كتاب عربي 21

الفشل بين الشماعات والاشتغالات.. مفاهيم ملتبسة (18)

1300x600
إن من استراتيجيات النظام المستبد أنه يمارس الكذب ويمعن في التعتيم ويجعل من لفت الانتباه أحد أهم وسائله، ومن سياسات الإلهاء مدخلاً لتدليسه واستبداده. من هذا المركب يقوم النظام باستخدام الشماعات "المشاجب" لتبرير فشله، و"الاشتغالات" للتغطية عليه، إنها استراتيجيته الكبرى التي احترف تدشينها لترسيخ منظومة استبداده وصناعة الرضا الكاذب لأفعاله ومواقفه ومشروعاته الفاشلة، ولا تخلو جعبة النظام المستبد من هذه الشماعات التي يحمّلها فشله في سياساته وقراراته.

فدائما ما يحيل الفشل على غيره، فهو المعصوم الذي لا يخطئ، وأن غيره هم السبب في إعاقة نموه المزعوم وتنميته المتوهمة، في ظل اتباعه سياسة تعتمد على أهل خدمته وتنفيذ أوامره دون أهل الكفاءة أو الخبرة، أو الاختصاص. وهي تعلي من قرارات المستبد وتعتبرها مقدسة لا يمكن مخالفتها في سياق تلك الكلمات الساخرة التي انتشرت بين عموم أهل مصر "أحلام سعادتك أوامر"، مستهينا بدراسات الجدوى أو آراء المتخصصين وأهل العلم عند القيام بالمشروعات، فشهدنا مشروعات كثيرة تحت مسمى الإنجاز، وما هي بإنجاز وليس لها أي مردود اقتصادي أو اجتماعي إلا مزيدا من الأعباء على المواطن والوطن. فحينما لا يرى متخصصا غيره، وأنه طبيب الفلاسفة، وأستاذ الأساتذة، وتستشيره جميع أجهزة المخابرات حول العالم، فإنه بذلك يرسخ تلك الصورة الطاغية الزائفة فنجده ينكر فشله، وإذا أجبر على الاعتراف به يكذب ويتحرى الكذب، متفننا في إيجاد تفسيرات وتبريرات واهية ساقطة.
من أبرز شماعات الفشل التي يستخدمها النظام؛ أن الشعب المصري هو المسؤول بتصرفاته وسلوكياته عما يعيشه، حيث يحمل النظام المستبد وجوقته الإعلامية الشعب مسؤولية تردي الأوضاع التي تعيشها البلاد

من أبرز شماعات الفشل التي يستخدمها النظام؛ أن الشعب المصري هو المسؤول بتصرفاته وسلوكياته عما يعيشه، حيث يحمل النظام المستبد وجوقته الإعلامية الشعب مسؤولية تردي الأوضاع التي تعيشها البلاد، حيث نجد أن الإعلام يلهث لعرض خبر عن واردات مصر من المكسرات أو الشيكولاتة على سبيل المثال، ويستضيف الخبراء للحديث عن مليارات الجنيهات المهدرة على مثل هذه السلع الترفيهية، وأن مثل هذه السلوكيات هي المسؤولة عن تراجع الجنيه المصري أمام الدولار، أو أن الشعب المصري لا يعمل ويجلس أمام التلفزيونات لتناول المكسرات التي استوردها بمليارات الجنيهات.

