أفكَار

كورونا وخيار الدولة الشمولية المنقذة والإكراه المشروع

كورونا كشف أن الهشاشة ليست فقط في أفريقيا والعالم العربي، وإنما هي أيضا في أمريكا وأوروبا (الأناضول)

عمقت جائحة كورونا من أزمة الدولة الحديثة التي لاحت معالمها مع نهايات القرن الماضي، وذلك تحديدا في جانبها البنيوي، حيث الاختلالات واضحة بين مفهوم الديمقراطية المرتكز على فكرة المشاركة الشعبية في القرارات المصيرية، وبين الليبرالية وبنيتها الاجتماعية التي تفترض حماية الحريات والملكيات والحقوق الخاصة من تعسف الدولة، أين وفر الفيروس المستجد فرصة نادرة للسلطات القائمة لبعث مفهوم "أمننة الدولة"، ومنها فرض قوانين الطوارئ والحجر، بقوة القهر والجبر، عبر أجهزتها الأمنية والعسكرية.

هنا، تصبح المقولات الفارهة باليقينية (على غرار نهاية التاريخ) التي طرحها الفكر السياسي للدولة الديمقراطية الليبرالية، وهي تحتفل بانتصارها النهائي، مقولات تلفيقية، وقد أعادت كورونا بعثرة المسلمات اليقينية حول الدولة القومية والفكر الليبيرالي والنيوليبرالي (العولمة)، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، وعجز حكومي في السيطرة على الوباء، أو على الأٌقل في توفير المستلزمات الطبية لمواجهته، بنفس درجة توفير الأسلحة العسكرية الفتاكة وأدوات الدمار الشامل.. الأمر الذي يطرح معه مراجعة مفاهيمية واسعة، بما في ذلك مفهوم الدولة القوية ذاته، وقد تجلت هيمنة أجهزة التنفس الاصطناعي والكمامات والقفازات الطبية، على ترسانات الصواريخ العابرة للقارات. 

"أمْننة" الدولة 
 
أكثر المخاوف المعبر عنها اليوم في زمن الوباء الذي غزا العالم، هو هذا التوجه نحو ما يمكن تسميته بـ "أمننة الدولة"، التي تجاوزت في بعض تجلياتها استحكام قوانين الطوارئ المؤقتة، إلى المساس بدولة القانون بحد ذاتها، وروح الديمقراطية عبر فرض قيود على الحريات والحقوق الأساسية للفرد، وقد كان مثال دولة المجر التي منحت سلطات لا محدودة للجهاز التنفيذي، وفرضت عقوبة السجن على الصحافيين الذين ينشرون معلومات خاطئة أو مغلوطة عن الفيروس المستجد، إنذارا واضحا لهذا التحول المريب، والذي استغلته للأسف دول شمولية كثيرة، ومنها بعض دول منطقتنا العربية، لكي تفرض أو تمدد حالة الطوارئ (مثال مصر) أو تفرض قيودا ثقيلة على حرية المعلومة والنشر سواء في الصحافة أو حتى في الفيسبوك (مثال الجزائر).

 



ويبدو أن دولة الرعاية التي انبثقت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كتطور منطقي لموضوع الدولة الحارسة التي كانت سائدة في القرنين الثامن والتاسع عشر، بدأت تفقد كينونتها، لصالح الدولة الأمنية المتدخلة في شؤون المجتمع في أبسط تمظهراته الحياتية، وعلى ما يبدو فقد أعطت الصين، إشارة انطلاق هذا المنهج منذ أن تدخلت أمنيا لإسكات صوت الطبيب الصيني لي وينليانغ، الذي كان أول من حذر من خطورة الفيروس.. 

والمثير أن الصين التي طالما وصفت بالدولة الشمولية، سرعان ما بدأت تظهر نفسها كأنموذج يحتذى به، ليس فقط في مواجهة الوباء والقضاء عليه بالصرامة المطلوبة، وإنما في طريقة تعاطيها مع حرية المعلومة، على الرغم من الاتهامات التي يسقوها الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة اليوم، لأسباب انتخابية، حول قلة الشفافية التي تميزت بها الصين وكأن الصين كانت من قبل عنوانا للشفافية.

