كتاب عربي 21

الصراع بين الرئيس والنقابة في تونس.. محاولة فهم

عربي21
يخوض الرئيس قيس سعيد صراعا مكشوفا مع الاتحاد العام التونسي للشغل، وقد أطلق ليلة الأول من شباط/ فبراير 2023 تهديدا صريحا من داخل ثكنة أمنية ضد (هم) المجهولين الذين عرف الجميع أنهم القيادة النقابية. فهل هو صراع حقيقي أم عركة مطبلاتية تغطي على توافق ضمني حول الانقلاب؟ ما فائدة الرئيس من حرب على أقوى قوة تسانده؟ وهل عَمِي عن دورها في التحضير لانقلابه ثم حمايته من الشارع؟ بل هل عمي عن فضلها في كسر ظهر الشارع المعارض؟ وهل هذه الحرب داخلية خالصة أم أنها دخان معركة خارجية تتحارب فيها الأدوات لصالح جهات تراقب البلد وتريد حكمه من وراء ستار؟

تذكير ببعض الوقائع الفاصلة

ما كان للانقلاب أن يحصل لو لم تمهد له النقابة منذ ظهور نتائج انتخابات 2011 وتقدم الإسلاميين على اليسار، المالك الحصري للنقابة. لقد تحمل البلد عددا من الإضرابات القطاعية والعامة جعلت كل حكم مستحيلا، وابتزت الموازنات حتى دمرتها. إن التخريب الشامل الذي مارسته النقابة ضمن خطة معادية للديمقراطية هو الذي أفقد الثورة ومن حكم باسمها كل قدرة على تقديم نتائج اقتصادية مرضية للطبقات الضعيفة، التي لم تجد بدا من الانحياز لانقلاب أوهمها بتعديل المسار وترجيح كفتها.

كان هذا الدور قد أسقط النقابة من وجدان الناس ونسف تاريخها الطويل حين كانت وعاء لكل تحرك سياسي معارض لنظامي بورقيبة وابن علي، ومسح تاريخها النضالي الذي قبل الناس تسميتها بالخيمة الجامعة. وكان انقلاب القيادة الحالية على قانون المنظمة وتعديل الفصل العاشر قد أبّد وجودها في التنفيذي، فقد سبق انقلابُ القيادة النقابية انقلابَ قيس سعيد بفترة وجيزة، وبمجرد إعلان الانقلاب عن نفسه قفزت قيادة النقابة (المنقلبة على قانون المنظمة) إلى جانبه وحمته من سقوط محقق. ومن أبواق النقابة انطلقت الدعاية ضد العشرية السوداء لترذل كل مكاسب الثورة وعلى رأسها دستور 2014، وتسوّق الانقلاب كمطلب شعبي فعلي لا مؤامرة مصنوعة في دوائر الاستخبارات.

واليوم وجزء هام من الطبقة السياسية يعمل على إسقاط الانقلاب بالنضال السلمي، تقوم النقابة بشق الصف والدفاع عن الانقلاب وإعلان المبادرات السياسة لإنقاذه. لكن لماذا يشن الانقلاب حربا على القيادة النقابية وعلى النقابة عامة، بالنظر خاصة إلى كل هذه الخدمات التمهيدية ثم الحمائية له؟

حرب كسر عظم

للتذكير، اتخذ الانقلاب إجراءات اعتبرتها النقابة عدائية، أهمها توسيع الاقتطاع الآلي من الرواتب لصالح كل النقابات فساوى بين الاتحاد ونقابات أخرى ظلت صغيرة ومجهولة سياسيا، وهو أمر كان الاتحاد العام يعتبره خطا أحمر ويمنع الحكومات السابقة من تقنينه. ثم منح وزارة التعليم لنقابي سابق عرف برفضه لما أفرزه المؤتمر العشرون الانقلابي، مما وسع الفجوة بين القيادة الحالية وبين المنقلب.

وقد تبين أن جهل الرئيس المدقع بالشأن الاقتصادي والذي انكشف للجميع بعد الانقلاب هو الذي مهد للحظة الحرب مع النقابة، فقد كان أمام أجندة تحرير اقتصادي أملتها حالة البلاد بعد أن استبدت النقابة (ضمن أجندتها التخريبية) بالمؤسسة العمومية وخاصة قطاع الفوسفات، أهم ممول للموازنة، فضلا عن تراكمات سابقة.

