أفكَار

الأردن.. عالم تفسير يثير جدلا حول أحاديث الصحيحين

الداعية الأردني الدكتور أحمد نوفل يثير جدلا فقهيا بسبب رده لحديث في صحيح البخاري- (إنترنت)

في موازاة الانشغال الكلي بالحديث عن جائحة كورونا وتداعياتها الخطيرة صحيا واقتصاديا واجتماعيا، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي مساجلات ساخنة حول ما أثاره عالم التفسير الأردني المعروف، الدكتور أحمد نوفل، من انتقادات واعتراضات على قصة فرض الصلاة في حديث المعراج المروي في الصحيحين، ما حمله على رده والحكم بعدم صحته. 

الدكتور نوفل انتقد الرواية بأنها تتضمن جملة من المعاني التي لا تتوافق مع الأصول الشرعية، ولا يمكن تقبلها عقليا، كتكليف المسلمين بخسمين صلاة، الأمر الذي يتعارض مع قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وهو ما يشق فعله لو استقر الأمر عليه، لأنه يتطلب ما يقارب نصف اليوم في أداء الصلوات، والله سبحانه وتعالى يعلم أن عباده لا يطيقون ذلك، فكيف يكلفهم به؟ وفق قوله. 
 
وتساءل نوفل في برنامج إذاعي محلي: كيف يغفل رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام عن أن أمته لا تطيق ذلك، وهو من أذكى الرسل والأنبياء، حتى يستدعي الأمر تدخل نبي الله موسى ليخبره بأن أمته لن تطيق ذلك، ويحثه على مراجعة ربه طلبا للتخفيف؟ واصفا تلك الحوارية وتنقل الرسول بين موسى وربه بأنها "لا تنسجم مع جدية الدين". 

وقال نوفل: "هذا الحديث خارج عن الدين والمنطق والعقل، ولم تسبق روايته من قبل، ولن أرويه"، مخاطبا من يقولون إن الدين ليس بالعقل بقوله: "والدين كذلك يجب أن يكون منسجما مع العقل والمنطق". 

 



وسبق للدكتور نوفل رد أحاديث أخرى في الصحيحين كقصة ملك الموت مع نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، والذي جاء فيه أن الله "أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه.." وتركز نقد نوفل لهذه الرواية على أن" هذا التصرف لا يليق بنبي كريم، إذ كيف لموسى أن يقوم بتوجيه لكمة لملك الموت، وهو رسول الله إليه، فيفقأ عينه؟". 

ووفقا لباحثين شرعيين فإن طريقة الدكتور أحمد نوفل في مناقشة الأحاديث النبوية لا تبعد كثيرا عما يُعرف بـطرائق (نقد المتون) الحديثية بمحاكمتها إلى القرآن الكريم، وعدم مخالفتها للأصول الشرعية المقررة، أو مصادمتها لما توجبه العقول، ومغايرتها للواقع المحسوس والعلم التجريبي.

انتقادات نوفل لحديث المعراج قوبلت بموجة استنكار واسعة، وعرضته لاتهامات شنيعة، كإنكار السنة وعداوته لها، والطعن في الصحيحين، والاستهزاء بالروايات الحديثية، وتعظيمه للعقل على حساب النقل.

وبحسب الداعية الأردني الدكتور بشار شريف فإن "بعض الردود كانت متحاملة على الشيخ نوفل، وكأنها وجدت فرصة للنيل منه، وكان فيها ظلم له، وسوء أدب مع أن الشيخ لمن خالطه وعرفه، وتتلمذ على يديه يرى أدبه الجم، وحرقته على الدين، ومواقفه في نصرة المظلومين".

 



وأوضح شريف في منشور عبر صفتحته على الفيسبوك أن الدكتور نوفل "لا ينكر السنة، وليس قرآنيا كما يُقال عنه، وليس معتزليا ولا أشعريا أيضا، غير أنه يتبع في قبول الروايات وردها (المنهج الأصولي) منذ أكثر من 40 عاما، وهو منهج أهل الرأي وهو ما يختلف عن منهج مدرسة المحدثين في قبول الروايات وردها". 

وكان لافتا أن الردود على انتقادات نوفل لم تكن من خصومه فقط، بل بعضها كان من تلاميذه وطلابه الذين يعترفون له بالأستاذية في علم التفسير، ويشيدون بجهوده في خدمة القرآن وتفسيره، ويثنون عليه في مجال الدعوة والتثقيف الديني على وجه العموم، وقد كان رد الدكتور عبد السلام أبو سمحة، أستاذ الحديث المشارك في جامعة الوصل بدبي من أكثرها تداولا. 

ركزّ أبو سمحة في ردوده على نوفل على ضرورة التفريق "بين النقد العقلي المستند إلى المسلمات العقلية، وبين النقد بالرأي" معتبرا نقد نوفل نقدا بالرأي غير مستند إلى المسلمات القطعية، التي لا يمكن لأي حديث صحيح أن يتعارض معها بحال، وبالتالي فإن انتقادات نوفل لا تمثل أي حجة معتبرة، ولا تعدو أن تكون رأيا له يمكن مناقشته والرد عليه بسهولة.

