كتاب عربي 21

وما صاحبكم بمجنون!

1300x600

في السادس من حزيران (يونيو) من العام 1982، وفي ذكرى احتلال إسرائيل لما تبقى من أرض فلسطين التاريخية ومعها أجزاء واسعة من الأرض العربية المجاورة، وفي الوقت الذي أطلق فيه الجيش الإسرائيلي عملية اجتياح لبنان، لم يجد الشاعر خليل حاوي غير بندقية صيد ليطلق من خلالها النار على نفسه هربا من حياة الذل المبشر بها تحت نير الاحتلال القادم من الجنوب. يحكى أن حاوي تابع نشرة الأخبار المسائية في منزل صديقه شقيق عطايا وفيها أخبار عن بدء الاجتياح. أنشد قصيدته "في الجنوب" ثم قال لرفيقه: "الجنوب في قلبي، من سيمحو العار عني؟ الأفضل أن أنتحر".

مرحلة ملتبسة

لم يكن خليل حاوي أول من وجد نفسه في مواجهة انهيار أدبيات ومشروع آمن به وظل مدافعا عن شرعيته حتى الرمق الأخير قبل أن يصدم بواقع مرّ وحقائق نسفت المسلمات وجعلت للشك السيطرة الكاملة على العقل والوجدان. حاوي اختار البندقية سلاحا "رحيما" وآخرون لم يسلموا من نفس المصير انتحارا أو إقامة في أروقة مستشفيات الأمراض العصبية أو هذيانا في الشوارع والأزقة لا يلوون على شيء. في حاضرنا، لم يعد للمثقف أو المناضل العربي من شرف يدافع عنه أو عار يدفعه عنه، رغم المهانة والذل والهوان الذي صارت إليه أحوال الأمة المثخنة بالهزائم المتلاحقة والخرائط الممزقة وكل أشكال الخنوع والانبطاح والإذلال. فالخيانة لم تعد عارا أو مدعاة للخجل بل صارت لدى البعض مدعاة للتفاخر والتباهي، وعملة رائجة للتسلق والترقي. بيع الوهم بمقابل أو دونه شعار مرحلة ملتبسة اختلطت فيها المفاهيم وسقطت المبادئ وشاعت الردة وانتشرت هنا وهناك وفي كل مكان.

 

حاوي اختار البندقية سلاحا "رحيما" وآخرون لم يسلموا من نفس المصير انتحارا أو إقامة في أروقة مستشفيات الأمراض العصبية أو هذيانا في الشوارع والأزقة لا يلوون على شيء


رجال دين ألبسوا الحق بالباطل وخانوا الآيات والأحاديث وطوعوا النصوص نصرة لاستبداد الحكام، وساسة خانوا التاريخ والجغرافيا ونظروا لبيع الأراضي والتسليم بالاحتلال حليفا ضروريا في مواجهة عدو مختلق يحقق أهداف السيطرة الأمريكية على مقدرات الأمة ومستقبلها. أما المثقفون فخانوا المبادئ والمواثيق والأعراف ونظروا للتجهيل سبيلا للسيطرة على العقول. وعلى نفس النهج سار كثير ممن لبسوا عباءة الحقوقيين لعقود تحولوا بعدها من الدفاع عن المضطهدين إلى التشهير والتحريض وتبرير سلب الحرية وسفك الدماء. تلك صورة سوداء لواقع عربي عرف في أقل من عقد من الزمن تحولات دراماتيكية انتقلت من الأمل المفتوح على مستقبل تحترم فيه الحقوق وتصان الأعراض وتشارك في رسمه الشعوب، إلى درك أسفل من الذل طال الأفراد والجماعات على حد سواء.

من سيمحو العار عنا؟ لا أحد يطرح السؤال ليستمر بيع الوهم بثمن أو بدونه شعارا.

ظاهرة رجل الأعمال المصري محمد علي


ضجت المواقع والشاشات في الأيام الأخيرة بفيديوهات الممثل والمقاول المصري محمد علي كاشفا ما اعتبره فسادا للمؤسسة العسكرية المصرية وزعيم الانقلاب. لم يكن في الأمر ما يدعو للاحتفاء أو التهليل فالأمر لم يكن سرا بل كان يتم أمام العالمين دون خجل أو ذرة حياء. وبدل إدانة الفعل تم التطبيع الكامل معه والإذعان لمقترفيه. الشعب المصري مغلوب على أمره لا شك في ذلك، و"طليعته" الثورية موزعة بين السجون والمنافي والمعتقلات. ولا مجال لتحميل المواطن ما لا طاقة له به وهو المكتوي بلهيب تأمين اللقمة ومجاراة إيقاع حياة كئيبة فرضت عليه وإن ساهم في جزء منها وهو يشتري الأوهام من بائعيها العسكر والمدنيين.

