قضايا وآراء

هل يصدقه التونسيون؟.. قيس سعيد: "تونس تتسع للجميع"!

يتزايد حجم الرفض لسعيّد في الشارع التونسي- جيتي
بعد أن ضيّق على التونسيين أفق أحلامهم ونغّص عليهم مسارهم الديمقراطي، ومارس كل أشكال التنكيل والتحريض والعبث بمؤسسات الدولة، ها هو وفي مناسبة رأس السنة الميلادية يتوجه بكلمة إلى "التونسيين في كل مكان، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب وفي الداخل والخارج"، وها هو يقول؛ "إن ما مضى قد انقضى"، ويُخبر التونسيين بـ"حقيقة" طالما نادوا بها وهي أن "تونس تتسع للجميع".

قيس سعيد الذي ظل ثلاثة أعوام كلما أطل على التونسيين أفسد مزاجهم ووتر أعصابهم، وحمل بعضهم على مهاجمة بعض في الواقع الافتراضي وحتى في الواقع الحقيقي، ها هو لأول مرة يتحدث عن الأمل وعن الفرحة والابتسامة، في خطاب مكتوب لا أظنه إلا من صياغة "محتال"، يظن أن التونسيين بسطاء ضعيفو ذاكرة وفاقدو ملكة التمييز. ثلاثة أعوام من خطاب التخوين والتحريض كانت كافية لاندلاع حرب أهلية لولا فضل من الله ورحمة، ولولا هدوء طبع التونسيين واعتدال مزاجهم ونفورهم من ظاهرة العنف الجماعي، خاصة وهم متجانسون حضاريا وعقديا ومذهبيا؛ لا تستثيرهم الجهويات والعروشية والطائفية والطبقية.
تابعنا تفاعل التونسيين مع الخطاب، فكانوا في الغالب غير مطمئنين وغير مصدقين، لما سبق لهم مع قيس سعيد من انقلاب على الدستور وعلى المؤسسات الدستورية وعلى برلمان منتخب وعلى مسار ديمقراطي

تابعنا تفاعل التونسيين مع الخطاب، فكانوا في الغالب غير مطمئنين وغير مصدقين، لما سبق لهم مع قيس سعيد من انقلاب على الدستور وعلى المؤسسات الدستورية وعلى برلمان منتخب وعلى مسار ديمقراطي، ما زال يسمح للتونسيين بالتدرب على مزيد الإبداع وتجاوز الأخطاء.

المعارضون اعتبروا الخطاب مناورة لخروج "غرفة الانقلاب" من خناق يضيق عليها بعد توسع دائرة المعارضين، وبعد ارتفاع صوت الاتحاد العام التونسي للشغل وتهديد أمينه العام بـ"احتلال الشوارع".

كانت قد انطلقت مبادرة لإنقاذ المشهد، اشترك فيها كل من اتحاد الشغل ورئيس رابطة حقوق الإنسان ورئيس هيئة المحامين، مبادرة تقوم على دور حتمي للأحزاب السياسية إلى جانب المنظمات والشخصيات الوطنية، وهي مبادرة تذكر بدور "الرباعي الراعي للحوار الوطني" خلال أزمة 2013 بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، حيث كانت مخرجاته انسحاب حركة النهضة من الحكم وتسليم السلطة لكفاءات وطنية، أشرفت على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية سمحت باستقرار استمر خمسة أعوام، في ظل رئاسة الباجي قائد السبسي رحمه الله، تحت عنوان "توافق الشيخين" أي الباجي والغنوشي.

الموقف الطارئ يدفع المعارضة الصميمة إلى التوجس والريبة، مما قد يكون تنويه تلك الجهات وعلى رأسها اتحاد الشغل، من محاولة إنقاذ قيس سعيد عن طريق مبادرة ظاهرها "حوار وطني"، وباطنها "إعادة عجن المشهد السياسي" لمنع سقوط الانقلاب

متابعون من المعارضة الصميمة للانقلاب، ينظرون بعين الريبة لتحركات مفاجئة صدرت عن جهات كانت داعمة للانقلاب وأصبحت ترفع أصواتها عالية ضده، وتحمله مسؤولية الإخفاقات الاجتماعية والسياسية، وتدعوه إلى التوقف عن مزيد التجريب السياسي، لكونه لا يمتلك خبرة ولا تجربة ولا يقبل نصحا ولا يستشير أحدا.

الموقف الطارئ يدفع المعارضة الصميمة إلى التوجس والريبة، مما قد يكون تنويه تلك الجهات وعلى رأسها اتحاد الشغل، من محاولة إنقاذ قيس سعيد عن طريق مبادرة ظاهرها "حوار وطني"، وباطنها "إعادة عجن المشهد السياسي" لمنع سقوط الانقلاب، وما قد يُتيحه لحركة النهضة وحلفائها في جبهة الخلاص من تصدر المشهد، وربما المحاسبة السياسية والقضائية لشركاء غرفة الانقلاب على الشرعية.
قيس سعيد لم يستمر في خطاب تجميع التونسيين، بل سرعان ما عاد إلى خطاب التقسيم والتحريض وإلى قاموس الشتائم والسباب، بل مضى خطوات في ملاحقة مخالفيه قضائيا بدون ملفات حقيقية، إنما بمجرد أقاويل وتدوينات فيسبوكية ووشايات، لا يليق أن تكون مستندا لرجال دولة يبنون عليها اتهامات، يقول محامون إنها بلا دليل

التونسيون سبق لهم أن سمعوا قيس سعيد في مناسبة أولى يقول؛ إن "تونس تتسع لكل التونسيين"، كان قال ذلك في اجتماع مع قادة عسكريين وأمنيين يوم 9 كانون الأول/ ديسمبر 2021، يوم احتراق المقر المركزي لحركة النهضة، حيث كان الحدث صادما وباعثا على التخوف، من أن تكون ثمة أسبابا خفية وتداعيات مهددة للأمن الوطني والسلم الأهلي، غير أن قيس سعيد لم يستمر في خطاب تجميع التونسيين، بل سرعان ما عاد إلى خطاب التقسيم والتحريض وإلى قاموس الشتائم والسباب، بل مضى خطوات في ملاحقة مخالفيه قضائيا بدون ملفات حقيقية، إنما بمجرد أقاويل وتدوينات فيسبوكية ووشايات، لا يليق أن تكون مستندا لرجال دولة يبنون عليها اتهامات، يقول محامون إنها بلا دليل.

وفي الوقت الذي بشّر فيه قيس سعيد التونسيين بحقهم جميعا في العدالة والأمن، ودعاهم إلى العمل من أجل مستقبل الأمل والابتسامة، ما زال أصحاب رأي رهن الملاحقة القضائية والمنع من السفر، وما زال أول وزير داخلية بعد هروب بن علي موقوفا على ذمة تحقيق، في قضية يؤكد محامون أنها مجرد عملية تنكيل سياسي برمز من رموز النضال والصمود أيام الاستبداد القديم والحالي. اعتقال السيد علي العريض اعتبره نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني، محاولة لتخويف قادة المعارضة، مؤكدا عزمهم وصمودهم حتى تحقيق الهدف قريبا؛ وهو رحيل قيس سعيد باعتباره منقلبا وفاشلا وخطرا على المستقبل.

twitter.com/bahriarfaoui1