كتب

المغرب.. من السلفية الإقصائية إلى السلفية المستوعبة

كتاب مغربي يعرض لمفهوم السلفية وتمثلاته عند مختلف أطيافها (عربي21)

الكتاب: السلفية الجامعة- من سلفية الفئة إلى سلفية الأمة
الكاتب: الدكتور مصطفى بن حمزة
الناشر شركة النشر والتوزيع المدارس- الدار البيضاء
الطبعة الأولى 2019
عدد الصفحات: 208


يقدم هذا الكتاب مساهمة علمية نوعية في رفع كثير من الالتباس عن مفهوم السلفية وتمثلاته عند  مختلف أطيافها، كما يرصد بمنهجية بحثية رصينة تطور التيار السلفي من خلال أهم مكوناته، ويدخل في سجال علمي ومعرفي حول الفهم الذي قدمه تيار من السلفية لمفهوم السلف، ويعرض بالنقد للضوابط والخصائص والمعايير التي اشترطتها هذه الفئة على كل من يريد أن ينتسب لأهل السلف، نازعة صفة السلفية عن غير من لم يلتزم بها، إذ حاول مصطفى بن حمزة العالم المغربي وعضو المجلس الأعلى العلمي بالمغرب أن يدقق في هذه الشرائط، ويرفع عنها الطابع اليقيني القطعي الذي ألبسته إياه هذه الفئة.

وقد حرص المؤلف في مقدمة كتابه أن يبين مقصده من الكتاب، وأنه لا ينوي محاكمة اتجاه من الاتجاهات السلفية، بقدر ما يقف عند حدود البيان، وإبراز مواقع الخلل في فكر التجزئة التي يحدثها الداعون إلى الاستئثار بالسلفية مع الدعوة إلى تفعيل ثقافة المراجعة والتأمل والتفكير بقصد إعادة النظر في مشروع التجزئة والإقصاء الذي تحدثه مثل هذه الأفهام.

 

سبب التباين الواسع بين أطياف السلفية، يرجع إلى أمور موضوعية


تكمن إذن أهمية الكتاب في كونه يحاول أن يناقش نمطا من الفكر السلفي يحاول أن يحتكر مفهوم السلف، ويضيقه بفرض جملة اشتراطات تقوي نزعات التجزئة وإخراج طوائف من الأمة من الدائرة السنية.

السلفية.. التباسات المفهوم وإشكالاته

يحرص الدكتور مصطفى بن حمزة على أن ينطلق من ضبط المفاهيم أولا، ويرى أن تعدد الجسم السلفي وامتداده في الزمان والمكان، لا يغني عن فحص المفهوم وإعادة النظر فيه برفع الإشكالات التي تصاحبه، ولا يشكل كل الصعوبات التي تكتنف البحث، ويؤكد على ضرورة أخذ الإشكالات المعرفية بعين الاعتبار، وبشكل خاص، إشكال تحديد مفهوم السلفية وإشكال التشعب في الجسم السلفي.

يتوقف الدكتور ابن حمزة في إشكالات المفهوم على معيارين اثنين يتم في الغالب اللجوء إليهما لرسم حدود المفهوم:

1 ـ المعيار الزمني الذي يقصر السلفية في مرحلة زمنية من مراحل تكوين الأمة، استنادا إلى حديث: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم...." ويرى أن الاحتماء بهذا المفهوم لا يسلم من اعتراضات تتعلق بتحديد مفهوم القرن، وإخبار القرآن بخيرية الأنبياء والصالحين من الرجال والنساء قبل البعثة النبوية، ويخلص إلى أن الحكم الوارد في الحديث هو حكم أغلبي، وليس عاما بحكم أن هذه القرون (عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) عرفت نشأة المبتدعة من الشيعة والخوارج كما ظهرت فيها السبئية من الروافض، وحدثت في عهد الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري وغيرهم.

