أفكَار

كورونا وجدل الدين والعلم في الفضاء الإسلامي

هل هناك تناقض بين العلم والدين في التعامل مع الأوبئة؟ خبراء يجيبون.. (الأناضول)

لئن شكّل "موت الإله" النّيتشوي، أواخر القرن التاسع عشر، ميسما لتيه الإنسان الأوروبي وعدميّته، وريحا صرصرا عرّت عجز الدّين الكنسي عن الإجابة على مقاربات الإنسان المعرفية والفلسفيّة، بعد قرون طويلة من المصادرة اللاهوتيّة، فإن الصّيحة الشهيرة لفيلسوف الأخلاق، الحدث الأبرز للحداثة الغربيّة، الذي نادى أن: "مات الإله ويظل ميتا، ونحن الذين قتلناه! كيف سنعزّي أنفُسنا نحن أكبر القتلة؟"، ظلّت مجرّد صيحة في واد سحيق ونفخة في رماد.

فبعد قرن ونيف على صيحة أستاذ كرسي اللّغة بجامعة بازل، باتت مقاربات ما بعد الحداثة، التي أعلن المؤرخ أرنولد جي توينبي عن تدشينها منذ منتصف القرن الماضي، بوصفها "نظريّة حركة تاريخيّة تُعالج ضُعف أفق الحداثة، عبر توسيع نطاقها لتشمل الدّين فضلا عن اللاّهوت"، المقاربات الغالبة على مستوى الدراسات الأكاديمية والبحثيّة.
 
وفي ظلّ تأسس ما بعد الحداثة على نمط ومفهوم يتميّزان بالرّيبة من النظريّات والأيديولوجيات، وتوجيه الانتباه إلى مواضع الاتفاق، لا إلى مواضع القطيعة التي قامت عليها الحداثة من قبل، طفت ثنائية العلم والدّين على السطح من جديد، واضعة بذلك فرضيّات الهويّة والثقافة الحداثيّتين موضع المساءلة والمُراجعة.

وفيما لا يزال لفيف من النُّخب العربيّة والإسلامية، يتبنّى أطروحات عصر الحداثة الغربيّة، التي شيّعت إلهها في مواكب جنائزية، لا تقلّ دراميّة عن جنائز ضحايا وباء كورونا Covid 19، أسوة بخمائر القطيعة التي أسس لها من قبلُ الشاعر جان باول (يوهان باول فريدريش ريشتر) في نهاية القرن الثامن عشر، ومن بعده هيغل، في كتابه "الإيمان والعلم"، حين وصف الشعور الذي يقوم عليه الدين، بأنّه "الشعور بأن الإله قد مات"، انبرت أطروحة بيتر برغر، عالم الاجتماع الأمريكي، جازمة بعجز الحداثة عن تغييب دور الدّين من خلال إقرار ورقته البحثية: "زوال العلمنة من العالم: أطروحة معاكسة لحداثة ناصبت الدين العداء" بأنّ "الفرضية القائلة بأن الحداثة تؤدي بالضرورة إلى تراجع دور الدين هي بالمبدأ خالية من القيم".

السّجال القديم الجديد حول مساحة العلم والدّين وقدرة كلّ منهما على الإجابة على معضلات الإنسان المعرفية والفلسفية، استدعته لحظة العجز التي بدت عليها الإنسانيّة تجاه تفشي فيروس كورونا المرعب، حيث أقفرت الصوامع والبيع والكنائس والمساجد من عُبّادها، في نفس الوقت الذي عجزت فيه مجامع الطب ومخابرها عبر العالم عن تخليص البشريّة من كابوس الوباء المستجد، رغم تفشي رائحة الموت بكل المناطق الموبوءة. 