في المقابل ظهرت الدولة الديمقراطية في الغرب، هشة فوق ما كان متوقعا، وفي مقابل الأمننة التي ظهرت في دول عدة، تحولت دولة الرعاية أو الدولة المنقذة إلى ما يمكن تسميته بالدولة المائعة كأصدق توصيف لها في مواجهة الجائحة، فقد أنكر ترامب الموضوع برمته في البداية، وحاول السخرية منه، بينما ارتأى بوريس جونسن في بريطانيا، أن يترك الأمر لمناعة القطيع، وإذا به يكون أول ضحية لهذا الاختيار المائع، بدخوله غرفة الإنعاش بعد إصابته بالفيروس.

وهنا يصبح التساؤل مشروعا، إذا كانت الشمولية قد حجبت المعلومة في الصين وفي غيرها، فما الذي استفادته الدولة القومية الليبرالية، من تدفق السيولة المعلوماتية الفائق، ومن الانفتاح المعرفي الكبير؟ هل كانت أجهزة تقييم الأخطار في عطلة عن التصدي لخطر وبائي بهذا الحجم، أم أن تلك المؤسسات ليست في النهاية أكثر من بروباغندا ضخمة صدقناها وانكشف عوارها في أول امتحان حقيقي؟.

من ينقذ "الدولة المنقذة"؟

وهنا يتجلى الإشكال الاقتصادي كتمغير حاسم إلى جانب المتغير الأمني، ذلك أن النيوليبرالية كمدرسة اقتصادية تقدس الملكية الخاصة، وجدت نفسها أمام أخطر التحديات منذ أزمة 1929، ولم تعد المشكلة في الجانب الأمني وحده، حيث وظيفة الدولة صارت أبعد من حماية المواطن من الخطر الخارجي، أو من الانفلات الأمني، إلى وظيفة إنقاذية تخص مساعدة التجار والمؤسسات الاقتصادية، بعد توقف النشاط الاقتصادي ومنعها من الوقوع في الإفلاس، وهذه بحد ذاتها مهمة ضخمة، لا يمكن ضمان نتائجها أو استمرارها في حال استمر الحجر الصحي، وفي حال استمر توقف النشاط الاقتصادي لمدة أطول.

لقد وجدت الدولة نفسها في معظم الدول الغربية، خارج تقدير حجم الأخطار التي كانت تتغنى بها في السابق، وصارت الدولة المنقذة، هي أحوج ما تكون إلى إنقاذ، فالقطاع الصحي الذي يضرب به المثل، على شفا الانهيار، مع نقص فادح في مستلزمات الوقاية والطبابة، علاوة على سقوط قلاع التكافل والوحدة بين الدول الأوروبية نفسها، بل إن حربا لقرصنة المساعدات الطبية، اشتعلت بينها في أكثر الانهيارات الأخلاقية للدولة القومية الغربية، التي اكتشفت أخيرا روعة الأنانية.

بمعنى أن مفهوم الدولة المنقذة لمواطنيها ورعاياها، والمطالبة بتقديم خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، باتت أحوج ما تكون هي نفسها إلى إنقاذ، جراء الاختلالات العميقة التي حدثت بداخلها، ولذلك رأينا كيف سدّت المبادرات الفردية وتحركات المجتمع المدني والخيري هذه الفجوات في بلداننا العربية، بطريقة أفضل مما شهدته الدول الغربية.

"الدولة القومية" والإكراه المشروع

يرى الأ‌ستاذ حرزالله محمد لخضر، باحث أكاديمي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية / جامعة بسكرة في الجزائر، أن الأزمات ذات الطابع الشمولي والكلي هي اختبار لمدى كفاءة الدول في إدارتها والتحكم في تداعياتها ومخرجاتها، ومن المؤكد أن فيروس كورونا دفع الدول إلى الانكفاء على نفسها وأعاد الاعتبار لمفهوم "الدولة القومية" من خلال بعث الأدوار المحورية للدولة في رسم السياسات العامة، وممارسة الإكراه المشروع للحد من الحريات العامة في التنقل والنشاط الاقتصادي، كما أبرز دورها المؤسساتي كضابط للنظام العام ومتدخل مركزي في إدارة الأزمة بكافة تعقيداتها وذلك على المستوى الصحي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي.. الخ، وقد برز ذلك جليا في حجم وعدد التدخلات والتصريحات الرسمية للمسؤولين إبان الأزمة والتحركات الميدانية للجهاز الحكومي.