وإن كان من فائدة تحسب لفيديوهات محمد علي فقد تكون مساهمتها في تحريك المياه الآسنة وإعادة "الأمل" في يوم قد تتوحد فيه الجهود وتشخص الأبصار في اتجاه العدو المشترك الذي ينهش في قوت المواطن ومقدرات البلد منذ اعتلاء السيسي عرش مصر حاكما أوحدا له السؤال ولا من يسأله عما اقترفت يداه وأيدي مقربيه. لكن "الثورة" المنشودة تحتاج إلى تحضير على الأرض يأخذ بعين الاعتبار مخلفات ما يقارب سبع سنوات عجاف أتت على الأخضر واليابس ووأدت أي أمل ممكن في الإصلاح.

يمنّون النفس بالثورة

يعتقد كثيرون أو يتوهمون أن الثورة قادمة لا ريب فيها، وهم يمنون النفس أن تكون حالة الاستياء التي خلفها محمد علي و"تسريباته" كفيلة بتحريك المصريين وإخراجهم للشوارع طلبا لإسقاط السيسي، بل ذهب بهم الوهم حد الظن الحسن بقيادات عسكرية، هي في الأول والأخير شريكة في هدر حقوق المصريين وسفك الدماء واعتقال الآلاف دون وجه حق، للثورة ضد "قائدها" تطهيرا للدنس الذي لحق بالمؤسسة العسكرية من الفرد الحاكم المستبد، ويقترحون لذلك سيناريوهات وأسماء. هم في الحقيقة إما يبيعون الوهم للمصريين ويدفعونهم لأمل خادع لا مؤشرات علمية على تحققه، أو أن على أبصارهم غشاوة وهم لا يبصرون. في كلتا الحالتين خطابهم لن ينتج غير "عاهات" ربما يشكل وائل غنيم وفيديوهاته التجسيد الفعلي لها مهما جاهدوا للتغطية عليها وتجاهلها لأنها كاشفة فاضحة لما آلت إليه الأوضاع وسارت إليه مصائر خيرة من شباب مصر الذين تصدوا للثورة وقادوها قبل سنوات.

 

يعتقد كثيرون أو يتوهمون أن الثورة قادمة لا ريب فيها، وهم يمنون النفس أن تكون حالة الاستياء التي خلفها محمد علي و"تسريباته" كفيلة بتحريك المصريين وإخراجهم للشوارع طلبا لإسقاط السيسي،


قبل أسابيع كان الحديث عن رسائل مسربة من السجون من شباب الإخوان يطلبون فيها من القيادات بالخارج صفقة تخرجهم من ظلمات الزنازين وغياهب السجون. وقتها صار الحديث عن شباب سجناء وآخرون ينعمون بالحرية والامتيازات خارج البلد بعد أن تمكنوا من الإفلات من زبانية النظام الانقلابي. لم يعلم من روجوا للخطاب ذاك أن "الفئة الناجية" بالخارج ترزح في جزء منها تحت وطأة الخذلان والمصير الغامض وغياب الأمان ومعها عوارض أمراض نفسية وعصبية وإحساس بالذنب لا تقل وطأتها من معاناة سجين محجوز بين أربعة حيطان.

وائل غنيم الذي نال من التجريح ما نال، خرج إلى الجميع معريا واقعا سوداويا لثورة أكلت أبناءها وحولتهم لمجرد حطام وأجساد بلا روح. شاب متقد الذكاء لم يكن ينقصه من رفاهية الحياة شيء دفعه الحماس للمشاركة في ثورة شبابية تحمل بعدها وزر الدفاع عنها وتبرير تراجعاتها وتقلبات أبنائها، فكانت النتيجة في الأخير نزوعات انتحارية كما فعل خليل حاوي قبل عقود.

في أمريكا نفسها ربما لا يزال يقبع شاب مغربي باسم سعيد بنجبلي في مشفى للأمراض العقلية، وهو الذي اتخذ داويد بنجبلي اسما له بعد إعلانه الإلحاد ثم النبوءة فالألوهية بعد أن كان عضوا نشيطا في جماعة العدل والإحسان ثم حركة 20 فبراير مفعما بالأمل في "ثورة" تغيير. انتهى به المطاف إلى الخواء الفكري ناشرا نبوءاته على مواقع التواصل الاجتماعي مثيرا للشفقة حينا وللضحك أحيانا. بنجبلي من نفس عمر وائل، سعى مثله بين المنظمات والأحزاب والجماعات، وصنفته جريدة الإكسربس الفرنسية من بين مائة شخصية مؤثرة بالبلاد. لكن عقله المؤمن "ظل يتلقى الضربات تلو الضربات" حتى اكتشف فجاة أنه "فقد الإيمان". والإيمان ليس مجرد إيمان بالله ورسوله بل يتعداه إلى كل المعتقدات والمبادئ والأفكار.

خرجات وائل غنيم الأجدر بالتحليل فهي جرس إنذار كان لا بد منه في فترة الانجرار وراء من يصدرون وهم الثورة وهم يعيشون هناك بعيدا مع كوابيسهم وعقدهم النفسية التي لا تقل تدميرا للذات وللآخرين.

لسنا اليوم في حاجة إلى محاربي الساموراي الذين يقدمون على الانتحار عند الإحساس بالعار أو الفشل في أداء الواجب. لكننا أيضا في حلٍّ ممن يدفعون بالغير إلى الانتحار.