قضايا وآراء

هل سيدخل بيان الخارجية الأمريكية الخاص بليبيا حيّز التنفيذ؟

1300x600
في خطوة مفاجئة، دعت الولايات المتحدة حفتر إلى إنهاء هجومه على العاصمة طرابلس. صدرت هذه الدعوة في أعقاب زيارة قام بها إلى واشنطن يوم الخميس؛ وفد من حكومة الوفاق الوطني ممثلا بوزيري الخارجية والداخلية، وهذا ما كان تطوراً لافتاً بعد أن كان الرئيس دونالد ترامب قد أعطى الانطباع بدعم حفتر في الماضي، خاصة بعد الاتصال الشهير باللواء المتقاعد في نيسان/ أبريل الماضي، أي عقب بدء هجومه على العاصمة.

ليس خفيا أن ليبيا لا تمثل أهمية لدى صناع القرار في الإدارة الأمريكية خاصة بعد تلاشي الإرهاب، وعودة تصدير النفط، وهما العاملان الرئيسيان المحركان للولايات المتحدة تجاه الوضع في ليبيا، لا سيما وأنها بعيدة عما يسمى "الصراع العربي الإسرائيلي" ومنطقة التوتر في الشرق الأوسط.

لهذا (كما ذكرت) كانت هذه الخطوة مفاجئة للمتابعين في ليبيا، رغم حدوث بعض الإرهاصات البسيطة، لكنها لم تشِ بهذا الموقف الذي أقل ما نستطيع وصفه به أنه موقف "متقدم" من الولايات المتحدة تجاه الأزمة الليبية، قياسا على المواقف "حمّالة الأوجه" السابقة.

ثمة عديد من العوامل التي دفعت الولايات المتحدة لاتخاذ هذه الخطوة، أهمها: الوجود الروسي على الأرض من خلال مشاركة جنود من شركة "فاغنر" الأمنية الروسية في القتال مع عناصر حفتر، رغم تأكيد بوتين أن الشركة خاصة ولا علاقة لها بالحكومة الروسية، لكن هذه الرواية لم تقنع الإدارة الأمريكية.

التدخل الروسي "غير المعلن" رسميا في ليبيا لقي حملة إعلامية واسعة في الولايات المتحدة، وهو دافع آخر مهم لترامب لاستيعاب هذه الموجة خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2020، حيث تناولت صحيفتان من كبريات الصحف الأمريكية (نيويورك تايمز والواشنطن بوست) الوجود الروسي في ليبيا.

هذه الخطوة الأمريكية لا يمكن قراءتها بمعزل عن تطورات الأحداث في ليبيا محليا وخارجيا، فالبيان الأمريكي يأتي وسط جمود عسكري على الأرض، وقبيل انعقاد مؤتمر برلين الذي تسعى عديد من الأطراف الدولية لإنجاحه، كذلك الخوف من عودة الإرهاب إلى ليبيا، خاصة بعد أن نقلت صحيفة "ميليتري تايمز" الأمريكية عن مسؤول رفيع في "البنتاغون"، أن مجموعات صغيرة من مقاتلي تنظيم الدولة في ليبيا توجد في مناطق غير خاضعة لسيطرة السلطات الليبية.

لكن السؤال الأهم الذي يقفز إلى أذهان الجميع هو: هل يتجاوز الموقف الأمريكي حدود التصريحات ليدخل حيز الفعل؟

أسباب عديدة تجعلنا نرجح أن الإدارة الأمريكية لن تكتفي هذه المرة بالتصريحات، أهمها:

• الرفض الواضح للوجود الروسي يعزّزه ما قامت به الطائرات الأمريكية من قصف لرتل مرتزقة فاغنر شرق سرت، منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

• إيقاف مالطا شحنة من العملة الروسية لصالح البنك المركزي الموازي والموالي لحفتر، وليس باستطاعة دولة صغيرة كمالطا إيقاف شحنة آتية من روسيا دون ضوء أخضر من الولايات المتحدة.

• الخوف الأمريكي من تمدد روسي في ليبيا بعد خسارتها المعركة مع الروس في فنزويلا، وتنامي الوجود الروسي وسيطرته على نسبة كبيرة من الاستثمار النفطي في العراق، حسب مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، وبالتالي فإن ترك الساحة للروس في ليبيا يُعدّ أمرا مستبعداً.

• التعاون الأمني الأمريكي في مجال الإرهاب، وهو ما عزّزه وجود السيد باشاغا على رأس وزارة الداخلية، وهو الذي يرتبط بعلاقات جيدة مع الأمريكان منذ ثورة فبراير 2011، مرورا بقتال تنظيم الدولة بسرت في 2016، وانتهاء بالحوار الأمني الأمريكي هذا العام.

استجابة حفتر للدعوة الأمريكية بإنهاء هجومه على طرابلس رهينة بتراجع الروس، خاصة مع التراجع الإماراتي الواضح في المنطقة بأسرها لأسباب عديدة، أهمها الهشاشة التي ظهرت عليها في أزمة الخليج مع إيران، وتزايد الفضائح المتعلقة بحربها في اليمن مما جعلها دولة سيئة السمعة في المنطقة وأصبحت تحرج حلفاءها. ورغم صلابة الكرملين في عديد من المواقف خاصة عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، فإن هناك أسبابا تجعل هذه الصلابة تلين أبرزها:

• نفي الروس لاتهامات الأمريكية بإذكاء الصراع في ليبيا على لسان نائب رئيس اللجنة الدولية بمجلس الفيدرالية "فلاديمير جاباروف"، بحسب ما نقلته وكالة سبوتنيك الروسية.

• لا يمكن لروسيا أن تفعل بليبيا ما فعلته بسوريا لعدم توفر الغطاء المالي والعسكري في الحالة الليبية، ووجودها في سوريا المتمثلة في أموال إيران وجنودها إضافة إلى جنود حزب الله. وباستطاعة الولايات المتحدة أن تصد سيلان الأموال الإماراتية لحفتر.

• تاريخيا، ليبيا ليست ضمن النفوذ الروسي بعد تفاهمات الحرب العالمية الثانية.

بقي التنبيه إلى أمر وهو بعض الآراء التي تنتهج التفسيرات التآمرية للأحداث، والموغلة في السطحية والإسفاف، والتي اتخذت من وصف بيان الخارجية الأمريكية لقوات حفتر بـ"الجيش الوطني" (بين ظفرين)، وهو أسلوب تتبعه الإدارة الأمريكية في وصف كل جهة بالاسم الذي يتسمّى به صاحبها، متناسين اللقاء بمسؤولي الوفاق والدعوة الرسمية الموجهة إليهم، إضافة إلى إشارة البيان إلى تورط حفتر بالاستعانة الروسية.