 



وأكد الأستاذ حرز الله محمد لخضر، في حديثه لـ "عربي 21" أن أزمة كورونا أعادت هندسة الدور النموذجي للدولة من دولة حارسة إلى متدخلة وضابطة بصفة نسبية ومتوازنة، من خلال إجراءات الطوارئ المتخذة من قبل الحكومات للتحكم في آثار الأزمة، هذا التحول الذي فرضته الظروف المستعجلة قد يسهم في إعادة مراجعة الأدبيات النيوليبرالية ومدى قدرتها على حماية المجتمع الإنساني من المخاطر الكونية، فضلا عما تسببت فيه هذه النماذج في شقها السياسي والاقتصادي من تبعات خطيرة على مستوى المنتظم العالمي، تجلى ذلك في المخاطر البيئية الناجمة عن الشراهة المفرطة للمؤسسات الاقتصادية الكبرى وما تبع ذلك من استنزاف بيئي وتغير مناخي، وكذلك في كثرة الحروب والفشل في الحفاظ على السلم والأمن العالميين وتعميق التعاون الدولي ليشمل المجتمعات الهشة، وبداية أفول عصر التكتلات وبروز إرهاصات تشكل أقطاب دولية جديدة. 


فجائحة كورونا باعتبارها تهديد صحي اجتاح كل دول العالم وضع صانع القرار والمؤسسات البحثية وعلب التفكير أمام مظهر جديد من توسع مفهوم التهديد الذي سيؤثر على إعادة ضبط أبعاد مفهوم الأمن والفواعل المؤثرة في استتبابه، فلم يعد الأمن منحصرا في مظهره التقليدي القائم على مواجهة الغزو الخارجي بل توسع عبر عقود مع توسع مفهوم التهديد إلى ما يعرف بالأمن الإنساني، والذي من خلاله يمكن تصنيف جائحة كورونا باعتبارها تهديدا للأمن الصحي تداعت أمامها مختلف أبعاد الأمن الإنساني.

الدولة والمجتمع المدني

وبخصوص الدور المحوري الذي لعبه المجتمع المدني في الجزائر، رأى الأ‌ستاذ حرزالله محمد لخضر، أنه كان هناك تكامل واندماج عضوي ووظيفي في الأدوار والإمكانات بين المؤسسات الرسمية للدولة وتنظيمات المجتمع المدني أين وضع كل طرف نفسه في خدمة المجتمع، فمن خلال المبادرات التطوعية الكثيرة التي قامت بها هيئات وجمعيات مستقلة، كالمساهمة في صناعة الكمامات والمعقمات والقيام بحملات التوعية والإرشاد وتنظيم الطوابير وقوافل التبرعات للولايات المنكوبة وحملات التحسيس عبر الفضاءات التواصلية، كلها مؤشرات تنبئ بأهمية المجتمع المدني الفاعل كرافد للمشاريع التنموية للدولة خاصة في زمن الأزمات؛ فالنظم الراشدة تسعى لتأسيس البيئة الملائمة لإنشاء وتدعيم المجتمع المدني والحفاظ على استقلاليته وذمته المالية في ظل مناخ تنافسي عام، حتى يسهم بمؤسساته وتنظيماته في التنمية الاجتماعية ويضطلع بالأدوار الحضارية في ترقية حس المواطنة وفعالية الفرد، ولعل هذه الأزمة قد أبرزت هذا الدور المتميز، ونبهت إلى أهمية وجود مجتمع مدني نَشِط ومبادر ومعطاء، وداعم حيوي في نجاح السياسة العامة وتكوين رأس المال الاجتماعي. 

في المقابل، يعتقد نور الصباح عكنوش، باحث في العلوم السياسية أنه على صعيد ما يتم استهلاكه لدى الرأي العام وحتى الإعلام والنخب وتسويقه بمفهوم المجتمع المدني، لا يصلح في الحالة الجزائرية لأنه ببساطة هناك أزمة في الإطار المفاهيمي فهذا المجتمع إن صح القول غير واضح الهوية والسلوك من حيث الاستقلالية والفعالية؛ لأنه علميا المجتمع المدني من المفروض ألّا يجد نفسه ماليا وماديا وتنظيميا من حيث التمويل والمبادرة بحاجة لبيروقراطية الدولة لكنه عندنا غير قادر على تشكيل فضاء عضوي مستقل لعوامل ذاتية وموضوعية لم تتغير بفعل الجائحة، ولهذا كان أداء بعض الجمعيات والمنظمات هزيلا ومحدودا جغرافيا وعمليا ويحتاج لنقد ذاتي حتى أن الفيروس فاجأ الجميع ونكاد رغم بعض الجهود المحتشمة والمعزولة نجد أثرا للمجتمع المدني.