فإلى أيّ حد ساهمت لحظة العجز الراهنة في خلخلة يقينيات عصر الحداثة، على وجه الخصوص فيما يتعلّق بمركزية العقل، من عدمها؟ وهل تنطبق قولة نيتشه بأنّ صورة الإله الأفلاطو ـ مسيحي، "تسرق من الإنسان حياته وقيمه وعالمه" على إله المسلمين، إذا علمنا أنّه القائل في كتابه L’antéchrist  (الدجّال) (قبل وفاته بسنتين): "إنّ حضارة إسبانيا العربيّة، القريبة منّا أكثر من روما واليونان، قد كانت عرضة لدوس الأقدام ... لأنّها تقول نعم للحياة، لقد حارب الصليبيون من بعد عالما كان من الأحرى بهم أن ينحنوا أمامه في التراب"؟ وإلى أي حد ظلّت الثقافة الانتظاريّة ميسما للعرب والمسلمين منذ أن تهاوت آخر حصون غرناطة؟

التسليم بالمعرفة العلميّة وتراجع دور الدّين

إجابة على استفسار "عربي21"، عمّا إذا كان تأخّر توفير لقاح أو دواء لوباء الكورونا، بعد أربعة أشهر كاملة على ظهوره بمدينة يوهان الصينيّة، دليل عجز العلم عن إنقاذ البشريّة من هذا الوباء المستجد، اعتبر عميرة علية الصغيّر، جامعي ومؤرخ، أنّه رغم تواتر ضربات الأوبئة، فإنّ الإنسانية استطاعت الانتصار على الوباء والعود للحياة وتجديد البناء، ولو بدرجات متفاوتة وحسب المجتمعات، مضيفا أنّ العلم كان هو المنقذ دائما لكن ليس لوحده، باعتبار أنّ الدّين كان هو السبّاق إلى مجابهة ما يصيب البشر، معتبرا أنّ المعتقدات الدينية كانت مرتبطة بالحياة الاجتماعية وصاغها البشر أصلا لتلبية حاجياته ومداواة آلامه.

ويشير علية الصغيّر إلى أنّ العلم بمفهومه الصحيح، أي الباحث في قوانين الطبيعة وكشف أسرارها، عبر المشاهدة والتجربة والقياس والاختبار والحساب والدقة، هو منقذ الإنسانية من عوالم الوهم والسحر وتفسير الكون وظواهره بالقوة الغيبيّة والأيادي الخفية، التي تحرّك العالم والطبيعة وتتحكم في حياة الناس، سعادة وشقاء وترضى على البشر وتغضب (كما يغضب البشر لأنه الآلهة التي تصوروها تشبههم).

 


ويؤكّد علية الصغيّر أنّ علماء المخابر والمكروسكوبات والفرضيات، استطاعوا منذ عصر الأنوار(القرن 18)، بعد صراع مرير مع المعتقدات الدّينيّة، تعويض رجال الدين ونزع قدسيتهم، مضيفا أنّ ذاك الصراع المرير ذهب ضحيته كثيرون من شهداء العلم، الذين تمّ حرقهم من قبل رجال الدين والكنيسة، دفاعا عن معتقداتهم وتأويلاتهم لما يصيب البشر.

يشير عميرة علية الصغيّر إلى أنّ تمكّن العلم، في الدّول المتقدمة، من طرد الدّين من الحياة العامة، تولّد عنه تسليم تامّ بالمعرفة العلمية في تفسير الظواهر كلّها، طبيعية كانت أم بشرية، وقد شمل التسليم تفسير الأمراض وعالم المكروبات والجراثيم والفيروسات والأمصال والخلايا والمضادات الحيوية. 

ويضيف علية الصغيّر أنّه بفضل ذلك التقدم المعرفي، نجح العلم في إزاحة الثقافة القائلة بأنّ "المرض والوباء هما عقاب للبشر العصاة من الرب الذي يراقب عباده الضّالين، فيسلّط عليهم الأوبئة والأمراض". 

وأشار إلى تراجع المعتقدات الدّينيّة (الشعوذة وتجارة الدّين) داخل الدّول التي عرفت ثورات علميّة وتقنيّة وثقافيّة وتنظيميّة، وأفول التفسير بالأرواح الشريرة والسحر ويد الآلهة الخفيّة، كما تراجع التّداوي بالنصوص الدينية (قرآن أو أناجيل). 

ويقول علية الصغيّر أنّه "من المؤسف أن تظلّ جزر قليلة من الناس تتّجه للسّماء تستنجد بها وقت الضيق عوض التوجّه إلى أهل المخابر والعلماء والأطبّاء، الذين هم في سباق لاختراع الدواء الشافي". 

