حدود الدم..!!

هشام الحمامي
"الحروب الحالية في المنطقة غير مبررة، وغير مقنعة، ويبدو أنها تمهد لخرائط، أكثر منها تمهد لنصر أو هزيمة"- الأناضول
"الحروب الحالية في المنطقة غير مبررة، وغير مقنعة، ويبدو أنها تمهد لخرائط، أكثر منها تمهد لنصر أو هزيمة"- الأناضول
شارك الخبر
يحتفظ التاريخ للحركات الإصلاحية، وكبار علماء الأمة وقادتها، بالكثير من الاحترام والتقدير، في الحفاظ على التواصل الحضاري والتاريخي للأمة طوال القرون الثلاثة الماضية.. ففي مصر كان الأزهر الشريف بعلمائه وطلابه، هو الطليعة ضد الحملة الفرنسية، وكانت ثورتا القاهرة الأولى والثانية في العامين 1798 و1800م تتغذيان على الشهادة في سبيل الله صوناً للدين والوطن، ونفس الأمر حدث مع الحملة الإنجليزية في 1809م..

واستمرت حركات المقاومة والتحرر كلها تنهل من الإسلام وتلتقي حوله، حتى أن الزعيم سعد زغلول، أبو الحركة الوطنية، كان تلميذاً لجمال الدين الأفغاني الأب الشرعي لكل الحركات الإصلاحية والإسلامية في عموم عالم الإسلام.. وهو الذي وصفه بأنه "موقظ الشرق وباعث نهضته".

وامتدت الحركة الوطنية بقيادة مصطفى كامل ومحمد فريد على نفس النهج، وطلعت حرب أيقونة الاقتصاد المصري في كل العصور.. كان مثقفا إسلامياً بامتياز. ولعل الأجيال الحديثة لا تعرف عنه ذلك! وله كتابان في منتهى الأهمية؛ "تربية المرأة والحجاب" و"فصل الخطاب في المرأة والحجاب"، وقد تجاهلهما كثيرون تشويشاً وحجبا لمرجعيته الإسلامية..

* * *
ها نحن نرى ترتيبات "ما بعد سايكس بيكو" تجرى الآن، والطريف في الموضوع، أن الحديث عن تجديد خريطة "الشرق الأوسط" يتم تداوله علنا في الدراسات والبحوث.. ناهيك عن العبيط نتنياهو

لم يختلف الأمر كثيراً في العراق والشام وشمال أفريقيا.. فكانت "ثورة العشرين" في العراق من المساجد بقيادة السيد المجاهد محمد الحبوبى والشيخ شعلان.. الأمر نفسه كان في "الثورة السورية الكبرى" في 1925م وحتى انتهاء الاحتلال عام 1946م.. في ليبيا كان السنوسي وعمر المختار من عظماء المجاهدين.

في تونس والجزائر كان الجهاد والشهادة هما القيادة والوقود، وقدم الجزائريون مليوناً ونصف مليون شهيدٍ، خرجوا يرجون ما عند الله، ورفضا لحياة المذلة والهوان، ملبين نداء الجهاد والموت في سبيل الله. وفي المغرب كانت حركة الاستقلال بقيادة الشيخ عبد الكريم الخطابي..

* * *

"الحركات الإصلاحية" إذن لم تكن شأنا جديدا على المنطقة العربية، بل كانت إحدى أهم مكامن القوة الصلبة والهادئة في عموم المنطقة، سواء بقدراتها الحركية أو ثقافتها الروحية.. في كل وقت كان هناك دائما تمثيلا سياسيا للفكرة الدينية، لكنها لم تكن الدين نفسه؛ كما قال الأستاذ هيكل رحمه الله.. وهذا صحيح.

كان من الطبيعي أن تمتد آثار هذه الحركات إلى ما بعد خروج الاستعمار.. لكنه للأسف، كان ضروريا في نظر المستعمرين القدامى، إخلاء المنطقة العربية منها قبل خروجه..!! وحدث ذلك بالفعل، وبقسوة متناهية للغاية.. قسوة غير مبررة بأي مصلحة، تتصل بالحاضر..!! نعم.. فقد كان المستقبل هو المقصود!!.. سواء عن علم أو جهل، كان المستقبل بالفعل هو المقصود.

واجتمعت هذه القسوة الشديدة في الإقصاء!! مع القسوة الشديدة في الهزيمة (1967م)!!.. هل لاحظ أحد ذلك؟؟

* * *

وأطلّت بعدها على الناس أفكار أشد قسوة، وأشد إقصاء، وأشد ما تكون بُعدا، عن أفكار الحركات الإصلاحية الأولى..!! وأتمنى من الباحثين أن يكفوا عن ترديد "المقولات المعلبة" ويجتهدوا في فهم ومعرفة كل هذا الذي حدث، وكيف يمكن منع تكراره.. وتحجيم آثاره.