2 ـ المعيار الموضوعي: وهو المعيار الذي تم اللجوء إليه بعدما تعرض المعيار الأول في التحديد المعرفي لاستدراكات كثيرة، فتم اللجوء إلى تحديد الخصائص العقدية المشتركة  بين الذين يستحقون أن ينسبوا إلى السلفية، إذ أصبح السلف بهذا المعيار هم أهل السنة والجماعة الذين يتميزون بأسلوبهم في تقرير قضايا العقيدة والدفاع عنها ضد العقائد الفاسدة. ومع ميل الدكتور بن حمزة إلى الإقرار بسعة المفهوم وشموله لطوائف عديدة من الأمة، بدل قصرها في فئة واحدة، إلا أنه تعرض لبعض المعايير والشرائط التي حاول بعض العلماء وضعها للتمييز بين أهل السلف وغيرهم من المبتدعة، ومن ذلك اشتراط البعض مثل الإمام ابن تيمية ضابط عدم الخوض في القضايا الكلامية للتمييز بين أهل السلف وغيرهم من المبتدعة، ويرى أن هذا الشرط يسد الباب على علماء الأمة لتوسل الحجاج الكلامي وأدوات المتكلمين في الدفاع عن العقيدة وتقرير أصولها السنية.

وإلى جانب إشكال المفهوم، تعرض ابن حمزة لإشكال التشظي والتشعب الذي يحول دون صياغة تعريف شامل ومستوعب للسلفية، ويعتبر بن حمزة أن سبب التباين الواسع بين أطياف السلفية، يرجع إلى أمور موضوعية يرتبط بعضها بتباعد الزمن عن بداية الدعوة الأولى، كما يرتبط بعضها الآخر بتفاعل التيارات السلفية مع محيطها الذي فرض عليها أولويات الاشتغال، إذ ميز ابن حمزة بين السلفية التي تعيش في المناطق الواقعة تحت الاحتلال والتيارات السلفية التي تعيش في أوساط إسلامية لا تشكو الاحتلال، وينتقد ابن حمزة بشدة من يحاول تصوير السلفية على أنها نمط واحد، وأنه لا نتوءات في تضاريسها، ويستعرض برصد بحثي دقيق بداية ميلاد التيارات السلفية وتحولاتها وأهم المنعطفات التي مرت بها، ليستشهد بذلك على أثر البيئة السياسية وشروطها في تكييف تمثلات السلفيين ورؤيتهم العقدية والسياسية.

من سلفية ابن تيمية إلى السلفية المدخلية

ويعرض الكاتب لسلفية الإمام أحمد بن حنبل، ويركز على طابعها الدفاعي، وكيف اتجهت إلى مواجهة المعتزلة بمواقف عقدية، تصدى بها لتيار الاعتزال الذي تمكن من مقاليد الدولة، وأصبح يحاكم أهل السنة. كما يعرض لشكل تجديد ابن تيمية للسلفية بعد أن قويت في عهده مذاهب التشيع والبدع، فاتجه إلى تضييق مفهوم السلفية بجملة اشتراطات، أقصى منها فئات كثيرة من الأمة من الأشاعرة والماتريدية، ومنهم علماء كبار خدموا علوم الشريعة، إذ اشترط من جملة ما اشترط عدم الاشتغال بعلم الكلام وعدم القول بالمجاز ثم عدم تأويل النصوص.

ثم يستعرض تحولات التيار السلفي مع ميلاد الدعوة الوهابية وتحالف ابن عبد الوهاب مع آل سعود وشكل التفاهم على توزيع السلطة الدينية والسياسية، وتأسيس الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة، ويشير الكاتب لجدل الانفتاح والإقصاء لدى السلفية الوهابية، وكيف انفتحت على المدرسة الحديثية الهندية من خلال أبرز علمائها المشاهير (أبرزهم الشيخ أحمد بن محمد الدهلوي)، وأيضا على الشيخ الألباني الذي استقطب للتدريس بجامعة المدينة المنورة، وكيف تم الاستغناء عنه بعد انتقاده لسلفية ابن عبد الوهاب، وكونها اقتصرت على قضايا العقيدة، ولم تتمدد إلى الفقه. 

