مقابلات

وزير تونسي سابق لـ"عربي21": نهاية سلطة سعيّد تلوح في الأفق

البحيري: المشاركة بالسلطة ليست من أولوياتنا الآن ولا من أولويات القوى الوطنية التي تقاوم الانقلاب

قال وزير العدل التونسي السابق، القيادي البارز في حركة النهضة، نور الدين البحيري، إنه "لم يعد لسلطة قيس سعيّد أي فرصة للاستمرار أكثر من ذلك؛ فما تعيشه تونس من أوضاع مزرية للغاية غير قابلة للاستمرار، وبالتالي يمكننا القول إننا نشهد اليوم الفصل الأخير من حكم سعيّد".

 

وأضاف البحيري، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "نهاية حكم سعيّد باتت تلوح في الأفق، وربما يحدث ذلك خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة".

 

ووصف قرار استدعائه للمثول للتحقيق أمام قاضي التحقيق 31، بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب، بأنه "قرار سياسي بامتياز، وتقف وراءه سلطة الانقلاب وكبار رموزها"، لافتا إلى أن أمر الاستدعاء لم يتطرق إلى التهمة أو الموضوع.

 

التنكيل بالمعارضين

 

وأردف: "يبدو أن هذا التحرك جاء بناءً على طلب من المكلفة من قيس سعيّد بوزارة العدل، ليلى جفال، وذلك في إطار محاولات السلطة السياسية التدخل في سير القضاء، واستمرار للهرسلة والتنكيل بالمعارضين"، مؤكدا أن "هناك استهدافا لكل المعارضين للانقلاب، ولكل مَن تمسك بمؤسسات الدولة المنتخبة والشرعية، وليس لي شخصيا أو لحركة النهضة فقط".

 

وأضاف: "بصفتي نائب شعب أتمتع بالحصانة الدستورية والقانونية، ورغم وعيي بأن مثل هذه القضايا مُفتعلة من قِبل الانقلاب، فإن احترامي للقضاء فوق كل الاعتبارات، وسأمثل أمام قاضي التحقيق؛ لأثبت لكل المتابعين الطبيعة السياسية لهذه الملفات المُفتعلة والملفقة، والتي تدين سلطة الانقلاب، وتكشف تدخلها الفج في سير العدالة وعدم احترامها للقانون".

 

وأشار البحيري إلى أن "افتعال مثل هذه القضايا يأتي لمحاولة التغطية على فشل السلطة في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في تونس، والتي ازدادت تعقيدا، وأدت إلى شبه إفلاس للدولة، وغياب لمواد غذائية أساسية وفقدانها من السوق، وفي ظل غلاء فاحش للأسعار".

 

وذكر أنه سيطالب بـ"وضع حد لتدخل السلطة في القضاء، والذي أدى لتعطيل العدالة في ملفات كثيرة وشكايات موثقة ضد قيس سعيّد، ونجلاء بودن، وتوفيق شرف الدين، وليلى جفال، بشأن تورطهم في ارتكاب جرائم إرهابية وجرائم ضد الإنسانية، مثل الاحتجاز القسري الذي استهدفني شخصيا، والذي ثبت بشهادة هيئات الأمم المتحدة، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وهيئة مكافحة التعذيب، ومنظمات حقوقية وإنسانية وطنية ودولية".

 

وتابع: "رئيس جمعية القضاة التونسيين، أنس الحمايدي، صرّح سابقا بأن عددا من القضاة الشرفاء تم عزلهم من قِبل قيس سعيّد بسبب تمسكهم باستقلالهم واحترام القانون، ورفض الخضوع لإملاءات المُنقلب في علاقته بالسياسيين".

 

وقال: "كما أن مساعد أول بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب، قيس الصباحي، صرّح قبل أيام بأن من أسباب عزله رفضه الزّج بأحد القيادات السياسية، الذي كان حينها خاضعا لإقامة جبرية في إحدى القضايا، وكان يتحدث عني شخصيا بشكل مباشر".

 

وذكر أنه: "شهد كثيرون أن سلطة الانقلاب مُمثلة في قيس سعيّد شخصيا، ووزير الداخلية توفيق شرف الدين، وليلى جفال، ورئيسة الحكومة نجلاء بودن، تدخلوا بشكل قوي ومارسوا ضغوطا متزايدة على عدد من القضاة؛ من أجل الزجّ باسمي في قضية ما يُعرف بقضية جواز السفر، الذي يُقال أنه أُسند لشخصية عربية كانت ترتبط بعلاقة قوية بالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة".

