كتاب عربي 21

الكاهن الأصغر بين "الإنجاز" والإنكار والانهيار.. مفاهيم ملتبسة (16)

1300x600

لم أهتم كثيرا بدعوة السيسي للحوار الوطني حول مشكلات مصر والخروج منها، إلا أنني وجدت ولأول مرة بعد ممارسات متكررة من الإنكار للأزمة التي تعيشها مصر، والإصرار على القول بأنها تعيش أزهى عصورها في التنمية، وكذلك الاستنكار لكل من يقول إن مصر ستعيش أزمة في القريب، أو يحذر من خطورة الأوضاع فيها، الاعتراف بأن النظام في أزمة.

وكان عدم اهتمامي بقضية الحوار في ذاتها لأن نظام السياسي ونظام الثالث من يوليو قد قام بممارسات خطيرة، هذه الممارسات تدلنا على نظام فاشي ربما يلجأ في بعض أحواله إلى مقولة الحوار كزينة وشكل، ومن هنا كانت مقالتي "حوار أم خوار" لنؤكد أن مسألة الحوار زيف لا يمكن بأي حال من الأحوال تصديقه، فكيف لنظام فاشي لا يعرف إلا لغة السلاح أو الاعتقال، والمطاردة لعموم الناس أن ينهض بحوار حقيقي؟

وكان من المهم كذلك أن نشير إلى ترافق هذا الاعتراف الخطير من قبل النظام بأن مصر تعيش إشكالات حقيقية وعويصة في المجال الاقتصادي ستؤثر حتما على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومن هنا كان الحديث الذي يترافق عن الإنجاز الكبير مع الحديث عن الأزمة الكبرى التي تطول مصر وأهلها يعد في حقيقة الأمر كلاما متناقضا يعبر عن انفصام في الشخصية لهذه المنظومة التي لا تريد الاعتراف رغم تلك الأزمات الطاحنة بأنها قد فشلت فشلًا ذريعًا في كل ما قدمته من وعود أقرب إلى الأوهام وإلى مشروعات أقرب إلى الإعلانات، والترويج بصرة كاذبة أكثر من كونها مشروعات حقيقة تصب في مصلحة الاقتصاد والتنمية الحقيقيين وترتقي بمعاش العباد والبلاد. 

وهنا برزت مجموعة من المقالات لأحد الصحفيين المشهورين الذي خرج علينا بثلاث مقالات تواردت في أسابيع قليلة خلال هذا الشهر تشكل رأيا فيما يحدث وفي حال العباد ومستقبل السلطة، ولعل هذا الدور كان دائما يقوم به الكاهن الأكبر الذي اشتهر في ربوع مصر بالأستاذ، وكنت قد كتبت مجموعة من المقالات تطلق عليه لقب "الكاهن الأكبر" (محمد حسنين هيكل) والذي ينظر لأحوال العباد، ويقدم الوصفات للخروج، ويشير إلى الأزمات في الدولة والمجتمع. 

وبغض النظر عن أن البعض سينفي أن هذا الصاعد ليس في مستوى الكاهن الأكبر، وأتفق معهم في ذلك، ومن ثم أطلق عليه "الكاهن الأصغر" بما يتناسب مع انحطاط هذا النظام الفاشي فلكل نظام كاهنه، وهذا النظام الفاشي الفاسد لا يناسبه إلا كاهن أصغر يقوم بضرب الودع، والحديث عن المستقبل والكلام حول تشخيص الأزمات ولكنه كتناقض هذا النظام فهو بين اعتراف وإنكار وبين تغيير قادم لا محاولة وحال من الاستنكار بوجود أزمة كونية تريد إسقاطه.
 
ولعل من أبرز ما كتبه الكاهن الأصغر جاء في مقال له بتاريخ 14 آب/ أغسطس 2022 عن أسباب فشل ما أسماه "طبخة استقرار الأنظمة" والرجل خبير في ذلك لا شك، نظرا لطبيعة الأدوار التي يقوم بها من تلميع وتسطيع وتعتيم وتغطية، وعدد تلك الأسباب بأربعة عشرة سببا، وعلى الرغم من أنه خاطب بها الأنظمة بصيغة الجمع، إلا أن القاصي والداني والداخل والخارج اعتبر أن المقالة موجهة إلى السيسي، وهو ما أكده بنفسه عماد الدين أديب في مقالته الثالثة بتوسعه في تناول أحد الأسباب التي اعتبرها تفشل النظم في مقالته الأولى.

ويمكن لنا استعراض بعض مما ساقه من أسباب لفشل الأنظمة منها؛ "الفساد المطلوب للحاكم"، و"الاعتماد على رجال ثقة موالين له على الرغم من ضعف كفاءتهم وفشلهم في التصدّي لمشكلات البلاد والعباد"، و"انصراف أجهزة الدولة المنوط بها الحفاظ على المال العامّ إلى الانشغال بتحقيق مكاسب شخصية على حساب مصالح الوطن من خلال السمسرة والعمولات والرشى في منح التراخيص وترسية المناقصات العامّة بغير وجه حقّ وبدون البحث عن الصالح العامّ في ظلّ الشفافية والحياة التي يوفّرها القانون".

 

أفضل ما يمكن عمله من جانب السعوديين والإماراتيين والقطريين والأمريكيين ومسؤولي صندوق النقد الدولي هو أن يرفضوا المبدأ القائل بأن [مصر كبيرة جدًا لدرجة لا يمكن تحمل فشلها]. ربما يكون هذا صحيحًا، لكن مواصلة إنقاذ السيسي ماليًا بأموال سهلة وقروض مُيسرَّة من الصندوق لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد أزمة مصر..