والأمر على غير الحقيقة من ذلك، وأن الخوض في مثل هذه النقاشات بما في ذلك تفنيد مثل هذه الأخبار وتوضيح حقيقتها يسعد النظام، وإن من أفضل المقولات التي قيلت حول هؤلاء وزعيمهم الذي يتحدث ليل نهار أن علينا أن نتعلم ما هي الدولة ومتطلبات ذلك، فجاء الرد على لسان أحد المفكرين قائلا إن على هؤلاء أن يتعلموا من هو الشعب؟

شماعة الإخوان المسلمين، تلك الشماعة التي تكاد تكون لا تفنى ولا تنتهي في ظل استمرار الاعتماد عليها بعد مرور ما يقرب من تسع سنوات على إسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي، حيث لا يفتأ النظام يتهم الإخوان بإفشاله والعمل مع قوى أجنبية ومؤامرات دولية ضد النظام الحالي. وهو يتفاوت في ذلك، ففي بعض الأحيان يتهم قوى الشر بأنها المسؤولة عن التدهور في الظروف والأوضاع المعيشية، وفي بعض الأحيان يؤكد أن الإنجازات بطول مصر وعرضها ولكن إعلام قوى الشر والإخوان هو الذي يسيء إليها وينتقص من قدرها.
شماعة الإخوان المسلمين، تلك الشماعة التي تكاد تكون لا تفنى ولا تنتهي في ظل استمرار الاعتماد عليها بعد مرور ما يقرب من تسع سنوات على إسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي، حيث لا يفتأ النظام يتهم الإخوان بإفشاله والعمل مع قوى أجنبية ومؤامرات دولية ضد النظام الحالي

ويُحكم كل دوائر صناعة الصورة في شيطنة الإخوان، والحديث عنهم بأنهم من أهل الشر، بل إن أجهزة إعلامه طفقت تجعل من الإخوان في كل حادث أو خبر أن الإخوان وراءه، أو أن المنظمات غير الحكومية الدولية لحقوق الإنسان "إخوان"، وأن بعض هؤلاء من المنتمين إلى الدائرة السياسية والمنتقدين للسياسات المصرية في الدول الخارجية أنهم إخوان، بل خرج المستشار الديني لهذا المنقلب ليؤكد أن موقع جوجل "إخواني سلفي". ولعمري -دون أن يدري وهو يريد أن يقلل من شأن الإخوان- فقد أسند لهم من الأدوار الكبرى على المستوى العالمي، وكأنهم يتحكمون في العالم وفي مؤسسات الدنيا.

أما الشماعة الثالثة فهي الزيادة السكانية، وهي التي يعتبرها النظام مسؤولة مسؤولية مباشرة عن عدم قدرته على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين. وعلى عكس السائد في العالم من توظيف هذه الزيادة واعتبارها مصدر قوة ويمكن توظيفها والاستفادة منها وتعظيم الموارد والدخل، يبادلها النظام المصري بتردي أوضاع التعليم والصحة والأمن ومختلف الخدمات، بل وصل به الأمر إلى أنه يقول: من يسألني عن التعليم أو الصحة أسأله عن الزيادة السكانية وكم عدد أبنائه.

أما الشماعة الرابعة فهي ثورة يناير؛ وفيما يبدو أن ثأر يناير لا يمكن أن ينساه هذا النظام الذي يحمل الثورة كل خسائره، ويتهمها بأنها "خربت البلد" أو ثورة "خساير"، معتبرا أن مصر كانت قبل الثورة في مصاف الدول الكبرى، وحمّل الثورة والشعب المسؤولية بتصريحاته مؤخرا: "وأقول للمصريين: أيوه حجم الدين زاد، ويوجد تضخم وارتفاع في الأسعار، هل أنت مش عاوز تدفع تكلفة اللي عملته في 2011 و2013؟ مش ده كان له تأثير مدمر على اقتصادك. طالما اتخذنا إجراء يبقى نكمله مع بعض، ونستحمل اللي بيحصل، ولسه كمان هاندفع تكلفة هذا الموضوع مع بعض".