 

"محاولة اغتيال حقيقية"

 

وأكمل: "التصريحات الزائفة التي أعلنها توفيق شرف الدين سابقا كانت مجرد محاولة للتغطية على الجريمة الخطيرة التي خططوا لها، وهي محاولة اغتيالي، ويُقال إن وراءها مجموعة لا تنتمي إلى جهاز أمني، ويقول البعض إنها تنتمي إلى جماعة الحشد الشعبي، ومن خلال احتجازي في مقر مهجور، خاصة أنني شارفت آنذاك على الموت، وحينما فشل مخططهم أطلقوا تلك الأكاذيب الملفقة".

 

وأردف: "أنا أجدّد مطالبتي لقيس سعيّد بضرورة الكشف عن هوية هؤلاء الذين قاموا باختطافي قبل نحو عام، والإفصاح عن أبعاد وملابسات ما جرى بحقي حينها، حتى يطلع الناس على الحقيقية الكاملة، لكن الإصرار على التغطية على ما حدث وقتها يؤكد أن هؤلاء الخاطفين لا ينتمون على أي سلك أمني، وأن هدفهم الرئيسي والحقيقي كان يتمثل في قتلي واغتيالي جسديا".

 

تهديد لوجود الدولة التونسية

 

وأضاف: "انقلاب قيس سعيّد أصبح يُهدد وجود واستمرار الدولة التونسية، ويمثل تهديدا جديا وخطيرا للسلم والاستقرار الأهلي في تونس والمنطقة، ووعيي بهذا الخطر الداهم يدفعني إلى عدم التردد، ولو لحظة، في الوفاء بواجبي الوطني والديني والأخلاقي في الانخراط في المقاومة السلمية المدنية للانقلاب مهما كان الثمن، لأن تونس والمكاسب التي حققتها منذ الاستقلال وإلى اليوم أغلى حتى من أرواحنا".

 

وشدّد نائب رئيس حركة النهضة على أن "سلطة الانقلاب تأسست على الخداع، وكلما تأكد للعالم فقدانها للشرعية والمشروعية أمعنت في الهروب إلى الأمام، بعدما فشلت في حل الأزمات التي تسببت فيها، وبدلا من الاهتمام بحل هذه المشاكل الحياتية لجأت على افتعال القضايا ضد المعارضين، لعلها تلفت أنظار الناس عن واقعهم المرير والمأساوي".

 

واستطرد قائلا: "بعدما فشل الانقلاب في حملة الانتخابات التي نظمها، والتي لاقت تجاهلا مطلقا من عموم المواطنين، لجأ إلى البروباغندا والشعبوية، ليؤكد مرة أخرى أنه نظام فاشل وعاجز إلى أبعد مدى".

 

وأوضح البحيري أن "مجلس نواب الشعب المُنتخب عام 2019 هو المؤسسة التشريعية المُعترف بها دوليا، وقد ثبت ذلك من خلال دعوة الأستاذ الغنوشي لحضور مؤتمر الاتحاد الدولي للبرلمانيين، ومن خلال القرار الصادر من محكمة حقوق الإنسان الأفريقية التي أبطلت كل إجراءات قيس سعيّد".

 

في حين ذكر أن "البرلمان الشرعي توقف مُضطرا عن القيام بدوره وواجباته، وذلك على خلفية إغلاق أبوابه بالدبابات، ولكن هذا لا يعني مطلقا أن دوره انتهى؛ فنواب الشعب في أغلبهم منخرطون في معركة تونس ضد الانقلاب، ولذلك يُستهدفون بالعقاب والتنكيل".

 

وتوقع حدوث تحركات قادمة من قِبل مجلس نواب الشعب خلال الفترة المقبلة، رافضا الإفصاح عن طبيعة تلك التحركات، وقال مُعلقا على احتمالية عقد جلسة برلمانية افتراضية: "كل الاحتمالات واردة حسب ما تسمح به الظروف داخل وخارج البلاد، ونحن لن نصمت، ولن نتوقف عن عملنا ودورنا الوطني، والنواب المعارضون للانقلاب على ذمة بلادهم، ولن يتوانوا عن بالقيام بواجباتهم".

 

وأكد أن "حركة النهضة طرف وطني مسؤول، وهي جزء أصيل من الحراك المقاوم للانقلاب، ولها مكانتها وحضورها، وأكبر اهتماماتها منصبة الآن على المشاركة في الحراك الوطني لإسقاط الانقلاب، وعودة الديمقراطية، وتفادي الكارثة التي تهدد البلاد، وإنقاذ تونس مما تعانيه".

