هيمنة ما يوصف بالثورة المضادة مرحلياً على مصر وانسداد الأفق في سوريا، والتدهور في تونس وليبيا واليمن، ولأن مثل هذا التحالف يعزز من الدور الإقليمي الأردني ويوفر أسواقاً جديدة للخدمات الأمنية التي يمتلكها والتي قالت بعض قوى المعارضة في دولتين خليجيتين بأنها استخدمت لإخماد التحركات الشعبية.

من المنطقي أن يتجه الأردن نحو هذا التحالف، لاسيما أنه شكل تاريخياً الحاضنة التقليدية له منذ عقود، لكن جديد الأمر يكمن في أن المعسكر الذي كان يحمل مسمى الاعتدال خضع لإعادة هيكلة عميـــــقة في أولوياته مؤخراً، وأخذ يسفر بجلاء عن مواقف شديدة التطرف ضد الإرادة الشعبية. 

وهنا يكون الأردن الرسمي مضطراً للتناغم مع المواقف المناهضة لمطالبة الشعوب بحقوقها،على الرغم من خصوصية وضعه السياسي والاقتصادي والجغرافي والديمغرافي. 

تاريخياً؛ سجلت السياسة الأردنية منذ تأسيس الدولة نجاحاً في قراءة التقلبات ودرجة غليان الشعوب إزاءها واستشراف المستقبل وأخذت مواقف حذرة تجعل البلد في منأى عن المخاطر، وكونت أنموذجاً في هوامش الحرية ومستوى التسامح مع المعارضين والابتعاد عن العنف، حتى في أحلك الحقب التي مرت بها المنطقة. غير أن هذا النموذج الذي كانت تتوقع بعض قوى المعارضة المحلية تطويره إلى مستوى يتوافق مع رياح التغيير الديمقراطي مهدد بالزوال تحت ضغط الانضمام إلى التحالف الأشد تطرفاً ضد الربيع العربي وخيار الحرية.

الأخطر هو أن تفكر بعض قوى الشد العكسي المحلية بأنموذج مناقض تماماً، يعتمد على تطوير مختبر أردني لإنتاج وسائل مجرَّبة في كبح جماح الإرادة الشعبية وفقاً للوصفة الأمنية المصنعة محلياً لامتصاص الغضب الشعبي والالتفاف على مطالب المواطنين، وكذلك رزمة الحلول الأردنية ‘الإبداعية’ للمشاكل السياسي، مثل قانون الانتخاب المسمى الصوت الواحد (صوت واحد للناخب في دائرة متعددة المقاعد)، والذي طبقته دولة خليجية وتفكر فيه دول أخرى.

على الساحة المحلية، تبدو ملامح السياسة واضحة، فالخطاب تغير وهناك إجراءات تنفيذية بعضها على شكل رسائل للداخل وأخرى للخارج أو لكليهما معاً، ويبدو أن أصوات المحرضين تعلو شيئاً فشيئاً لتبتعد بالتجربة الأردنية عن سياقها الذاتي باتجاه الارتهان لمعسكر وضع نفسه في المواجهة، ولا يحتاج المراقب إلى كثير من الجهد لتتبع خطوات من يوصفون بتيار الشد العكسي في تنفيذ ثورة أردنية مضادة تسعى لانتزاع ما خسره هذا المعسكر لدى هبوب رياح الربيع العربي، على الرغم من أن المشهد الأردني لم يتغير كثيراً، فنخبة الشأن العام لا تزال هي ذاتها تتبادل الجلوس على ‘الكراسي الدوارة’ وسياسات اقتياد الناس بمعزل عن خياراتهم لم تتبدل، ولا جديد في قواعد اللعبة، غير أن أجواء الارتداد إلى ما قبل قبل الربيع توفر فرصة برأي هؤلاء- لمضي برنامج معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة على حساب جيوب المواطنين أو ما تصفه المعارضة بمشروع ‘إفقار الأردنيين’، وإعادة فرض منطق الترهيب الذي تكسَّر بفعل الرياح العابرة ومحاولة إغلاق نوافذ الأمل وخفض سقف توقعات الناس، ودفع بعض القوى السياسية إلى القبول ببرنامج احتوائها في المنظومة الأمنية الحاكمة، ومحاولة الالتفاف على ارتفاع مستوى وعي الناس بحقوقهم.

ليس هذا فحسب؛ بل الأخطر أن تُستغل أجواء الاستدارة لتهيئة الشعب الأردني لقبول صيغة محتملة لتصفية القضية الفلسطينية، لا سيما أن ‘كلمة السر’ في كل ما يجري من التفاف على إرادة الشعوب في المنطقة يشير إلى أهمية طي هذا الملف الذي تتهمه بعض الأنظمة العربية بإيقاظ سبات الجماهير بين حين وآخر.