المجتمعات الدّينيّة والثقافة الانتظاريّة

ينتقد عميرة عليّة الصغيّر، في حديثه لـ "عربي21"، استمرار رجال الدين و بعض خرّيجي الجامعات، ومن ورائهم العامة، على وجه الخصوص داخل المجتمعات التي لم تبرح ثقافيا ودينيا ثقافة العصور الوسطى، تفسير انتشار وباء الكورونا بغضب الله على عباده، لأنهم "تركوا الصلاة والزكاة"، أو "لأنهم أفسدوا في الأرض" و"تعرّت النساء ودخلت المقابر تحمل الجثامين" وإن "ما أصاب الناس حاليا قد حذّر منه اللّه في محكم تنزيله"، وأنّ الكورونا ليست إلا ذاك الفيروس الذي ذكره الله في سورة المدثّر (الآية 8) واسمه "الناقور". 

ويشير علية الصغيّر إلى أنّه من سخريّة الأقدار أن يواصل "علماء الأمة" هؤلاء البحث عن الدّواء، الذي لم ينتجه بعد "علماء الغرب الكافر"، في باقي سور القرآن. وأنّه نتيجة عجز هذه الثقافة الدّينيّة، يظلّ العاجزون "الأتقياء" ينصحون الناس بالصلاة والاستغفار وإطلاق العنان لمكبرات الصّوت في الجوامع، متضرّعة للربّ ليرفع البلاء عن أمته، محوّلين بذلك الزمن إلى زمن جنائز.

في ذات السياق، ورغم إقراره بقدرة الدّين على منح الثقة في "رحمة الرب" والطمأنينة للنفوس الجزعة والرّاهبة من الموت ومنحها الأمل في النجاة من الخطر الماثل، يرى عميرة علية الصغيّر أنّ الدّين بقي عاجزا عن مداواة مصابي وباء كورونا، كما بقية الأوبئة والأمراض، وعائقا للدّول، يحول دون فرض ترتيبات الحجر الصحّي الضروريّة، لأن فئات كثيرة، على وجه الخصوص في المجتمعات الإسلامية، مدفوعين بخطاب رجال الدين المؤثّم للناس والمقدم للكورونا على أنها "قدر من الله" و"إن الأعمار بيد الله" و"إن لا عدوى تصيب البشر إلا من عنده"، فلا يحترمون الحجر ويساهمون في استشراء الوباء.

 

نتيجة عجز هذه الثقافة الدّينيّة، يظلّ العاجزون "الأتقياء" ينصحون الناس بالصلاة والاستغفار وإطلاق العنان لمكبرات الصّوت في الجوامع، متضرّعة للربّ ليرفع البلاء عن أمته، محوّلين بذلك الزمن إلى زمن جنائز.

 



وفي المقابل يرى علية الصغيّر أنّ عدم توصّل العلم إلى اكتشاف الدواء أو التلقيح الشافي للكورونا، لا يعني عجزه. لأن إيجاد مصل أو دواء يفترض زمنا لمعرفة الفيروس أوّلا، وتقديم مضاد له وتجريبه، لكن في الوقت ذاته هنالك أدوية تُستغل في معالجة المصابين، أعطت نتائج جيدة من قبيل الكلوروكين ـ Chloroquine، وأنّ الأمل في العلم يتأكد أكثر مع ما يرشح من أخبار مخابر البحث يوما بعد يوم. وينتهي عميرة عليّة الصغيّر إلى أنّه في المحصلة، تبقى المجتمعات المتسلحة بالعقل والعلم هي المنتصرة وأنّ العلم يبقى وحده منقذا للبشرية من المرض والجهل والتخلف.

الحداثة المستفزّة

لئن اتفق عبد العزيز التميمي، كاتب صحفي، في تصريح لـ "عربي21"، مع ما انتهى إليه عميرة عليّة الصغيّر من التأكيد على أهميّة العلم، من حيث هو منجز الحداثة الأبرز، التي جاءت لتخلّص الإنسان الغربي من هيمنة عقود العقل الكنسي المتحجّر، العاجز عن حماية الإنسان طبّيا وعلميا ومعرفيّا، فإنّه يؤكّد على فشل الحداثة نفسها في تحقيق أحلام الإنسانيّة، الأمر الذي خلق ردّة وإحباطا إزاءها، وإنّه لمن المؤسف أن تكون "العلميّة"، شعار الحداثة الأبرز، هو المدخل الفعلي لتقويض تلك الأحلام. 

