قضايا وآراء

الحراك في زمن "نظامونا"!

1300x600

هذا العنوان، وهو مستوحى من رواية الكاتب الكولومبي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز "الحب في زمن الكوليرا"، يصلح ليكون عنوانا لفصل من رواية عنوانها "الحراك الجزائري"، بدأت أحداثها في 22 شباط/ فبراير 2019 بانتفاضة الشعب الجزائري ضد ترشيح النظام للرئيس المريض المقعد عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. أسقطت ثورة الشعب بعد أسابيع من المسيرات المليونية بوتفليقة وولايته الخامسة بعد أن ضحى النظام به بقيادة سلطته الفعلية أي الجيش بواجهته حينها رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح، الذي كان مدعما لبوتفليقة، وكان في ذروة المظاهرات المليونية العارمة ضد بوتفليقة، يهاجمها ويصف المتظاهرين بـ"المغرر بهم" ويجدد دعمه لفخامة الرئيس بوتفليقة، كما كان يكررها.

فرضت ثورة 22 فبراير رواية جديدة على الجزائر بعد أن كانت ماضية لتكرار سيناريو الانتخابات الرئاسية لـ17 نيسان/ أبريل 2014، الذي لعب قائد الجيش الراحل دورا أساسيا في إخراجه والتمثيل فيه حينها، خاصة عندما ظهر في ذلك المشهد التمثيلي مع بوتفليقة الذي كان يعالج لثمانين يوما في مستشفى فال دوغراس العسكري، ثم في مصحة ليزانفيلد في باريس التابعة لوزارة قدماء محاربي فرنسا!

كانت تلك الانتخابات جرت في أجواء سريالية تشبه أجواء روايات ماركيز مثل "خريف البطريريك"، وتم إعلان فوز بوتفليقة فيها بولاية رابعة برغم أنه كان حاضراً بالصورة فقط، ولم يشارك ولو بكلمة واحدة منطوقة في حملتها بسبب مرضه، الذي أقعده على كرسي متحرك.

 

اللافت أنه في ذلك اليوم السريالي في الجزائر رحل غابرييل غارسيا ماركيز، الذي كانت له قصة مع الجزائر، حيث سُجن بسببها لمرة واحدة في حياته خلال سنوات منفاه في باريس في منتصف خمسينيات القرن الماضي، أي أثناء ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وذلك عندما اعتقلته الشرطة الفرنسية في أحد شوارع باريس ظناً منها أنه جزائري، لأن ملامحه كانت تشبه ملامح الجزائريين. وفي زيارة للجزائر في 1979 جاءته فكرة كتابة روايته الشهيرة "وقائع موت معلن".

أراد الجزائريون بانتفاضة 22 شباط/ فبراير 2019 كتابة رواية أخرى عن الجزائر، وأبهروا العالم بسردية مغايرة بثورة شعبية سلمية وصفها مقال في صحيفة "واشنطن بوست" بأنها "علامة فارقة في تاريخ البشرية". لكن سرعان ما ركب قائد الجيش الراحل ومعه النظام موجة الثورة الشعبية الجارفة، وأعطى لنفسه دور البطولة، رغم أنه قاد انقلابا على مطالبها بتغيير حقيقي، ليفرض بالقوة وببروباغندا خطيرة مقسمة للشعب؛ استمرار النظام العسكري نفسه بواجهة حكم مدنية جديدة له عبر انتخابات رئاسية في كانون الأول/ ديسمبر 2019 شهدت مقطعة شعبية كبيرة، أوصل عبرها للرئاسة عبد المجيد تبون، أحد رموز نظام الحكم الذي انتفض الجزائريون ضده، والذي كان قبل سنوات قليلة وزيرا لدى بوتفليقة ثم رئيسا للوزراء، وكان يقسم أن "برنامج فخامة الرئيس بوتفليقة لن يتوقف.. أحب من أحب وكره من كره"، وكان مدعما لترشحه لولاية خامسة.

