قضايا وآراء

حكم إعطاء الزكاة لغير المسلمين

1300x600

كانت القضايا الفقهية تناقش في ظل نقاش علمي نزيه، يقول كل مفت، أو كل صاحب رأي، رأيه العلمي، دون ضجيج، أو مزايدة، ولكن إعلام العسكر ابتكر وسيلة توظيف الفتوى سياسيا، والمزايدة على كل رأي فقهي يخرج، وإن كان في ثوب علمي متجرد، يأبى إلا أن يسيسه، ويوظفه، ويتهم صاحبه لو خالف ما يريد، تارة بالتطرف، وأخرى بالإرهاب، وثالثة بمحاربة المواطنة.

كانت دار الإفتاء المصرية في كثير من فتواها تسير مسيرة علمية، إلا أنه بعد انقلاب الثالث من تموز (يوليو) سنة 2013م، تحولت على يد مفتي مصر الدكتور شوقي علام، إلى فرع من الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، فأصبحت صوتا وسوطا في يد العسكر، لا تنطلق من صحيح الدين، بقدر ما تنطلق من صوت المخابرات العسكرية.

وبما أن الدار نزلت لهذه الساحة تنازل المعارضين للنظام، منازلة النظام ذاته وأدواته، فأصبحت مكانا معدا تطلق منه قذائفها على معارضي النظام، وبالتالي أصبحت مستباحة هي الأخرى، فتنطلق عليها منصات تتبع النظام وغيره تطلق قذائفها عليها إذا خرجت عنها فتوى علمية أو فقهية، لكنها لا توافق المزاج العام لجمهور العسكر وغيره.

وآخر هذه الفتاوى، فتوى فقهية كان يمكن أن تمر مرور الكرام في كل الظروف العلمية والإعلامية، وهي فتوى: حكم إعطاء غير المسلمين من الزكاة، فأفتت الدار بأنه لا يجوز إعطاء غير المسلمين من الزكاة، ثار جمهور السوشيال ميديا وعلى رأسهم منصات محسوبة على السيسي، تهاجم الدار وفتواها، وسوف نتناول الرأي الفقهي بعيدا عن السجال السياسي والإعلامي الدائر، فاضطرت الدار لسحب الفيديو، وبالتالي الخبر الذي تم نشره على موقع اليوم السابع، وموقع جريدة الوطن المصرية.

ونسيت دار الإفتاء، أن أي باحث صغير سيبحث على غوغل، سيخرج له نفس الفتوى، لمشايخ آخرين عن الدار، منها فتوى سنة 2017 بنفس العنوان، ونفس الرأي، وكذلك للمفتي الأسبق الشيخ علي جمعة، بما يعني أنه رأي معتمد لدى الدار، وليس رأيا جديدا، أو متسرعا، لكن لأن الدار تحولت لخصم سياسي فنزل لهذه اللعبة، وأصبح مجبرا على أن يسير وفق أدواتها وشروطها، ولو أنه نزه نفسه عن ذلك، لكان بمنأى عن قلة القيمة والتقدير؛ الذي أصبح كل من هب ودب ينال منه لأي فتوى لا توافق هوى متلقيها.

 

آخر هذه الفتاوى، فتوى فقهية كان يمكن أن تمر مرور الكرام في كل الظروف العلمية والإعلامية، وهي فتوى: حكم إعطاء غير المسلمين من الزكاة، فأفتت الدار بأنه لا يجوز إعطاء غير المسلمين من الزكاة، ثار جمهور السوشيال ميديا وعلى رأسهم منصات محسوبة على السيسي، تهاجم الدار وفتواها،

 



الفتوى تتحدث عن حكم فقهي موجود في كل كتب الفقه الإسلامي المذهبي، وهو: حكم إعطاء الزكاة لغير المسلمين، جمهور العلماء لا يجيز، وأبو حنيفة وعدد آخر من السلف والعلماء المعاصرين يجيزون، ولكل أدلته، وإن كانت أدلة من يجيز أرجح وأقوى، وهو ما نقول به، وبخاصة أن السؤال الذي ورد لدار الإفتاء كان من امرأة تعيش في بلاد الغرب، فكان ينبغي على من يفتيها أن يراعي المناخ والبيئة التي تعيش فيها السائلة، وبخاصة إذا كان في المسألة رأيان، رأي يعينها على التعايش والمواطنة في مكان حياتها، ورأي آخر لا يتناسب معها، وأدلة الرأيين متساوية، بل ترجح أدلة المجيزين.

أما الرأي الذي كان ينبغي على دار الإفتاء ترجيحه، فقد قال به الإمام أبو حنيفة، بجواز إعطاء زكاة المال، وزكاة الفطر لغير المسلم، واستدل المجيزون بأدلة قوية من القرآن الكريم، لقوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وإن تخفوا وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) البقرة: 271، فالآية هنا لم تفرق بين فقير وفقير. ونقل أبو عبيد عن أبي شيبة عن بعض التابعين: أنهم كانوا يعطون الرهبان من صدقة الفطر.
 
وأما زكاة المال فيعطون منها، لقوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) التوبة: 60، وقال عمر بن الخطاب عنها: الفقراء، هم زمني أهل الكتاب. وقد فهم من ذلك بعض الفقهاء أن مذهب عمر جواز صرفها لأهل الكتاب. وعن الزهري وابن سيرين، وعكرمة، وغيرهم. وقد فصل العلامة الدكتور القرضاوي في كتابه (فقه الزكاة) أدلة هذا القول، ورجحه، فيراجع بتفاصيله.

الأمر الأخير في تعليقي على فتوى دار الإفتاء، أن الفتوى ستوقع المؤيدين للنظام العسكري في مصر، والذين يصنفون كل معارضيه بأنهم متطرفون، ستوقعهم في ارتباك آخر، بعد أن وقعوا منذ أيام في أزمة بعد أن وجدوا من شهداء سيناء من هم من أتباع محمد مرسي، نفس الأمر سيقعون فيه في هذه الفتوى.

فالمفتي ودار الإفتاء التي تؤيد السيسي في نظامه وما يقوم به، بل تعتبر الآن ذراعا من أذرعته، تفتي بفتوى يراها هؤلاء: ضد المواطنة، بينما من أفتى بجواز إعطاء الزكاة لغير المسلمين: العلامة القرضاوي، وقد كتب كتابه سنة 1969م، ومنذ عامين أفتى بنفس الرأي: شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، الذي لا يفتر إعلام الانقلاب عن التحرش به وبمؤسسة الأزهر متهما إياها بالظلامية والتطرف، ومن قبل أفتى بذلك الشيخ محمد أبو زهرة، وقد كان مصنفا نفس تصنيف القرضاوي ولكن في عهد عبد الناصر، وكان ممنوعا من الظهور في أي وسيلة إعلامية تتبع نظام عبد الناصر.