قضايا وآراء

غرائب السياسة السودانية: أحزاب ضد الانتخابات..

1300x600
(1)
بينما تناقش القوى الدولية مستقبل الديمقراطية في العالم، باعتبارها الوسيلة المثلى للتبادل السلمي للسلطة والتعبير الشفاف عن الضمير الشعبي، فإن غرائب السياسة السودانية تنتج حقيقة مرة، حيث يرفض حزب سياسي إجراء انتخابات، مهما كانت الظروف، كما فعل الحزب الشيوعي السوداني من خلال اجتماع لجنته المركزية في ١٠ كانون الأول / ديسمبر ٢٠٢١م.

لقد وضع الحزب الشيوعي ستة شروط؛ منها تفكيك النظام القائم، وحل ما أسماه المليشيات، ودمج قوات الحركات في القوات المسلحة، وإجراء تعداد سكاني، وعودة النازحين.. ونشير للآتي:

أولاً: إن عودة النازحين وعقد مؤتمر مؤتمر دستوري والتعداد السكاني؛ مطالب مهمة وتمكن معالجتها ضمن إجراءات العملية الانتخابية، ومن الضروري أن تضع الجهة ذات الاختصاص هذا الأمر في حسبانها..
غرائب السياسة السودانية تنتج حقيقة مرة، حيث يرفض حزب سياسي إجراء انتخابات، مهما كانت الظروف، كما فعل الحزب الشيوعي السوداني

وثانياً: إن المنظومة الراهنة بأطرافها، هي صنيعة خيارات الحزب الشيوعي السوداني وحلفائه، وهذه الشراكة القائمة بين طرفين (مكون مدني وآخر عسكري) كانت نتاج تحلفاتهما. وقد أورد محمود لبات المبعوث الأفريقي خلال حوارات أطراف الانتقال أنه طلب توسيع المشاركة السياسية، ولكن هذه الأطراف رفضت الفكرة.. ومع قرارات ٢٥ تشرين الأول/ أكتوبر 2021م وتعهد السلطة الجديدة بأن تكون طرفاً محايداً، ومع تركيزها على هذه النقطة، فإن الخيار السياسي الأوفق هو مطالبتها بنزاهة هذه العملية، وما زال المطلوب منها عملياً، أكثر من الأقوال.. أما خيار رفض العملية بكلياتها فإنه محاولة لصناعة دكتاتورية حزبية أو سلب سلطة الشعب، أو خلق حالة من عدم الاستقرار..

وثالثاً: إن العملية الانتخابية معقدة وذات أطراف متعددة، ويصعب على طرف واحد التحكم فيها، ولذلك فإن مخاوف سيطرة جهة في ظل رقابة داخلية ودولية ووسائل إعلام؛ صعبة، إن لم نقل مستحيلة.. وعليه، فإن هذا الرفض يبدو أنه هروب من الاختبار الشعبي والخشية من رهان الجمهور وصندوق الاقتراع.

(2)
والحقيقة الأكثر وضوحاً أن هذه الشروط محاولة لخلط الأوراق واستمرار حالة تزييف الوعي. ونوجز ذلك في الآتي:
العملية الانتخابية معقدة وذات أطراف متعددة، ويصعب على طرف واحد التحكم فيها، ولذلك فإن مخاوف سيطرة جهة في ظل رقابة داخلية ودولية ووسائل إعلام؛ صعبة، إن لم نقل مستحيلة.. وعليه، فإن هذا الرفض يبدو أنه هروب من الاختبار الشعبي والخشية من رهان الجمهور وصندوق الاقتراع

1- من غير المبرر خوف الحزب الشيوعي من سيطرة وعودة حزب محلول قانوناً، ومستهدف من أجهزة السلطة بكلياتها، وممنوع من الحظوة الإعلامية وحق التعبير، بينما الشيوعي حر في خياراته ونشاطه ومناشطه وتحالفاته ومؤتمراته.. وفوق ذلك فإن التداول السلمي يستند إلى قاعدة التنافس الحر والاختيار الحر، وليس تهيئة البيئة السياسية لقوى تفتقد العمق الجماهيري والقاعدة الشعبية..

2- إن إجراء الانتخابات هو هدف وغاية الانتقال الديمقراطي، ودون ذلك اختطاف للوطن و"عرقلة" للانتقال.. ولا يمكن لأي قوى ادعاء التفويض الشعبي دون تفويض موثوق ووفق عملية شفافة.. لقد انتهى زمن الادعاءات الزائفة..

3- إن منهج المعارضة هذا عبثي، فوق أنه يجافي جوهر العملية السياسية ومقتضيات المدافعة.. لقد رضي الشيوعي الحكم بوثيقة من طرفين، فكيف يرفض انتخابات، بإشراف دولي وحضور سياسي داخلي؟ هذا الفعل من الشيوعي سقوط سياسي، وفوق ذلك محاولة لاستمرار الراهن، حيث يتمتع الحزب الشيوعي بالحكم ومعارضته بذات الوقت..

4- لقد استمرت هذه القوى في الحكومة ٢٤ شهراً من أصل ٣٨ شهراً هي عمر الفترة الانتقالية، دون إنجاز أي خطوة نحو الانتخابات، ودون تشكيل مفوضية، أو تشكيل مجلس تشريعي أو طرح قانون جديد. وكل ذلك يشير لعدم جديتها نحو العملية الانتخابية، وهو أمر ينبغي أن تحاسَب عليه وتُساءل..

(3)
من الواضح أن أطرافا كثيرة في المجتمع الدولي، ساعدت الحزب الشيوعي السوداني وأطرافا أخرى تهدف لتمييع العملية السياسية وتمديدها وإشاعة حالة من الضبابية السياسية، فهذا المناخ الأفضل للأحزاب ذات الجماهيرية المحدودة..
شهدنا خلال فترة ماضية تبنّي قوى دولية لذات هذه الأجندة، خدمة لأطراف سياسية وربما بتنسيق معها، مع أن ظاهر المجتمع الدولي خلاف ذلك

لقد شهدنا خلال فترة ماضية تبنّي قوى دولية لذات هذه الأجندة، خدمة لأطراف سياسية وربما بتنسيق معها، مع أن ظاهر المجتمع الدولي خلاف ذلك.. ففي الوقت الذي تدفع فيه الأمم المتحدة لانتخابات في ليبيا رغم كل تعقيدات الوضع هناك، فإن بعثة اليونتاميس في السودان ترخي أذنها لسماع "طنين" الحزب الشيوعي وبعض توابعه..

إن مثل هذه الخطوة تعتبر مثالا لعرقلة الانتقال الديمقراطي؛ كما تبناه المشرّع الأمريكي مقترِح قانون "معرقلي الانتقال الديمقراطي"..

على القوى السياسية الوطنية أن تعزز مواقفها من أجل انتخابات حرة ونزيهة، وإسقاط مشاريع الوهم العبثية هذه. إن الوطن الذي شهد انتخابات في بواكير استقلاله لن يرهن قراره لطموحات بائسة.. فغياب الانتخابات يعني تغييب الإرادة الوطنية والرأي الشعبي..