كتب

قراءة تفصيلية في مرتكزات ما بعد الحداثة الفلسفية والفكرية

نقاد: تصنيف ما بعد الماركسية أقرب للدقة من مفهوم ما بعد الحداثة المختلط باستخدام أدبي شائع- (عربي21)

الكتاب: الحداثة وما بعد الحداثة 
الكاتب: بيتر بروكر، ترجمة: جابر عصفور، مراجعة: عبد الوهاب علوب
الناشر: رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة- الطبعة الأولى 2019
عدد الصفحات: 375 من القطع الكبير.

يواصل الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني في الجزء الثاني من قراءته لكتاب "الحداثة وما بعد الحداثة"، للكاتب "بيتر بروكر"، استعراض المرتكزات الفلسفية والفكرية لعصر ما بعد الحداثة، من خلال التركيز على منطق الفيلسوف الفرنسي جان بودريار وإسهاماته في التأسيس لما بعد الحداثة .

ما بعد الماركسية وما بعد الحداثة

يُعَدُّ الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (1929- 2007) أحد أهم من اشتغلوا بتحليل الخطاب الإعلامي العالمي وأثر هذا الخطاب على الأفراد، وله أطروحات شهيرة في هذا المجال. ويُعَدُّ بودريار أيضًا أحد فلاسفة ما بعد الحداثة أو ما بعد الماركسية كما يصنّف هو نفسه. 

ويرى النقاد أنَّ تصنيف ما بعد الماركسية أقرب للدقة الفلسفية من مفهوم ما بعد الحداثة المختلط باستخدام أدبي شائع. ما بعد الماركسية عند بودريار تعني تجاوز الماركسية من خلال الانطلاق منها أولا. وهذا واضح جدا خصوصا في الفترة الأولى من مسيرة بودريار، ففي أواخر الستينيات أصدر المثقف الملتزم كتابه "نظام الأشياء" والذي يكشف فيه كيف تبرجز الناس من خلال سقوطهم في هوس الاستهلاك الذي تجاوز الحاجة إلى اعتبارات نفسية واجتماعية. أي أن الناس لم يعودوا يستهلكون الأشياء من منظور حاجتهم لاستخدامها بقدر ما يستهلكونها بسبب حاجتهم النفسية والاجتماعية. أصبح للعلاقة بين السلعة وقيمتها (الدال والمدلول) قيمة رمزية جديدة، بدأت تفارق فيها السلعة معناها الأول. 

 

ينتمي جان بودريار لعصر ما بعد الحداثة، وتقوم وجهة نظره على أن فكرة الاستهلاك طغت على التركيزعلى الإنتاج في الماركسية الكلاسيكية وأنَّ تقنيات الاتصال محت كل إشارة إلى ماهو "واقعي".


لقد اشتهر جان بودريار في الجامعات الأمريكية واعتبر واحدا من أهمّ المفكرين الفرنسيين ذوي الدرجة العالية من التأثير في الخارج تماما كمواطنه جاك دريدا، وقد عرفه الجمهور العريض في فرنسا من خلال مداخلاته في الصحافة، هذه المداخلات التي سبّبت له عديد العداوات والكراهية، مثل مقاله (حرب الخليج لن تقع) بجريدة liberation في 4/01/1991 أو (فكر الإرهاب) le monde في 2/11/2001 غداة أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

ومن ميزات هذا الفيلسوف المختلف هو تأسيسه لعملين ضخمين بأسلوبين وطموحين نظريين مختلفين. فبعد أيار (مايو) 1968 وخلال فترة السبعينات من القرن الماضي، وكعالم اجتماع، كان يعدّ واحدا من أهمّ من قام بتحليل الاستهلاك الجمعيّ من خلال عمله الكلاسيكيّ "مجتمع الاستهلاك"، ثم اندفع بعد ذلك من الثمانينات وحتى رحيله، في مشروع فلسفيّ أكثر شمولية وأوسع رؤية، بمساءلته ظاهرة الإزاحة المتصاعدة للواقع لصالح الافتراضيّ. ومن أعماله: "نظام الأشياء" و"مجتمع الاستهلاك" و"التبادل الرمزيّ والموت".

ينتمي جان بودريار لعصر ما بعد الحداثة، وتقوم وجهة نظره على أن فكرة الاستهلاك طغت على التركيزعلى الإنتاج في الماركسية الكلاسيكية وأنَّ تقنيات الاتصال محت كل إشارة إلى ماهو "واقعي".

تفكيك الثوابت

لقد علت صيحات الاستقلالية الفنية منذ مطلع القرن العشرين كمظهر للشمولية البرجوازية والقيم التبادلية للسوق. في حين أنه في ظل الحداثة، كان ثمة تراجع نحو اللامبالاة المثلى للفن، يحيى جنباً إلى جنب مع تحدًّ إبداعي مضاد تجاه الحاضر يتطلع إلى مستقبل تحولي. وما بعد الحداثة عند بودريار لا تعرف مثل هذا التضاد. ففي عالم تُستغل فيه التقنيات السريالية لبيع السجائر والمنتجات الاستهلاكية ويتبع الفن فيه خطوط الموضة، يبدو المشروع السياسي الأصلي للإبداع التاريخي فقد كل صدقية له.