هكذا يرى أن الثورة بمثابة مؤامرة على مصر تسببت في تدهور الأوضاع وضياع نهر النيل، وينكر أن اتفاق المبادئ الذي وقعه النظام الحالي عام 2015 هو الأساس الذي تعتمد عليه إثيوبيا في المحافل الدولية لتبرير سياستها الأحادية في التعامل مع سد الإثيوبي، كما ينكر أنه وفي سبيل شراء شرعيته التي تنكرت ليناير وانقلبت عليها قد قبل بما لا يمكن القبول به، سواء مع العدو الصهيوني، أو الإثيوبي، أو التفريط في جزيرتي تيران وصنافير، أو شراء الأسلحة بدون الحاجة إليها من كل من الدول الأوروبية خصوصا فرنسا وإيطاليا وألمانيا، لا يمكن اعتبار ثورة يناير مسؤولة عن الديون التي تراكمت خلال الفترة من 2014 حتى اليوم.
لا يمكن أن نتوقع أن يتغير سلوك النظام الحالي الذي احترف الكذب والتزوير، وبات يدمن سياسة الشماعات والاشتغالات ويغلف كل فشل بأنه مؤامرة، وكل إهدار بأنه إنجاز يشير الى عبقرية المستبد "أبو العريف" الذي يمتلك من العلم والخبرة ما يجعله محط اهتمام الدول الأخرى وأجهزتها الأمنية التي تأتي مهرولة للاستماع إليه والاستئناس برأيه

ولا يكتفي النظام بترديد هذه الشماعات والاختباء خلفها، ولكنه يحرص على صناعة ستار كثيف من قنابل الدخان التي يمكن التعبير عنها بالوصف الدارج له "اشتغالات"، وهي سياسة يحرص النظام على صناعة تريند إعلامي وعبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ يشغل الناس ويلهيهم به لتمرير سياساته الإجرامية الفاشلة، ولا يتورع عن استخدام الدين أو الجنس أو الرياضة أو المجتمع أو السياسة أو الثقافة في سبيل صناعة مثل هذه التريندات، وصولا إلى إقناعه إحدى الممثلات "الكومبارس" للخروج على الملأ واتهام ابنها بضربها أو منع الطعام عنها، وعندما يأتي الابن بالقرائن والشواهد والشهود الذين يكذبون مثل هذه الاشتغالة، نجده يخرج علينا بأخرى وثالثة ورابعة تدور جميعا في نفس الفلك ونفس المفردات ونفس الأشكال، ناهيك عن صحافة الفيديو التي باتت تعتمدها جميع المواقع والصحف والقنوات، بما في ذلك صحف كانت في يوم من الأيام لها قدرها ومكانتها، وباتت موضوعات الناس وحياتهم العادية هي محل الاهتمام ومدار التغطية اليومية المباشرة.

لا يمكن أن نتوقع أن يتغير سلوك النظام الحالي الذي احترف الكذب والتزوير، وبات يدمن سياسة الشماعات والاشتغالات ويغلف كل فشل بأنه مؤامرة، وكل إهدار بأنه إنجاز يشير الى عبقرية المستبد "أبو العريف" الذي يمتلك من العلم والخبرة ما يجعله محط اهتمام الدول الأخرى وأجهزتها الأمنية التي تأتي مهرولة للاستماع إليه والاستئناس برأيه، وأن المصريين سيعرفون في يوم من الأيام أهمية وقيمة من يحكمهم، وأن سياساته ومشروعاته وإنجازاته، من أكبر مسجد أو كنيسة أو برج أو سارية علم، سيعرف الشعب قيمتها في المستقبل، وأن من ينتقدها في الوقت الراهن إما مغرض أو جاهل. ولكن آن الأوان لأن يدرك الشعب المصري خطورة المسار الذي يتجه إليه، وأن استمرار مثل هذا الزيف بات يهدد الوجود المصري ذاته، وأن النظام الحالي يحرص على تغليف سياساته وفساده وإفساده وفشله وعجزه؛ بأن الشعب لا يفهم مشروعه الإصلاحي وأن هناك من يعمل على إفشاله والإساءة إلى إنجازاته ومشروعاته العظيمة من "أهل الشر".

twitter.com/Saif_abdelfatah