النظام نفسه استمر في قمع وسجن المتظاهرين السلميين في الثورة الشعبية، التي استمرت في مطالبها بالتغيير الفعلي بحراك شعبي ومسيرات صاخبة

بنهاية درامية جديرة بروايات ماركيز وروائي أمريكا اللاتينية عن ديكتاتوريات المنطقة العسكرية وتقلباتها السريالية، توفي قايد صالح بعد أسبوعين من تنصيب تبون رئيسا. لكن النظام نفسه استمر في قمع وسجن المتظاهرين السلميين في الثورة الشعبية، التي استمرت في مطالبها بالتغيير الفعلي بحراك شعبي ومسيرات صاخبة كل يوم جمعة وثلاثاء، وزادت يوما آخر بالسبت في الذكرى الأولى لها، قبل أن تعلق بسبب تفشي فيروس كورونا في آذار/ مارس 2020.

استغل النظام جائحة كورونا وتوقف المسيرات للانتقام من الحراك والحراكيين الذين زج بالمئات منهم في السجون، برغم كل المخاطر الصحية بسبب تفشي الفيروس. لكن جائحة كورونا بتداعياتها الاقتصادية المضاعفة لانهيار أسعار النفط وتآكل عصا النظام المالية، وتخبط الحكومة ورداءة خطابها وأدائها، زاد نظام الحكم تعرية وانكشافا بعد أقل من عام من عملية "البوتوكس والمكياج" الجديدة، التي حاول إعطاءها لوجهه. وقد لخص تبون الصورة عندما أمضى وقتا للعلاج في الخارج أكثر من بوتفليقة، بعد إصابته بفيروس كورونا ونقله للتداوي في ألمانيا على مرتين ولفحوصات وعملية بسيطة، كمال قال من الجزائر، التي كان يصرح فيها قبلها بأيام فقط أنها "تملك أفضل منظومة صحية في أفريقيا والمغرب العربي، أحب من أحب وكره من كره"!

تدخل رواية الحراك الشعبي فصلاً أخر في ذكراه الثانية (22 شباط/ فبراير 2022) وسط دعوات لاستئناف مسيراتها الشعبية المعلقة بسبب جائحة كورونا، التي حاول النظام استغلالها للتحور على طريقة فيروس كورونا في سلالة حكم قديمة- جديدة والاستمرار في نهش الجزائر، التي وفر لها الحراك بسلميته الفرصة كلقاح تاريخي لمعالجة أمراضها وضخ دماء أمل جديدة فيها.

ويعتبر قطاع واسع من الجزائريين أن النظام أخطر على الجزائر من كورونا، وأن فيروس "نظامونا" (على وزن كورونا) يفتك بالبلاد. في المقابل يستمر النظام المريض، والمفلس بأعراض واضحة للإنكار والترهل وخوفا من "لقاح الحراك" بمحاولة شيطنته بالقمع والدعاية المتهافتة و"المتتافهمة" والهوس والاستنفار الأمني لمنع المسيرات السلمية خوفا من عودتها للشوارع.
يستمر النظام المريض، والمفلس بأعراض واضحة للإنكار والترهل وخوفا من "لقاح الحراك" بمحاولة شيطنته بالقمع والدعاية المتهافتة و"المتتافهمة" والهوس والاستنفار الأمني لمنع المسيرات السلمية خوفا من عودتها للشوارع

ما زال الحراك، كفكرة لجزائر جديدة حقا وبحجة أعمق وأبعد حتى من موعد 22 شباط/ فبراير، يوفر فرصة تاريخية لا تتكرر لفصول جديدة ناصعة تليق فعلا بالبلد وتاريخه وموقعه وخيراته، التي بددها نظام مفلس أفلس البلد وما زال يصر على الاستمرار في اجترار سرديات روايته الرديئة.

تبدو صورة النظام الكاريكاتورية أشبه ببطل أول رواية في تاريخ الإنسانية، وهي رواية جزائرية عنوانها "الحمار الذهبي" لصاحبها الجزائري أبوليوس (125- 180م)، وتحكي قصةَ إنسانٍ يهتم بالسحر، وكان يريدُ أن يتحولَ إلى طائر، لكنه تحول إلى حمار! وهذا الحمار المتوهم الذي يعتقد أنه ذهبي، رغم أنه ليس إلا قصديريا يجر البلاد جرا نحو الهاوية، كما تقول كل المؤشرات خاصة الاقتصادية منها. وإذا لم يتم تدارك الوضع فالجزائر لا قدر الله ماضية نحو الأسوء.