ويبقى الخيار الأول وحده يمثل تراجعاً إلى جماليات الفن ينحو نحو إعادة ترميم ما خلفه القرن الآفل من انحطاط ولا يملك إلا أن ينكر هذا الاتهام على أساس أنه (او العالم بعد الحديث) استغنى عن فروق عتيقة من قبيل (الفن والحياة) (أو الدالة والمدلول). ولكن كما رأينا، فإنَّ كلا من ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة ليسا في حاجة إلى أن يتخذا مسلك بودريار الوعر.

والخيار الآخر (الذي ينتمي إلى نظرية التفكيك والحداثة المتأخرة) قد يستكشف توترات النص والعالم الذي يدور فيه. فيفتح بوابات الماضي ويفكك ثوابته. وإذا سألنا عن سياسات هذا المشروع، فإنَّنا مسوقون بصورة خاصة نحو مناقشة تدور حول ما بعد الحداثة والماركسية.

يقول بيتر بروكر في هذا الصدد: "تشتمل تأملات بودريار على رأيه في معنى ما بعد الحداثة. ولا غرو أنها وجدت ضالتها المنشودة في "الجنة التي تحققت" في أمريكا الشمالية، في الأرض التي لا حضارة لها، حيث "تتاح الفرصة لكل ما راود أحلام أوروبا لكي يتحقق على أرض الواقع". فأستاذ الجامعة الأجنبي عاشق المظاهر انبهر منذ اللحظة الأولى بالغانية الأمريكية. وكان ظهور هذا الاتجاه من ما بعد الحداثة الفرنسية الأمريكية (والذي جرَّ في أعقابه "سوء فهم" لما بعد البنيوية) مدعاة لمزيد من التعديل لأي تحليل للأزمة. فإذا كانت خصائص ما بعد الحداثة (والحداثة أيضاً) تحددت تاريخياً وثقافياً، إلا أنها ليست منغلقة ثقافيا. 

والحقيقة أن أحد أكثر أوصاف ما بعد الحداثة إقناعاً هو التحول الذي عجل به وساعد على حدوثه التغيير الاجتماعي والتقني إلى تعددية مكونات التبادل بين الثقافات من تعبيرات وحوار بين الفن والأكاديمية وبينهما وبين الأشكال الشعبية أو العامية. فتصبح "ما بعد الحداثة" هي نفسها أفضل أعراض التباين والاختلاف.

هذه الأصوات العديدة تشترك جميعاً في الحوار وفي الإجماع والخلاف فيما قد يبدو كأنه جلبة حول "الجديد" ومن هذه المناظرات فيما بين الثقافات الفكرية مناظرة بين "الماركسية الغربية" لمدرسة فرانكفورت متمثلة في يورجن هابرماس وما بعد الحداثة بعد البنيوية الفرنسية أوضحت الدين الذي تدين به ما بعد الحداثة لنيتشه (وكانت أول إشارة إليها صدرت عن ديليوز Deleuze في كتابه بعنوان Nietzsche and Philosophy  (نيتشه والفلسفة، 1962) ثم جاءت ما بعد البنيوية لتمثل تحدياً لنمط اللغة البنيوية ولكم هائل من الثوابت التي تعتمد على "ما وراء طبيعة الوجود" (وتحديّاً للكلام الذي يعتمد على الكتابة، وللكاتب على نصه، وللذكر على الأنثى، وللطبيعة على الثقافة، وللجوهر على الظاهر، ولله على الجميع)، بل تمثل تحدياً سياسياً لدعاوى العقل والتقدم المستنير. 

قضايا نظرية المعرفة

وحينئذ يصبح هذا التحول عن قضايا نظرية المعرفة (سبل المعرفة) إلى قضايا علم الوجود (سبل الوجود والسلوك في الدنيا) تعبيراً عما يراه البعض ضرورياً وجوهرياً في التحول إلى ما بعد الحداثة ذاتها. وكان هذا الربط والنقد المزدوج واضحاً ولاسيما في The Postmodern Condition (الحالة بعد الحديثة، 1979) لليوتار Lyotard (ص49- 50 من الكتاب)..

كانت أعمال بودريار تثير الشك في مبادئ الماركسية والبنيوية حتى إنه بلغ حدَّ إنكار كافة النماذج التي تفترض وجود فارق بين السطح والأعماق، وذلك في تناوله ارتباط المجتمعات الرأسمالية الحديثة بالاستهلاك أكثر من الإنتاج، وبالدالة أكثر من المدلول. ويقال إن تقنيات الاتصال بعد الحديثة وعلى رأسها التليفزيون غمرت الدنيا بصور ذاتية التوليد، وتعكس الصورة الذاتية، وتمر اليوم بمرحلة يوتوبية مثالية من الوفرة والتبذل والتفاهة في أمريكا الشمالية التي "تفتقر إلى الثقافة والحضارة" في رحلتها نحو تحقيق هدفها النهائي.