 

وأشار البحيري إلى أن "الغنوشي سيظل زعيما لحركة النهضة إلى حين عقد المؤتمر الوطني القادم، والذي سيجري تنظيمه في حزيران/ يونيو 2023، بينما هو عبّر عن قراره بعدم الترشح من جديد، وأبناء الحركة من خلال مؤسساتهم الشرعية هم الذين يحددون موقعه ودوره القادم كأي قيادي آخر".

 

وحول مطالبة البعض بضرورة تنحية الغنوشي عن رئاسة البرلمان، قال: "هو رئيس مُنتخب لمجلس نواب الشعب، ولم يأت على ظهر دبابة، وهو مستمر في موقعه هذا إلى أن يأتي ما يخالف ذلك من خلال الآليات الديمقراطية".

 

مرحلة ما بعد قيس سعيّد

 

ولفت إلى أن وضع حركة النهضة في مرحلة ما بعد قيس سعيّد -حال الوصول لها- "لن يختلف كثيرا عن وضع أي حزب آخر لعب دورا في مناهضة الانقلاب، والأصل أن يستفيد حزبنا من تجربته السابقة، التي بلغ عمرها أكثر من 50 عاما، ويراكم على ما حققه من نجاحات، ويعزز نقاط قوته، ويتقرب أكثر من مشاغل الناس ومطالبهم وحاجياتهم".

 

وواصل حديثه بالقول: "حزب النهضة مؤهل للاقتراب أكثر من نبض الشارع، وتقديم حلول واقعية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ويعمل على تجاوز أخطائه، وهو مؤهل لأن يلعب دورا ملموسا في المحافظة على الديمقراطية، وترسيخ وجودها، وحفظ السلم الأهلي باعتباره طرفا من أطراف الجماعة الوطنية في إطار تشاركي وحوار جاد بعيدا عن الشيطنة والإقصاء والانفراد بالرأي".

 

واستطرد قائلا: "نحن لا نقاوم الانقلاب من أجل العودة إلى السلطة، بل لحماية تونس من مخاطر جمة ستأكل الأخضر واليابس، بينما الحديث عن شكل وطبيعة المنافسة على السلطة ما بعد قيس سعيّد سابق لأوانه، لأننا اليوم أمام وضع كارثي للغاية يُهدد مكاسب الثورة والدولة الوطنية الحديثة، بل وكل المنطقة. نحن أمام مهمة وطنية وليست حزبية".

 

وأكمل: "الأصل أن تنصب كل الجهود من العمل على عودة الديمقراطية، وحسن قراءة ما حدث سابقا، والمشاركة مع كل مَن يهمه استقرار تونس، وبناء البديل الوطني عن سلطة الاستبداد والفساد"، مؤكدا أن "المشاركة في السلطة ليست من أولوياتنا الآن، ولا من أولويات القوى الوطنية التي تقاوم الانقلاب، بل نقاوم من أجل الحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية".

 

ولفت إلى أن "دعاية قيس سعيّد تركز على تخويف الناس من العشرية السابقة ومن احتمالات عودتها مرة أخرى، وذلك بهدف البحث عن شيء من المشروعية لحكمه الفاشي، بينما أي متابع نزيه يمكنه إدراك أن المحرك الرئيسي للمعارضة لا يتمثل في الطموح للعودة إلى الحكم، بل الرغبة في إنهاء معاناة الشعب، ووضع حد للكارثة التي تهدد حاضرنا ومستقبلنا جميعا".

 

وزاد: "مثل هذه المخاوف الزائفة يمكن أن تجد صدى لدى البعض لو أن قيس سعيّد نجح، ولو بنسبة 1%، في حل مشاكل الشعب، لكنه زاد الطين بلة، وحوّل مشاكل البلاد إلى أزمات خانقة وعاصفة، حتى ارتفعت نسب التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت ميزانية الدولة مُهددة بالإفلاس، واتسعت دائرة العاطلين عن العمل بشكل خطير، وانهارت المنظومة الاقتصادية بشكل كبير جدا.

 

وبالتالي أصبح الحديث عن إخافة الناس من العودة إلى ما قبل حكم قيس سعيّد فاقد لكل قيمة أو معنى، "علما بأن أن الذين حكموا تونس بعد اندلاع ثورة الياسمين ليست لديهم أي رغبة -لا من قريب أو بعيد- في العودة إلى السلطة"، وفق قول البحيري.