 


 
وشدد أبو سمحة في ردوده المكتوبة والمسجلة صوتيا، على أهمية التفريق بين ما يقال عن معارضة الأحاديث النبوية لصريح القرآن، وبين معارضتها لفهم فلان أو علان لآيات قرآنية، فيتوهم أن الأحاديث تتعارض مع القرآن، ما يوجب ردها وعدم الأخذ بها، وهي في الحقيقة تتعارض مع فهمه هو، وهذا ما يرى أبو سمحة أنه ينطبق تماما على انتقادات نوفل للأحاديث الصحيحة التي اعترض عليها. 

من جهته أبدى الباحث الشرعي، والمحقق للكتب التراثية، صالح سهيل استغرابه الشديد من هذه الحملة الشرسة ضد عالم التفسير الدكتور أحمد نوفل، متسائلا: "ما الجريمة التي وقع فيها نوفل حتى تشن عليه حملات التشوية والطعن والتهييج والتأليب، وتوجه إليه كل هذه التهم الباطلة؟". 

وأضاف: "من يقومون بالتشنيع عليه، ورميه بتهم قبيحة، كإنكار السنة وعداوته لها، والطعن في الصحيحين، لا يدركون أنهم يساهمون في شحذ النفوس ضده، التي من عادتها إطلاق العنان لتضليل من يخالفها، ثم تكفيره، ثم يعملون على إقصائه، ولا يُستبعد أن يخرج موتور متشدد فيقوم بالاعتداء على من يصفونه بالضال والمنحرف والزنديق". 

وردا على سؤال "عربي21" حول طبيعة مناهج الأصوليين في التعامل مع أخبار الآحاد، أوضح سهيل أن للأصوليين طرقا ومناهج في نقد المتون، كمنهج السادة الأحناف والمالكية، في رد أحاديث الآحاد إن كانت مخالفة للأصول الشرعية، أو إذا كان خبر الواحد فيما تعمّ به البلوى كما عند الأحناف، وأن لا يعمل راويه بخلافه، أو يكون مخالفا لظاهر القرآن، وقد انبنى على ذلك تطبيقات فقهية في المذهبين لا يتسع المقام لذكرها". 

بدوره قال الأكاديمي الأردني، المختص بالبراغماتية وتحليل الخطاب، الدكتور عاصم الخوالدة: "لا تكاد مسألة مهما كان مستواها الجدلي تخلو من الانتقال من نقد الفكرة إلى نقد الشخص، والذي غالبا ما يُوظف كوسيلة لإسقاط الخصم، والاستقواء عليه بتحشيد العوام والدهماء، خاصة إذا تعلق الأمر بمسلمات مستقرة عندهم، ومحاطة بهالة من التقديس". 

وحذر الخوالدة من أن "تلك السلوكيات المقلقة والمستفزة عادة ما يستغلها أدعياء حماية النص للنيل من خصومهم، ودفع الصائل منهم تحت ذريعة صيانة النص المقدس من التدنيس، وقد عانى كثير من العلماء من هذا التحشيد والتهييج وراح ضحيته علماء كبار كالطبري وابن حبان والبخاري والنسائي، وهذا كله جراء عادة ضعاف العقول ـ بعبارة الغزالي ـ الذين يربطون الحق بالرجال". 

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "وهذا ما وقع مؤخرا للدكتور أحمد نوفل، حيث انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام: فقسم أثنى عليه، وبارك له قوله، وجعل ذلك في سجله العلمي التنويري التجديدي، وقسم نسف تاريخ الشيخ الطويل وجهوده، وشيطنه واستباح عرضه، وقال لأتباعه (هذا مغتسل بارد وشراب)، واتهموه بالطعن في السنة، والانتصار للقرآنيين والمعتزلة، وبتهم شنيعة أخرى، وقسم ثالث توسط فاعترف للشيخ بفضله وبعلمه وجهده، لكن مع انتقاد أخطائه، والرد عليه ردا علميا، ودعوته للتراجع عن هذه الأخطاء". 

ولاحظ الخوالدة أن "أول من رمى بسهم في المعركة المشتعلة ضد نوفل كانوا من تلاميذه، وهم ممن ينتمون لنفس المشرب الفكري للشيخ، ومنهم من وقع على بيان إدانته الذي أصدرته جمعية الحديث  النبوي وإحياء التراث، مطالبة إياه بالتراجع والتوقف عن نقد أحاديث الصحيحين والطعن فيها". 

ونبه الخوالدة على أن "خطاب نوفل ـ كتوصيف له وحتى لا نحمل الآخرين الأمر كله ـ  يبدو مستفزا متعاليا على الخصوم، وهو لا يخلو من السخرية والتهكم والاندفاعية العفوية في الرد، دون مراجعة مسبقة للمسألة، وربما جنح الشيخ إلى توظيف مقص "مخالفة القرآن" لتجريم الأقوال التي تخالف رأيه بلسان حاله، ولا يجعل قوله مجرد مساهمة علمية في التفسيرات المطروحة"، على حد قوله. 

 

يُشار إلى أن رابطة علماء الأردن، أصدرت بيانا ذكرت فيه أنها وجهت دعوة للدكتور نوفل للمشاركة في جلسة حوار مع أساتذة متخصصين في الحديث النبوي وعلومه، لمناقشته في آرائه وأقواله حول أحاديث الصحيحين وغيرهما، وهو ما وافق عليه نوفل، على أن يجري الترتيب لهذا اللقاء بعد رفع الحظر العام بسبب تفشي وباء كورونا.