فعالية النموذج المركزي

وحول قضية ما يصطلح عليه بآليات الضبط والتحكم في المجتمع والدولة يوضح الأستاذ نور الصباح عكنوش في حديثه لـ "عربي21"، أن الفيروس جدد الخطاب القديم حول صلاحية وفعالية النموذج المركزي للإدارة والحكم على مستوى التسيير والتنبؤ واتخاذ القرار وهو ما تأكد بمقارنة النموذج الصيني القائم على الانضباط وعقل الدولة والذي نجح في احتواء الكورونا بالنموذج الفيدرالي الحر المبني على منطق السوق والذي بلغ حدوده التاريخية والبنيوية مع فكرة ما بعد العولمة لإمري زلمان واريك كازدين في اطار تحول أو انتقال حضاري جديد وهو ما سرعت وتيرته أزمة الجائحة التي ستعيد بناء قيم وأنساق مختلفة عن كل بنى ومفاهيم الحداثة والديموقراطية.

 



كما لاحظ الأستاذ نور الصباح عكنوش عملية هندسة سياسية جديدة إن صح التعبير أنتجها الفيروس داخل المجتمع السياسي الجزائري (مؤسسات الدولة) على مستوى مركزي في دور الوزير الأول والذي أصبح يحوز هامشا أكبر للقرار وعلى مستوى لا مركزي في دور الولاة في تدبير الشأن العام خلال الأزمة بسلطة تقديرية أهم وهي متغيرات في توزيع السلطة ستؤثر في الترتيبات الدستورية القادمة لأن دروس الكورونا كثيرة ومؤثرة في طبيعة المرحلة المقبلة سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

الدولة الهشة

ويتحدث الإعلامي الجزائري عبد النور بوخمخم كيف أن الفيروس أظهر أكثر من أي وقت مضى هشاشة وضعف الدول المحكومة من أنظمة غير ديمقراطية وفاسدة، من حيث معيار إشراك مكونات الدولة والمجتمع في مناقشة وفهم الخطر القائم وتنفيذ الخطط والتدابير اللازمة لمواجهته وحشد الدعم الاجتماعي والقومي له. 

ويطرح الإعلامي عبد النور بوخمخم قناعته بأن الأنظمة الديمقراطية نظمت الدساتير والقوانين من زمن بعيد كيف تخول مؤقتا السلطة التنفيذية بعض الصلاحيات الاستثنائية خلال الأزمات والتهديدات الوجودية الخطيرة كما هو الحال في كورونا، تمكنها من التحرك بسرعة وقوة لمواجهة هذه التهديدات، منها على وجه الخصوص التحرر من القيود القبلية للبرلمان في صرف المال العام وتقييد بعض الحريات العامة، مقابل تعزيز القيود البعدية وغير المباشرة التي يمارسها القضاء والإعلام والمجتمع المدني، مع تحديد زمن وحجم هذه الصلاحيات الاستثنائية، بالقدر الضروري فقط للتعامل مع الظرف الطارئ، مع رفعها مباشرة بعد أن تعود الأوضاع لطبيعتها.

 



ويخلص الإعلامي عبد النور بوخمخم في حديثه لـ"عربي21"، إلى أن الأنظمة غير الديمقراطية الفاسدة والشمولية، تعاملت في مواجهة التهديدات الوجودية للدولة كما هو الحال في حالة كورونا، بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع أي أزمة سياسية أو اجتماعية مطلبية عادية، أو حالة توتر أمني محدود، فهي اقتصاديا تستمر في صرف المال العام المخصص لمواجهة التهديد القائم بعيدا عن أي رقابة قبلية أو بعدية، وسياسيا تتصرف مع التهديد كخطر على نظام الحكم قبل أن يكون على الدولة والمجتمع، ويظهر هذا في توسعها المفرط في خرق الحريات وتقييدها ومنع كل أشكال النقاش الحر والشفاف حول التهديد القائم وتطوراته، امتدادا لنفس نهجها في الظروف العادية، وتغييب كل سلطة مضادة أو موازية من البرلمان أو القضاء أو المجتمع المدني أو الإعلام.