 

اتهامات زائفة

 

وبشأن مدى تأثر حركة النهضة بالتحقيقات التي جرت مع بعض قيادييها، قال: "هذه التحقيقات أثبتت عدم جدية ما رددته سلطة الانقلاب ضد الحركة، وأن ما وجّه لنا من اتهامات زائفة من طرف أعلى سلطة في الحكم، هي اتهامات باطلة وكاذبة، ولقد جاءت ضمن إطار حملات الشيطنة والتشويه التي نتعرض لها، ورغم أنها أثرت قليلا في موقف البعض من الحركة، ولكنها لم تقدر على عزل الحركة ولا على استئصالها، بل إن الذي يعاني من عزلة اليوم هو قيس سعيّد وسلطة الانقلاب".

 

وقال: "الأنظمة الانقلابية عادة ما تُبني على الخداع، وإيهام الناس بقدرتها على حل المشاكل، والزعم بمقاومة الفساد، والتمسك بالسيادة الوطنية، مع رفع بعض الشعارات الشعبوية من نوع التطبيع خيانة عظمى، ولكن مثل هذه الأنظمة عندما تُمتحن على أرض الواقع يثبت سريعا فشلها وعجزها وعدم صدقية ما رفعته من شعارات. ولذلك اكتشف التونسيون أن ما كانوا يسمعونه من شعارات زائفة لم يكن إلا محض خيال، خاصة في ظل إفلاس الدولة، وتحوّل شعار لا للتطبيع إلى محاولات خطيرة للتطبيع".

 

وأكمل: "تونس خسرت في عهد المنقلب كل القضايا التي رفعتها لاسترداد الأموال المنهوبة في الخارج، وما يتسرب عن إمكانية رفع الدعم عن المواد الغذائية، والتوقيع على اتفاق صندوق النقد الدولي، والتفريط في المؤسسات العمومية، كل ذلك يعني أننا نتجه سريعا نحو دمار شامل لن يبقي ولن يذر".

 

واستطرد القيادي البارز في حركة النهضة، قائلا: "يحتاج بعض أبناء الشعب لبعض الوقت لاكتشاف حقيقة الانقلابيين، واليوم يترسخ يوما بعد الآخر أن سلطة الانقلاب عاجزة تماما عن إيجاد أي حلول، وأن الحكم الفردي المطلق هو شر مطلق".

 

اتساع المعارضة وعزلة الانقلاب

 

وفي المقابل، أكد نائب رئيس حركة النهضة أن "المعارضة تتقدم في اتجاه كشف الحقيقة، وإضعاف الانقلاب، وتتوسع دائرة المعارضة وتكتسب مساحات جديدة وأنصارا جُددا بقدر ما يعيش الانقلاب حالة عزلة، حيث انفض من حوله أقرب المُقربين له، فضلا عن مسؤولين كبار في الدولة، وهذا يدل على أن الانقلاب بصدد الترنح والانهيار".

 

وأشار إلى أن "المعارضة تقوى بمرور الوقت، وتتهيأ لأن تكون بديلا عن الانقلاب، الذي دخل بالفعل في حلقات الخداع المُغلقة، ويرتكب الجرائم تلو الأخرى، ويخسر الموقع تلو الموقع، وهو الآن يكتب نهايته بيديه، رغم أنه لا يزال مُصرا على المضي قدما في طريق الدمار والإفلاس والفوضى".

 

وذكر أن "الأوضاع التونسية بدأت تنضج شيئا فشيئا، وهي لا تصب بأي صورة من الصور في صالح تثبيت أركان الانقلاب، بل تصب في الاتجاه المعادي للانقلاب، وفي صالح قوى المعارضة والبديل الوطني المأمول والمرتقب، والذي قطعنا شوطا كبيرا في بنائه وتشكيله حتى الآن، وربما يرى النور عما قريب".

 

وقال نائب رئيس حركة النهضة: "مثل هذه الأنظمة الانقلابية لا يمكن أن تستمر طويلا، خاصة في البلدان الفقيرة كتونس".

 

وأكد أن "الشعب التونسي إذا واجه أوضاعا صعبة وخطيرة وكارثية خلقها الانقلاب، فإنه يواجهها بشيء من الصبر؛ أملا في إيجاد ثمة حلول، لكن صبر الناس اليوم قد نفد، وباتت حيل الخداع لا تنطلي على أحد، والسلطة لا تملك في الأفق إيجاد أي حلول، بل أنها لا تملك أصلا حتى مجرد التفكير في حل. ومَن تسبب في الأزمة لا يمكن أن يكون جزءا من الحل، ولا مفر من الإطاحة بهذا الانقلاب الغاشم".