وقد كانت شروط مؤسسات الإقراض واضحة: الحد من الإنفاق العمومي والتخلص من المؤسسات العمومية العاجزة، فلما استنكف عن ذلك خشية النقابة حوصر اقتصاديا وقطع عنه المدد المالي فوصل إلى حالة إفلاس غير معلنة. وكانت آخر محاولة للنجاة من الضغط أن وضع نظاما ضريبيا قاسيا جدا على المؤسسة الخاصة، لكن نتيجة ذلك لم تظهر بسرعة، مما زاد في حاجته الآنية إلى المدد المالي السريع ونظنه يعمل على تقديم النقابة على مذبح حسن النية الليبرالي.

المطالب المسلطة على حكومة الانقلاب من جهات التمويل الخارجية تجبر الانقلاب من ناحية أولى على منع كل عمل احتجاجي على تنفيذ شروط المقرضين، وهي من ناحية ثانية تقلل حظوظ النقابة ووسائلها المعتادة في الضغط على الحكومات، وهو ما يعني بالنسبة لها فقدان كل وسيلة للمشاركة السياسية في السلطة من خارجها وهو المقعد المريح الذي اتخذته منذ الثورة.

ولا تبدو هذه المعادلة قابلة للحل حتى اللحظة إلا بغياب أحد طرفيها، فليس المطلوب مساندة الانقلاب والحفاظ على نغمة الاحتجاج بل الانخراط الصامت والطاعة العمياء، وهو ما لم تسلم به النقابة بعد، إنها تحسب خسائرها في وضع ليبرالي لا تتحكم فيه.

هل نستشف أجندة خارجية وراء المعركة؟

هناك يقين ثابت بأن البلد تحت منظار القوى الكبرى وأن حل أزمة الحكم القائمة بما فيها المعركة مع النقابة لن يكون تونسيا خالصا، لذلك لا نستبعد وجود تأثيرات خارجية تتخفى خلف المعركة.

نستشف خيبة المنقلب من الدور الفرنسي، فرغم تقبيل الكتفين ورغم إنكار تاريخ الاحتلال فإن فرنسا لم تقدم للانقلاب ما يكفيه من المال والإسناد السياسي في الاتحاد الأوروبي لينجح. ونظن بيقين أن الحرب على النقابة هي بعض ردة فعل على التخلي الفرنسي عن الانقلاب، فهي أداة المحتل التي تستحق الكسر انتقاما. لقد خدمت المحتل القديم ولا تزال تبقي البلد تحت نفوذه، لكن هل "تحطيم النقابة" والدخول في مرحلة ليبرالية يضر بمصالح المحتل الفرنسي؟

نرجح ذلك بلا مواربة، فالاقتصاد التونسي هو مجال حيوي حصري للفرنسيين وفتحه للاستثمار يقلل من حظوظ الشركات الفرنسية التي لا تتمتع بأفضلية تكنولوجية (قطاع السيارات مثالا)، وهذه الشركات بدأت تستشعر أضرار قانون المالية الذي فرضه الانقلاب، وتقرأ المشهد في غياب أداتها التي تحركها بالريموت كونترول.

ومن هذه الزاوية فإن الحفاظ على ريع المؤسسات العمومية يبعد كل تأثير احتجاجي عن الشركات الخاصة الفرنسية التي ليس بها ممثليات نقابية أصلا، ويحفظ قوة النقابة لتضغط طبقا للأجندة الفرنسية على كل الحكومات.

من زاوية مقابلة فإن مؤسسات الإقراض واقعة تحت نفوذ أمريكي قوي ربما بخلاف القوانين التي تنظم عملها، والأمريكيون يدفعون في كل مكان إلى تحولات ليبرالية وقد يمولون المتحمسين لها من الدول الفقيرة وربما يقدمون أكثر من التمويل المالي (وهم قادرون). ونعتقد أن المنقلب قد وجد نفسه داخل هذه الدوامة التي لم يتوقعها ولم يعرف كيف يخرج منها، ونراه يبذل جهدا أخيرا للفوز برضا الممولين ويقدم براهين حسن النية بضرب النقابة.

هل نستفيق يوما على تونس دون نقابة تخرب الديمقراطية؟ أجزم بوجود جمهور واسع ينتظر صباحا مماثلا. فالنقابة صارت في الذاكرة الجمعية عنوانا للتخريب، يكفي أنها تقوم الآن بكسر كل جهد معارض للانقلاب.