الشمولية المرحلية

ويتصور الدكتور جمعة نبيل، أستاذ وخبير اقتصادي ومالي، أن أزمة Covid-19 من المرجح أن تحفز مجالات وقطاعات عديدة في الجزائر، خاصة الصناعة الصغيرة والمتوسطة والفلاحة والخدمات كلها مثل التسوق عبر الإنترنت والتعليم عبر الإنترنت والاستثمارات في الصحة العامة. كما أن الحكومة الحالية ستخاطر بتغيير الطريقة التي تنظم وتمول وتسير بها الشركات الخاصة والعمومية خاصة في سلسلة التوريد الخاصة بها ودفعها إلى الاعتماد بشكل أقل على الاستيراد العشوائي الذي يقوم به حفنة من كبار الموردين. كما ستحتاج الشركات إلى مراعاة التغييرات التي أجرتها والدروس التي تعلمتها من هذه الأزمة الفريدة سواء في مجال العرض والطلب العام لدمجها في كل خططها الاستراتيجية المستقبلية. 

وبالنسبة للمجتمع المدني في الجزائر يعتبر الدكتور نبيل جمعة في حديثه لـ "عربي21"، أنه مضطر للجوء إلى الدولة لأنه لا يملك التنظيم والتشريع اللازمين لمواجهة هذا الوباء الفريد من نوعه في تاريخ الجزائر و لا الإمكانيات المادية واللوجستية على اعتبار أن كل المستشفيات هي تابعة للدولة وهو ما يستوجب تضافر الجهود الحكومية وتوحيد القوى الشعبية لتجاوز هذه الأزمة العالمية وتفادي سيناريوهات خطيرة وذلك باستباق آثار هذا الوباء والحد من تداعياته على صحة المواطن وعلى المجتمع كله عبر تشريك كل الأطراف.

 



ويرى الدكتور نبيل جمعة أن الوضع الراهن يفرض على الدولة إشراك المجتمع المدني لأداء أدوار محددة : دور توعوي تحسيسي، دور ردعي ميداني، دور رقابي ودور تضامني.. وقد رأينا أن المجتمع المدني لعب دورا كبيرا في الجانب التضامني خاصة بالإعانات وتصنيع الكمامات والسوائل الهيدرو كحولية وكذلك الدواء الخاص بالوباء هيدروكسيد كلورؤكين وتقديم الإعانات الغذائية للفئة الهشة للمجتمع.

وحول المخاوف من التوجه ناحية الشمولية في الحكم عبر اتخاذ الجائحة غطاء لمزيد من التضييق والانفرادية في اتخاذ القرارات، يشير الدكتور نبيل جمعة إلى ضرورة تجاهل الإشارات السياسية نظرا لأننا نعيش وضعية خاصة وحالة قوة قاهرة ولاً يجب المبالغة في رد الفعل على القضايا الناشئة سياسيا لأنها مرحلة وفترة عابرة وخاصة أن الحكومة تعلم اليوم في الجزائر أن هناك حراك وله قوة وتوجه سياسي قوي وإيجابي في الساحة اليوم.. وقد صرح الرئيس الجزائري أن القرارات في مجال الحجر الصحي والغلق للمؤسسات والتجول يتخذها المجلس العلمي بكل ديمقراطية في الجزائر كونه هو المختص في المجال الصحي وليس الحكومة، موضحا أن استيعاب الشمولية اليوم هو أمر واقع في الميدان في كل الدول كما أنه في الجزائر واجب مرحليا لإنقاذ الأرواح.

بين الشمولية والحكم الرشيد

ويعود الأ‌ستاذ حرزالله محمد لخضر، لملاحظة وجود تباين بين الدول في مقارباتها التسييرية للأزمة، أين اعتمدت الدول الشمولية منطق التعتيم والتحكم في الإحصاءات ولغة التهديد والمواربة، كما حدث مع الطبيب الصيني "لى وين ليانج" الذي اكتشف فيروس كورونا لأول مرة ودفع حياته بسببه، وبعدها تم التكتم على عدد الإصابات والوفيات حتى عم الوباء وتفوق التهديد الفايروسي على القدرة السلطوية للنظام. أما الدول الديمقراطية فقد راهنت على دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية (المجتمع المدني) والوعي المجتمعي في محاربة أزمة كورونا، واتكأت في إدارتها للأزمة على رأي أهل الاختصاص والمعرفة من الأطباء والباحثين والمستشارين ودور المختبرات العلمية، وهو ما تجلى في حالة الطبيب الفرنسي "ديديه راؤول" الذي خالف التوجه الرسمي في استخدام بروتوكول كلوروكين لعلاج كورونا والذي تم إقراره في مرحلة لاحقة. فهذه الدول امتازت إدارتها -نسبيا- بشفافية أكثر رغم كثرة حالات الإصابة لديها.