 

امتزاج الحداثة بغولي الاستعمار واقتصاد الإفقار العام للشعوب، لصالح رفاه النخبة المترفة والمرفّهة، وما رافقها من صدام مع ثقافات المجتمعات، يجعل من الحديث عن الحداثة القائمة على العقلانيّة والتطوّرية ومركزيّة الإنسان، مشوشا واستفزازيا في عديد الأحيان

 


يؤكّد التميمي على أنّ البحوث العلمية وتجاربها هي من أثبتت ضآلة ما يعرفه العقل البشري، مقارنة بما لا يعرفه، وخير دليل على ذلك هو الحرب الحاليّة التي تخوضها البشريّة ضدّ وباء كورونا المستجد، وأنّه بثبوت محدوديّة عقل الإنسان، اهتزّت النظرة إلى قدرة العقل الذي هو مصدر المعرفة المطلق لدى الحداثة، مذكّرا بما تسبب فيه العلم، أداة الحداثة، في شقاء البشرية من خلال توظيفه السيء لصالح السيطرة الاستعمارية والامبريالية على العالم. فكان القرن العشرون هو عصر الحروب الكونية الكبرى، الذّي وظّف توظيفا بشريّا وحداثيّا منجزات العلم. وبات الاستعمار، أحد منجزات الحداثة التي استثمرت التقدم  العلمي، الشيء الذي ولّد إحباطا وتشاؤما إزاء الحداثة زادته حرب كورونا عمقا وعقما.

 

 



ويرى التميمي، أنّ امتزاج الحداثة بغولي الاستعمار واقتصاد الإفقار العام للشعوب، لصالح رفاه النخبة المترفة والمرفّهة، وما رافقها من صدام مع ثقافات المجتمعات، يجعل من الحديث عن الحداثة القائمة على العقلانيّة والتطوّرية ومركزيّة الإنسان، مشوشا واستفزازيا في عديد الأحيان، بل وإشكاليا في أحيان عديدة أخرى. 

ويرجع التميمي هذا التشويش إلى حصول تناقض جوهري في إيديولوجية الحداثة الغربيّة، على وجه الخصوص فيما يخصّ علاقة المركز بالهامش، وما نشأ عنها من علاقات استغلال وفقدان للمساواة التي تمّ التبشير بها، وهو ما أعقب سيطرة للنخبة وفرض لهيمنة التغريب على مجتمعات العالم الثالث، معتبرا أنّ هذا الشلل الحداثوي أبان الحاجة الماسّة لعنصر مغيّب، كان كفيلا برتق هذا الفتق الأخلاقي والقيمي الذي عانت منه المستعمرات والمجتمعات المستغلّة من قبل قوى الهيمنة.

تخلّق الحقيقة من داخل النسق الثقافي والديني للمجتمعات

يرى التميمي أنّ مادية عقلانية الحداثة الغربيّة تجلّت في نفي "الغيب" من العلميّة والعقلانية، واختزال تعريف الإنسان بكونه مادة بيولوجية قابلة للدرس التجريبي، وادّعاء أن الناس يرون الشيء نفسه، بنفس الطريقة، في الوقت الذي تقرّر فيه ما بعد الحداثة أن الناس يرون الشيء نفسه لكن بطريقة مختلفة. فمقاربة ما بعد الحداثة تدعم حقيقة مفادها غياب الحقيقة المطلقة أصلا، وإنّما الحقيقة تتخلّق، أي تخلق من داخل النسق الثقافي والديني الذي يعيشه الإنسان في المجتمعات المعاشة، باعتبار أنّ الإنسان وليد ثقافته وهي التي تحدّد له حقائقه وأنّ الثقافة والأخلاق منجز ديني، يجسّدان القدرة على ضبط إيقاع الفعل البشري وتوجيهه. وينتهي التميمي بالتأكيد على أنّ حرب كورونا عرّت حدود الحداثة وأنهت راديكالية العقل اليعقوبي/ جاكوبان/ الفرنسي الصّارم والمطلق. وكشفت "الأنساق الثقافية" والمعرفية المغلقة والحاجة إلى تجاوز الوضعانية أو الوضعية المغلقة والراديكالية نحو الأنساق المفتوحة على النسبية والاحتمالية.