لكن هذين "الحدثين" تحديدا، كانا الأشد، والأسوأ أثرا في التاريخ الحديث.. وتم استغلالهما لصناعة "مستقبل" لا علاقة له بالتاريخ ولا بالأفكار ولا بالإصلاح ولا حتى بالسياسة.. من الذي فعل كل ذلك..؟ وهل كان فعلا يقصد كل ذلك..؟ أم أضيفت سنن وعوامل أخرى جعلته كذلك؟

* * *

على أي حال، كانت "سايكس بيكو" 1916م، قد رسخت واقعا جغرافيا وسياسيا وطائفيا خبيثا، وكان من الصلابة بما جعله يستمر مائة عام، وكان يستمد هذه الصلابة من "الدولة القطرية الحديثة"، التي أنهكت الشعوب، وأنهكت نفسها بالطغيان والفساد، ودفن الناس في قبور الخوف أحياء، وقامت تلك الدولة كمصدر للإيذاء الدائم..! فقمعوا المفكرين والمناضلين، وتمت أكبر سرقة في التاريخ الإنساني؛ كان المسروق دماء الملايين من الشهداء، وجهاد المئات من العظماء والأبطال عبر القرون الثلاثة الماضية.. وقد كان..

* * *

الآن قاربت الصلاحية الاستراتيجية لسايكس بيكو على الانتهاء.. لأنه في التاريخ والسياسة، كما في الحياة والبشر، كان دائما "القوى" يتمدد ويتسلطن، على حساب "الضعيف".

فها نحن نرى ترتيبات "ما بعد سايكس بيكو" تجرى الآن، والطريف في الموضوع، أن الحديث عن تجديد خريطة "الشرق الأوسط" يتم تداوله علنا في الدراسات والبحوث.. ناهيك عن العبيط نتنياهو..

* * *

من عشرين سنة (2006م)!! نشرت مجلة "أرميد فورسيس" الناطقة باسم الجيش الأمريكي، مقالة لعقيد متقاعد (رالف بيترز) بعنوان "حدود الدم.. كيف يمكن لشرق أوسط أفضل أن يكون"، ونشر عدة نماذج لتفكيك المنطقة وقال إن الأمر لن يكون سهلا، وسيستدعي الأمر "دماء كثيرة"!!

وسأورد هنا ما يتعلق بإيران والسعودية واليمن فقط، والتي تجري فيها الأحداث الحالية...

ذلك كله ليس قدرا محتوما، ويمكن منعه وإلغاؤه حتى من قاموس الخيال.. لكنه يستدعي توحدا قويا في المواقف بين الحواضر الإسلامية الكبرى مصر وتركيا وباكستان.. كما يستدعي حضورا شعبيا كبيرا، مؤثرا وقويا ومنظما، كما كان يحدث دائما حين "يقع" الخطر، بل حين كان "يقترب" الخطر

إيران: تجريدها من أجزاء واسعة لصالح أذربيجان الكبرى في الشمال، كردستان وإقليم بلوشستان، الدولة العربية الشيعية الجديدة في الجنوب الغربي..

السعودية: تقليص حجمها وتجريدها من نفوذها الحالي، حصر سلطة "آل سعود" في منطقة الرياض وضواحيها. تحويل المدينتين المقدستين (مكة المكرمة والمدينة المنورة) إلى إدارة إسلامية دولية مشتركة، منح المنطقة الشرقية الغنية بالنفط للدولة الشيعية الجديدة، اقتطاع الربع الجنوبي الغربي وإلحاقه باليمن.. مع إعادة إسرائيل لحدود ما قبل 1967م، لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السيادة..

* * *

فهل ما نراه الآن له "قرابة" مع ما يتداولونه عن المنطقة من زمان؟ الحروب الحالية في المنطقة غير مبررة، وغير مقنعة، ويبدو أنها تمهد لخرائط، أكثر منها تمهد لنصر أو هزيمة.

على أن ذلك كله ليس قدرا محتوما، ويمكن منعه وإلغاؤه حتى من قاموس الخيال.. لكنه يستدعي توحدا قويا في المواقف بين الحواضر الإسلامية الكبرى مصر وتركيا وباكستان.. كما يستدعي حضورا شعبيا كبيرا، مؤثرا وقويا ومنظما، كما كان يحدث دائما حين "يقع" الخطر، بل حين كان "يقترب" الخطر..

نرى حولنا الأشياء وهي سواكن    لكنها كالجمر تحت الرماد

x.com/helhamamy


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)