وكانت الدراسات المبكرة التي قام بها بودريار تتناول موضوعات ما بعد البنيوية وغيرها بحيث كانت تشير إلى "تراجع" مثقفي اليسار عن السياسة في أواخر السبعينيات والثمانينيات، وجعلت من بودريار (مرشداً) شعبياً ومعلماً ذائع الصيت. وفي عام 1988 وصفته صحيفة "جارديان" بأنه "أكثر النقاط سخونة في دائرة نيويورك الثقافية". وقد يكون من أسباب ذلك الغلو المتزايد الذي اتسمت به آراؤه وآراء تلاميذه ورفاقه. ويقال إنه مادام الواقع مضى بلا رجعة فليس ثمة مبررات للبحث عن علاج أو حتى للقلق. كما أن أي قلق على البنّى القومية والمتعددة القوميات لقوة الإعلام والمال توازنه مجموعة الأدوار الجديدة والصور والرموز التي تقدمها. وفي الوقت نفسه فإن ذيوع صيت بودريار لا مجال فنكاره لمجرد عرَض زائل، خاصةً لدى نقاده ممن التزموا بتحليل منطقي للتغيير التاريخي الحق.
 
في هذا البحث الرئيس الآخر الذي يدور حول معنى ما بعد الحداثة، يستعير لوتار مفهوم لعبة "اللغة" من ويتجنشتاين في جدله حول النموذج بعد البنيوي الذي ينتمي إلى نيتشه في مواجهة أي نظام لغوي توحيدي أو حقيقة ضمنية أساسية. ويرى في المعرفة العلمية نموذجاً لألعاب اللغة الابتكارية واستراتيجية يطلق عليها اسم "مغالطة" إضافة إلى ذلك، يوسع ليوتار نطاق نقده ليقترح أن الواقع الاجتماعي المضطرب الراهن لا يمكن أسره في "سرد قصصي كبير" يرسم غائية تاريخية نحو المساواة والعدالة.

 

أحد أكثر أوصاف ما بعد الحداثة إقناعاً هو التحول الذي عجل به وساعد على حدوثه التغيير الاجتماعي والتقني إلى تعددية مكونات التبادل بين الثقافات من تعبيرات وحوار بين الفن والأكاديمية وبينهما وبين الأشكال الشعبية أو العامية

 
وما يقصد إليه ليوتار هنا هو الماركسية وتراث التنوير ولاسيما اتجاه هابرماس إلى إعادة صوغ المادية التاريخية كنظرية عن التقدم الاجتماعي في نقده لما بعد البنيوية. وكان هابر ماس وصف أديبي ما بعد البنيوية ديريدا وفوكو بأنهما "شابان محافظان" استعملا "اتجاهات حداثية لتبرير نزعة عنيدة تناهض الحداثة في تركيزهما الإبداعي على التجريب والحدة والرغبة في نزع الغطاء الذي يستر العقلية الإدارية". فمشروع التنوير في نظر هابر ماس لا تتم تصفيته، بل هو قابل للتجدد. 

وتظل الحقوق المدنية وحقوق الإنسان وحق تقرير الإنسان الديمقراطي لذاته أهدافاً يمكن تحقيقها والكفاح في سبيلها تحكمه أعراف الإجماع والعقل الصريح. وأشار فريدريك جيمسون إلى هابر ماس وكيف انحصر التزامه في إطار الظل التاريخي للفاشية. ومع ذلك فمن الخطأ اعتبار ذلك قاصراً على الشخصية والتاريخ القومي الألماني، والمخاطر في مناقشة هذا الأمر كبيرة ولها أهمية حيوية بالنسبة للماركسيين وأنصار النظرية النسوية وغيرهم في العالم الأول والثاني والثالث ممن يلتزمون بنوع من القصص يهدف إلى التغيير والتطوير السياسي والثقافي.

يقول بيتر بروكر: "كان لمقالات جيمسون وآرائه عن ما بعد الحداثة دور كبير في الإبقاء على هذا القصص العام حيّاً ونشطاً. فهو يصف ما بعد الحداثة بأنها "هيمنة ثقافية" أو نتيجة مترتبة على رد فعل تجاه الحداثة وعلى تحول حاسم من الاحتكار إلى الرأسمالية المتعددة الجنسيات، وهذا التوسع الكبير في السوق العالمية وما صاحبه من تطورات في وسائل الإعلام الالكترونية اخترق كافة جوانب الوجود الإنساني ومستوياته، ما أدى في رأي جيمسون، إلى ظهور عالم شهدت أحواله تغيرات اجتماعية ونفسية مكثفة وعميقة(ص 51 من الكتاب).

 

إقرأ أيضا: عصر "ما بعد الحداثة" ارتبط بفلسفة التفكيك والعدميّة والإقصاء