الكورونا تعرّي الاتجاهات المتطرّفة

يرى مصدّق الجليدي، جامعي وباحث في الحضارة الإسلامية وتجديد الفكر الديني، في تصريح لـ "عربي21"، أنّه من محاسن المحن والأزمات وحالات الخوف الشديد أنها تكشف عن النواة الصلبة لبنية التصورات الاجتماعية والمنظومات الاعتقادية، وتزيل القشرة السطحية للتظاهر بالتوازن أو القبول بالرأي المخالف وبالطبيعة المركّبة للوقائع والحقائق الاجتماعية والنفسية والعلمية وغيرها. 

وأضاف: "غنّ هذه البنية الصّلبة في الغالب ما تتضمن اتجاهات حدّية حاسمة ومتطرفة أو شديدة الانغلاق. هذا ما يحصل الآن فعلا في مواجهة جائحة الكورونا. نحن في هذه الوضعية المستجدة إزاء اتجاهين متعارضين بخصوص دور كل من العلم والدين في التغلب على هذه الجائحة ماديا ونفسيا. اتجاه يعلن إفلاس الطرح الديني وعجزه أمام تحدٍّ صحي وحيوي خطير مثل الكورونا، واتجاه يرى أن ما أصاب البشرية الآن يعود إلى بعد الناس عن الله وعن تعاليم الدين وأن الحلّ يكمن في العودة إلى الله والكف عن المحرّمات والظلم والتضرّع إلى الله بالدّعاء، وأن كلّ الرّصيد العلمي للبشر لن يكون ذا فائدة في رد "غضب الله وعقابه" ما لم ينطلق من حالة استغفار وتوبة عامة صادقة.

 

 


 
يضيف الجليدي: إنّ المأزق يكمن في كوننا بتنا إزاء اتجاه علماني وضعي حاسم في الدين، يُروَّج له في بعض القنوات التّلفزية والمواقع الإلكترونية، واتّجاه متديّن ولكن على نحو مغال، يتصف أحيانا بالسذاجة، لكونه يرفع شعار "لا ينفع حذر من قدر" وأنه "لا يعلم جنود ربك إلا هو"، وأن أي حرب مع الله وجنوده هي حرب خاسرة مسبقا وبشكل مؤكد. أي عدم الفائدة من أي تدخل علمي لمواجهة خطر هذه الجائحة. هذا الاتجاه يروّج له بكثافة أيضا في مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي خاصة، من خلال فيديوهات وطلبات بترويج بعض التعليمات ذات الطابع الديني. 

هشاشة البنية النفسية والروحية لإنسان ما بعد الحداثة

يعتبر مصدّق الجليدي أنّ ما يراه العقل الرصين، بغض النظر عن الديانة، هو أن نوعية العلاج تتبع بشكل وثيق نوعية المشكل. وهذا المشكل في الحقيقة مشكل مركّب، تتظافر فيه مكونات وأبعاد عدة، خيارات ومناويل تنموية واقتصادية وصناعية وسياسية وتربوية وهندسات ثقافية وتكوينات نفسية وروحية وغيرها.
 
ويرى الجليدي أنّ محنة كورونا كشفت عن هشاشة البنية النفسية والروحية لإنسان هذا العصر، فالهلع الكبير يؤثر من دون شك على مناعة الأفراد. فيكون العلاج النفسي، ومن بينه تقوية الطاقة الروحية، من أشد ما نلمس حاجة عموم الناس إليه اليوم، جنبا إلى جنب مع حاجتهم للتأطير الصحي والمرافقة الطبية، مضيفا بالقول أنّ "وضع كل من العلم والدّين وجها لوجه، طرح مغرض وغير بريء. فليس هنالك تنافس بين الدّين والعلم في خدمة صالح البشرية وسعادتها. بل إن الدّين الخاتم، بما هو منهج حياة يهدي البشر إلى سواء السبيل أي إلى طريقة العيش السوي في هذا العالم savoir vivre, savoir être, et savoir devenir، قد وضع على ذمة البشرية منظومة قيمية وسلوكية تحفظها من كثير من الأخطار والمصائب والكوارث. فنهاها عن الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل (البيئة والصحة الأساسية للمخلوقات الحية)، وحثها على عدم العبث بالطبيعة وتبديل خلق الله وعلى التطهر والنظافة، كما دعاها إلى أخلاق نحن اليوم في أشدّ الحاجة إليها، مثل التضامن، والتعاون والإيثار والحفاظ على صالح المجموعة وخدمتها. كما أنه ثبت فؤاد الإنسان بالإيمان برحمة الله وقدرته على رفع كل كرب عظيم".