 



ونأتي للسبب المخصوص بالمنقلب والذي يرى الكاهن الأصغر أنه ينطبق عليه "شعور بعض التيارات أو القوى بعدم أحقّيّة الحاكم في الحكم، وهو ما يجعلهم يتآمرون سرّاً على إضعافه والإضرار به حتى يتوافر لهم مناخ يمكّنهم ويُبرّر لهم الإطاحة به تحت دعوى "فشله في إدارة شؤون البلاد".

وقد أفاض في شرح هذا السبب في مقال مستفيض بتاريخ 22 آب/ أغسطس 2022م، دلس فيه محاولا تقديم مبررات لفشل السيسي زاعما أن "هناك مشروعا شريرا يجري الإعداد له منذ فترة لتحميل الرئيس المصري عبدالفتّاح السيسي فاتورة ومسؤولية الأزمة الاقتصادية الضاغطة التي تسبّبت بها الحرب الروسية ـ الأوكرانية"، وكأن هذه الحرب التي لم يمر عليها إلا عددا من الشهور هي السبب في الوضع الكارثي الذي تعيشه البلاد والعباد في مصر، كما يمارس الكاتب نفس المزاعم التي يرددها السيسي في الاختفاء خلف المؤسسة العسكرية "يهدف هذا المشروع الشرير إلى إسقاط نظام 30 حزيران 2013 الذي وضع المؤسسة العسكرية المصرية الوطنية العظيمة في موقع مسؤولية الإنقاذ الشامل لمشروع الدولة الوطنية ومنعها من الانهيار والتفكّك".

ويقدم الكاهن الأصغر وصفة للسيسي للقفز على حديث الإنجازات الذي انكشف، وبات لا ينطلي على أحد وأدرك القاصي والداني أن هذا السيسي ليس إلا "حاوي ومحتال" تلاعب بمقدرات البلاد ولم ينشغل في يوم من الأيام إلا بتسكين هواجسه المتعلقة بخيانته للرئيس المنتخب وللشعب وللأمة المصرية، ودفع فواتير باهظة للقبول به والسكوت عنه وشرعنة نظامه من كل طريق، ثم أراد أن يجبر الشعب على دفع الثمن  بالقول أن "هدف "المشروع الشرير" هو إسقاط عمود الخيمة الذي يعتمد عليه نظام ثورة 30 حزيران 2013، وهو حكم الرئيس السيسي، ومحاولة إلحاق مسؤوليّات الإرث السابق كلّه وفاتورتَيْ كورونا والحرب الروسية ـ الأوكرانية بالنظام الحالي، يعتمد هذا المشروع على ثلاثة عناصر: صعوبة تكاليف الحياة، فشل التسويق السياسي والإنجازات، ارتفاع فاتورة تكاليف الأزمة التي لا قِبَل لأيّ رئيس أو أيّ نظام تدبير تكاليفها بين ليلة وضحاها".
 
تتكشف لنا وظيفة الكاهن الأصغر أكثر بما أورده الكاتب حافظ الميرازي عن "تزامن مقالته "أسباب فشل الأنظمة العربية" مع مقال أمريكي في مجلة فورين بوليسي للباحث ستيفن كوك بمجلس العلاقات الخارجية في نيويورك.

المقال الموجه لصانع القرار الأمريكي والدولي، وربما الخليجي بالمثل، بعنوان "توقفوا عن تمويل بيت السيسي المصنوع من ورق الكوتشينة"، ويوضح الكاتب أن مصر أصبحت في عهد السيسي من أكثر دول العالم الغارقة في الديون، ويرجع ذلك إلى المشاريع الضخمة الوهمية أو الأقرب لما يصفه بـ "الفانتازيا".. والنتيجة هي أن الحكومة المصرية أصبحت تعيش على القروض من أجل دفع فوائد قروض سابقة بينما يزداد العبء على عامة المصريين من الغالبية الفقيرة أو الطبقة المتوسطة. وهو يراهن على أن تهديد النظام للممولين الدوليين بتبعات عدم الاستقرار والهجرة غير الشرعية من المصريين، لو توقف المتبرعون والمقرضون عن دعمه وتلبية احتياجاته المالية بمزيد من القروض، هو تصور خاطئ في التعامل مع هذا النظام. 

ويخلص الكاتب الأمريكي في نهاية مقاله إلى القول إن "أفضل ما يمكن عمله من جانب السعوديين والإماراتيين والقطريين والأمريكيين ومسؤولي صندوق النقد الدولي هو أن يرفضوا المبدأ القائل بأن [مصر كبيرة جدًا لدرجة لا يمكن تحمل فشلها]. ربما يكون هذا صحيحًا، لكن مواصلة إنقاذ السيسي ماليًا بأموال سهلة وقروض مُيسّرة من الصندوق لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد أزمة مصر".

وهذا هو ما يدركه عماد أديب جيدا ولذا كان مقاله الخاص بمشروع أهل الشر الذي يقدم وصفة جاهزة للسيسي للنجاة من هذا المسار مؤكدا أنه يواجه مؤامرة كونية؛ والكاهن الأصغر متأرجح بين الاعتراف والإنكار؛ والاستنكار وبوادر الانهيار.