قضايا وآراء

عن استقالة المبعوث الأمريكي لإيران

1300x600

بشكل مفاجئ وعلى غرار الاستقالات المفاجئة لمسؤولين أمريكيين كثر خلال الأعوام الثلاث الأخيرة، أعلن الخميس الماضي عن استقالة المبعوث الأمريكي لشأن إيران، برايان هوك، ليكون هو الآخر وليس الأخير، الذي التحق فجأة بركب مغادري البيت الأبيض والعمل ضمن طاقم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ليس من السهل العمل معه حتى لأقرب الناس إليه فكريا وسياسيا، لكونه غريب الأطوار، لا يمكن التكهن بتصرفاته الغريبة، حيث تتبدل مواقفه وتصريحاته بين لحظة لأخرى. 

هوك الذي اختاره ترامب عام 2018، كان من أشرس المؤيدين لاستراتيجية الضغط الأقصى الأمريكية ضد إيران، وعرف بمواقفه المتشددة، وتصريحاته عالية السقف في إطار هذه الاستراتيجية، خلال فترة توليه المنصب، وانتقل بين عواصم العالم لتحشيدها إلى جانب واشنطن ضد طهران.

ليس واضحا بعد، إن كان هوك استقال بدافع شخصي للعودة إلى القطاع الخاص، كما عزاها إلى ذلك وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أو أنه أقيل فعلا من منصبه، إلا أن الاستقالة أو الإقالة قد جاءت في توقيت حساس للغاية، حيث أنها تأتي قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بثلاثة أشهر، وهو ما يجعل استقالة هوك محل اهتمام.

 

بطبيعة الحال هو يدرك أهمية التوقيت الزمني هذا، وعليه من الصعب القبول بأن استقالته وراءها دافع العودة إلى العمل في القطاع الخاص، أي إلى مزاولة المحاماة، ولو كان الأمر كذلك لكان يمكنه تأجيل الخطوة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية، لكي تتم قراءة تصرفه هذا، في سياق طبيعي من دون تحميله ما لا يحتمل.

 

دوافع ودلالات الاستقالة

 

بالتالي فإن حصول الاستقالة في هذا الوقت الحساس، يطرح عدةاحتمالات حول الدوافع:

 

الأول أن هوك يتوقع خسارة ترامب الانتخابات المقبلة، وبالنظر إلى أن استراتيجيته ضد إيران لم تحقق أهدافها في إجبارها على الجلوس إلى طاولة التفاوض، والتوصل إلى اتفاق شامل بديلا للاتفاق النووي بشروط أمريكية، رغم أنها خلقت مصاعب اقتصادية كبيرة لإيران، لذلك يحاول هوك استباق تلك الخسارة الانتخاببة، تهربا من تحميله مسؤولية الفشل في تحقيق أهداف أستراتيجية الضغط الأقسى. 

 

ليس واضحا بعد، إن كان هوك استقال بدافع شخصي للعودة إلى القطاع الخاص، كما عزاها إلى ذلك وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أو أنه أقيل فعلا من منصبه، إلا أن الاستقالة أو الإقالة قد جاءت في توقيت حساس للغاية، حيث أنها تأتي قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بثلاثة أشهر، وهو ما يجعل استقالة هوك محل اهتمام.

 


أما الاحتمال الثاني فهو ما أشارت إليه صحيفة واشنطن بوست في عددها الصادر يوم الجمعة، إذ عزت الاستقالة إلى ضغوط رجال في البيت الأبيض لإقالته بغية تحميله مسؤولية إخفاق الاستراتيجية الأمريكية في تحقيق أهدافها المرجوة، وفي المقابل كانت النتيجة هي تخلي طهران عن تعهدات نووية وكسر قيود فرضت على برنامجها النووي بموجب الاتفاق النووي، بحسب الصحيفة.

والاحتمال الثالث هو مسعى ترامب لتصعيد التوتر مع طهران والانتقال إلى مرحلة جديدة من استراتيجية الضغط الأقصى قد تتخذ طابعا أمنيا، و ما يعزز هذا الاحتمال هو هوية من خلف هوك في المنصب، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي تعيين إليوت أبرامز في مكانه، الذي كان من مهندسي الحرب على العراق عام 2003 وحاليا يتولى مهمة المبعوث الأمريكي لفنزويلا. 

 

إليوت أبرامز.. مبعوث جديد برسائل غير مباشرة

أبرامز جمهوري من الصقور، وهو أكثر تشددا من هوك تجاه إيران، ويبدو أن اختياره في المنصب لخلفيته السياسية ودوره في هندسة حرب العراق، ليس بالضرورة أن يكون الهدف منه هو تكرار الأمر مع إيران لكونه خيارا مستبعدا، أقله في الوقت الراهن، بقدر ما يهدف إلى توجيه رسالة ضغط بخلفية الرجل من جهة، وتدشين مرحلة تصعيد جديدة من جهة أخرى، لكنها رغم خطورتها ستبقى مضبوطة دون الانتقال إلى مواجهة. ومن ملامح هذه المرحلة احتمال لجوء واشنطن إلى تفعيل آلية فض النزاع في الاتفاق النووي رغم انسحابها من الاتفاق، وذلك في حال فشل جهودها المتوقع في تمديد الحظر التسليحي على طهران، والذي يدعو القرار الـ2231 الأممي إلى رفعه اعتبارا من الثامن عشر من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. ومن شأن تفعيل الآلية أن يعيد تلقائيا العقوبات الأممية على طهران ويلغي القرار الـ2231 ويعيد تفعيل قرارات أممية ألغاها هذا القرار الذي كان تتويجا للاتفاق النووي المبرم عام 2015.

وبدا أن طهران من جهتها أدركت سريعا الرسالة التي أرادت إدارة ترامب توصيلها، ولذلك على لسان المتحدث باسم بعثتها الأممية، عليرضا ميريوسفي، أكدت أن استقالة هوك "لن تغير قواعد اللعبة"، معتبرة أنها غير مهتمة بهذا التغيير.

والنتيجة، أن رحيل هوك لا يحمل في طياته أية رسالة إيجابية، وعلى العكس فإن اختيار أبرامز مكانه، يجعل إمكانية أي انفراج دبلوماسي للتوتر الراهن من خلال إطلاق مفاوضات خلال الشهور المتبقية حتى الانتخابات الأمريكية، أكثر استبعادا من قبل، ما قد يفتح الباب أمام تطورات ساخنة خلال الشهور الثلاثة المقبلة بدافع انتخابي.