 

محنة كورونا كشفت عن هشاشة البنية النفسية والروحية لإنسان هذا العصر، فالهلع الكبير يؤثر من دون شك على مناعة الأفراد. فيكون العلاج النفسي، ومن بينه تقوية الطاقة الروحية، من أشد ما نلمس حاجة عموم الناس إليه اليوم، جنبا إلى جنب مع حاجتهم للتأطير الصحي والمرافقة الطبية،

 


في ذات السياق، يؤكّد الجليدي على أنّ القرآن الكريم يرفض المقابلة بين قدرة الله وقدرة العلم، لأنه لا علم يفوق علم الله الذي خلق العالم بنواميس كونية وضعها له، ولأن علم الإنسان علم جزئي ومحدود بينما علم الله كلي وشامل. ولأن "كل ما يتوصل إليه العلم إن هو إلا فكّ لبعض ألغاز كتاب الله المنظور المخلوق بمقادير وكيفيات محسوبة وبتوازنات دقيقة (والسماء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان: الرحمن، 7- 8). قال تعالى: "سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، كذلك كذّب الّذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرُصون. قل فلله الحجة البالغة. فلو شاء لهداكم أجمعين" (الأنعام: 148 ـ 149)".

وينتهي الجليدي إلى التأكيد على أنّ "الدين حليف للعلم في جهوده للتخفيف من عذابات البشر والعمل على نفعهم وإسعادهم، و"إنما يخشى الله من عباده العلماء" (فاطر:28)، وأن العلم والدّين متعاضدان في إنقاذ البشر من المهالك وإرشاده إلى أقوم سلوك وأقوم مسالك. ومقاربة الدين أشمل من مقاربة العلم، لأنه يوجه الإنسان إلى اعتناق فلسفة ومنظومة قيمية ووجودية كونية تضمن له أكبر قدر من الرخاء والسلامة والسعادة، وهو يحث على طلب العلم والتخلص من الأوهام والخرافات: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"(الزمر: 9). ويحثه على النظر في السماوات والأرض وفي التاريخ لاستخلاص القوانين العامة للوجود والتاريخ والاستفادة منها، بمعنويات قوية وعدم الرهبة أمام المخاطر متسلحا بالإيمان القوي بالله ورحمته وقدرته على رفع كل بلاء عن الإنسان شرط احترام نظام العالم والتخلص من النهم والجشع والأنانية والفساد في الأرض".

قد تتباين المواقف من قدسيّة العلم والدّين ومساحتهما ضمن مقاربات الإنسان المعرفيّة والفلسفيّة، بنفس القدر الذي تتباين فيه نفس هذه المواقف من منظومة الحداثة العلمانية، المنبثقة من رحم الإرث الديني المسيحي الذي حكم القرون الوسطى، بيد أنّ لبنات تجاوز حدّية بنية التصورات الاجتماعية والمنظومات الاعتقادية، قد تتأسس من خلال بناء منظور جديد لدور الدين، يبدأ بالاعتراف بدور هذا الأخير في الفضاء العمومي وربطه بالدفاع عن فضاء مفتوح، يتسع فيه فضاء العيش المشترك للعلماني والملحد بشكل مساو، بعيدا عن سطوة الإيديولوجي، وفق ما يراه يورغن هابرماس في تصوّره  لمأسسة "مجتمع ما بعد العلمانية" الذي طرحه في كتابه: "بين النزعة الطبيعية والدين".

ولأنّ جدل الدين والعلم في فضائنا العربي الإسلامي متواصل بتواصل هيمنة الإيديولوجي على مقارباتنا الفكرية والعلميّة، فإن جسامة المهمّة التاريخية الرّاهنة ومجابهة وباء كورونا المستجد يتطلّب بالضرورة استنفار جميع قوى المجتمع العلمية والنفسية والعقائديّة، عسى المخابر الطبية لا تتأخر كثيرا في إيجاد الدّواء الشافي لهذا الوباء الفتّاك.