ويعتقد الأ‌ستاذ حرزالله محمد لخضر أن فيروس كورونا قد أعاد الاعتبار أكثر لقيمة العلم وأنظمة الحكم الرشيد المرتكزة على المؤسسات الشرعية التي تستلهم شرعيتها من الكفاءة المعرفية والإنجازية في تقلد المسؤوليات، وتهتم بتفعيل دور مراكز البحث وغرف التفكير والعقول الإستراتيجية والاستثمار في رأس المال الفكري. كما بعثت هذه الجائحة الوعي بأهمية التعليم وتنمية المورد البشري في صناعة السلوك الاجتماعي الحضاري وتطوير مستوى التفكير والأداء والذكاء المجتمعي، وبناء ممارسات مجتمعية سليمة، فقد لاحظنا كيف تسببت الممارسات السلبية في تأزيم الوضع والتقليل من فعالية الإجراءات الحكومية المتعلقة بالحجر الصحي نظرا لعدم التزام الأفراد وغياب الانضباط العام، وهو ما يدفع مستقبلا نحو ضرورة إعادة النظر في السياسات التعليمية ومدى فعالية بعض المؤسسات والوزارات كالثقافة والشباب والرياضة والإعلام...الخ.  
 
أما المنطق الشمولي في الحكم برأي الأ‌ستاذ حرزالله محمد لخضر فهو منطق عدمي قهري ينتمي للقرن 19 و20 ولا يملك أي شرعية أو فعالية في إدارة مجتمعات المعرفة، أين نشهد ثورة عميقة في الفكر الحقوقي والسياسي وتنامي جذوة الوعي وتكنولوجيات التواصل، وهي معطيات تتطلب أدوات حكمية أكثر مرونة وكفاءة في الاستجابة للتحديات ومواكبة التطلعات.    

دولة الحق والعدل

أخيرا أبدع فيروس كورونا في كشف العورات، وفي توضيح أن "الدولة الهشة" ليست بالضرورة الدولة الضعيفة عسكريا واقتصاديا، وأن "الهشاشة" ليست فقط في إفريقيا والعالم العربي، وإنما هي أيضا في أمريكا وأوروبا، حيث الدولة القومية الليبرالية التي كانت بصدد إعلان نهاية التاريخ وانتصارها النهائي علينا، وإذ بها تستيقظ على فجوات كبيرة فيما بينها كأوروبا الموحدة أو منظومة الأطلسي، أين انهارت قيم الشراكة والتكافل فيما بينها، واستيقظت فيها روح الأنانية العمياء من مرقدها، ما أحدث صدمة في الأفكار والمفاهيم.

إن إعادة النظر في نظريات السياسية الدولية وعلى رأسها مفهوم الدولة ودورها الاجتماعي أصبح اليوم أكثر من حتمية، ذلك أن عوامل قوة الدولة تغيرت بشكل درامي مع ظهور الوباء، وأصبحت قوة الردع العسكرية بلا حول ولا قوة أمام فيروس مجهري لا تراه العين المجردة، بينما قفزت إلى سطح القوة المعتمدة في ترتيب عظمة الدول، البنية الصحية الأساسية من أعداد المستشفيات وأسرة الإنعاش وأجهزة التنفس الاصطناعي و"دروع" الأقنعة والكمامات.

وبغض النظر عن مدى تراجع الدولة القومية الليبرالية في الغرب، وحدود الانهيارات التي ستعرفها، فمن المؤكد أننا كعرب لن نكون بديلا عنها، إلا في حالة واحدة، هو اقتناعنا بدولة القانون والمواطنة، على أن تكون مطعمة بالروح الإنسانية التي فقدها الغرب، وهي متوفرة بما يكفي في ديننا الإسلامي، وهو الدين الذي قدم بدائله الباذخة عبر نموذج دولة الحق والعدل، من دون الحاجة إلى الاستدلال بدولة النبوة.. تلك الدولة التي تكون فيها المثل الإنسانية هي السائدة من أجل صحة الإنسان البدنية والنفسية معا.