وهكذا، فقد انتصرت الرؤية قصيرة النظر محلياً التي تقرأ ما يجري حالياً من تعثر لإرادة الشعوب بوصفه نهاية المشهد، بدل القراءة التي تستخلص من مجريات الأحداث منذ ثورة تونس صعوداً وهبوطاً دروساً جلية مفادها أن من الحمق مغالبة إرادة الشعوب والإيمان بمنهج حكمها بمنطق الاستبداد والفساد إلى ما نهاية. وعليه فقد اختار الأردن الرسمي الرجوع إلى الخلف بدل الاستفادة من فرصة هدوء العاصفة لاستخلاص العبر مما جرى في الماضي. وهذا ما يفسر زهو القوى التقليدية المحلية الحاكمة بانتصارها مرحلياً من خلال إجراءات على الأرض كـ’تطهير’ مؤسسات الدولة من الإصلاحيين واعتقال ‘الرؤس الحامية’ من الحراكيين (أفرج عن أبرزهم مؤخرا)، بل وذهابها إلى أبعد من ذلك باعتقال شباب لرفعهم شعار ‘رابعة’ مثلاً، وتدشين حملات تحريضية على الإخوان، كشكل من أشكال التماهي مع أجندات المشروع الإقليمي.

حسناً، فمحاولة ‘شيطنة’ الربيع العربي قد تنجح مؤقتاً، لكنها مغامرة قد تكون ‘انتحارية’، من شأنها إعادة انتاج البيئة المهيئة للانفجار، والمشكلة تكمن في أن من يتصدرون المشهد ويمسكون بتلابيب عنق الحرية في هذه المنطقة ويمارسون هذا الدور على المكشوف، سيكونون أول ضحاياها على الأرجح بمرور الوقت. فهل اختار معسكر الشد العكسي للأردن لعب هذا الدور على خطورته؟ أم أن هنالك فرصة في التأثير من داخل المعسكر إياه بلفت الأنظار إلى تجربة (الأردن) في استيعاب الفاعل الداخلي الأبرز ‘الإسلام السياسي’ والتنبيه إلى أن المصلحة الحقيقية تكمن في رفض الانصياع للقوى الخارجية الطامحة من خلال صياغة صفقة داخلية كبرى تستوعب القوى الشعبية الناهضة، وتسمح بتنفسها طبيعياً، بل وتستخدمها في المعركة الخارجية المشتركة بدلاً من استهدافها.

واقعياً؛ لا مؤشرات تشي بذلك، فلم يلتفت الأردن الرسمي إلى الحوار الجاد مع النسخة المحلية من الإسلاميين رغم انخفاض سقف مطالبهم، وتوفر فرصة تاريخية لإعادة دمجهم، كي نستنتج أنه يرغب بتسويق تجربة كهذه للخارج. مع العلم أن النظام السياسي في هذا البلد سبق أن اجترح مواقف تتصف بالجرأة في هذا الصدد، وهو ما يشير إلى أن خياراً كهذا قد يبرز بالفعل مع مرور الوقت وانكشاف عوار النظرة المتسرعة التي تعتبر أن الأمور استقرت على هزيمة ساحقة لخيارات الصندوق.

الأرجح أن قلب صفحة الربيع بلا أي استخلاصات، وتنكب الخصوصية الأردنية لصالح الانسياق وراء تجربة أنظمة تفكر بمنهجية مواجهة معلنة مع إرادة الشعوب لا يصب في مصالحة منظومة الحكم استراتيجياً. فبالتأكيد لم تنجح ولن تنجح مواجهة إرادة الشعوب، والحؤول دون وصول الديموقراطية لها في أي بقعة من العالم.

كما أن الأردن وهو البلد الذي لم ترفع قوى المعارضة فيه في أوج الربيع العربي شعار ‘إسقاط النظام’، وليست لديه مشكلة بما يمتلك من سياسة براغماتية مع دول كقطر وتركيا وحتى إيران، وكذلك مع الحركات الإصلاحية ومنها الإخوان المسلمون، وبالتالي فإن فرص التحول في سياسات هذا البلد ستغدو ممكنة حال ارتفاع تكلفة الخيار الحالي وعودة كفة الميزان إلى الميلان لصالح الشعوب.

أخيراً، فإن من المبكر حسم الأمور باتجاه إقفال نوافذ التغيير، إذ إن النيران لا تزال تشتعل في غير مكان في الجوار بالتزامن مع متغيرات توصف بالإستراتيجية في مجمل المنطقة ذات الكثبان الرملية، والتي طالما أسفرت عن مفاجآت، ولذلك فإن دفن الرؤوس في هذه الرمال على أمل الانتصار على صيرورة التاريخ وتحقيق ما لم يأت به الأوائل ليس حلاً بحال.

عن القدس العربي