ثم يستعرض تيارات السلفية بعد الشيخ الألباني، وكيف تفرعت إلى اتجاهين كبيرين: أحدهما رافض للمجتمع، وثانيهما موال ومسالم، يشتغل في حدود ما تتيحه السلفية باعتبارها برنامجا للدولة، ويذكر ضمن تيارات الرفض جماعة جهيمان التي تسببت في أحداث الحرم سنة 1979، ويذكر ضمن تيار موالاة السلطة وخدمة أجندتها محمد بن أمان الجتامي وربيع المدخلي الذي دعا إلى الصبر على الحكام وعدم منازعتهم ولو كان الحاكم هو بريمر. 

 

الاستئثار ببناء مفهوم السلفية بوضع جملة اشتراطات تقصي طوائف من الأمة


ويتوقف الكاتب أيضا على تيار رفضي آخر تشكل على هامش هذين الاتجاهين، يؤمن بالعنف واستخدام القوة، كان من تجلياته بروز جماعة شباب محمد سنة 1939 لكن حجمها تضاءل كثيرا إلى أن قام نبيل البرعي بإحيائها سنة 1958 وانضم إليها إسماعيل الطنطاوي ومحمد بن عبد العزيز الشرقاوي وأيمن الظواهري. كما يعرض الكاتب ضمن تحولات السلفية لظهور النزعة الجهادية في بعض تمثلاتها وذلك منذ سنة 1970.

ويخلص العالم المغربي من خلال الرحلة في بيان المفهوم واستعراض تحولات الجسم السلفي، إلى أن الاستئثار ببناء مفهوم السلفية بوضع جملة اشتراطات تقصي طوائف من الأمة جعل هذه التيارات تجنح للانقسام والإقصاء، وأن منشأ الخلل في ذلك كله يرجع إلى وضع اشتراطات غير توقيفية نتجت عن اجتهادات شخصية في قراءة النصوص الشرعية تم إلباسها لبوس اليقين والقطيعة وتسبب ذلك في بناء ثقافة إقصائية تجزيئية ضيعت المفهوم الواسع للسلفية الذي يستوعب كل طوائف الأمة.

الاشتراطات الإقصائية التي نشرت ثقافة التجزئة في الأمة

لا يدعي الكاتب أنه سيحصر كل الاشتراطات التي وضعتها بعض التيارات السلفية لمفهوم السلفية مضيقة بذلك الفضاء السني وموسعة لفضاء التصنيف والاتهام بالبدعة، وإنما يركز في كتابه على أربعة اشتراطات كانت السبب في التجرؤ على العلماء والتطاول عليهم وإخراجهم من السنة والجماعة، كما أنها كانت وراء التمييز بين طوائف المسلمين وإقصائهم، بل كانت وراء اتهام العلماء بالبدعة مع ما قاموا به في سبيل حماية الإسلام بأرواحهم وفكرهم. 

فتوقف الكاتب ضمن الاشتراط الأول عند ضابط عدم الخوض في علم الكلام الذي أسس له الإمام ابن تيمية، واعتبر أنه غير مسلم وغير مقطوع به، وأن علماء الأمة اشتغلوا بهذا العلم بغاية دفاعية بقصد إثبات العقائد الدينية وإيراد الحجج ودفع الشبه، وأنه لا يمكن إخراج من كانت هذه صفته من دائرة السلف، واستعرض بهذا الخصوص نماذج كثيرة من مناظرات علماء السنة لأصحاب الفرق الأخرى، وكيف كانوا يعتمدون الأدوات الكلامية في حجاجهم لإثبات العقائد ودفع عقائد المبتدعة. وحذر من مخاطر اعتماد هذا الشرط في تحديد مفهوم السلفية، وأنه يفضي إلى إقصاء طوائف كثيرة من الأمة كان لها دور مهم في الذود عن الإسلام ومنهم الأشاعرة والماتريدية وغيرهم.

وناقش باستفاضة اشتراط عدم القول بالمجاز لاستحقاق الانتساب للسلف، مبينا ضعف موقف ابن تيمية، وقول مختلف علماء الأمة بالمجاز، كما بين الإشكال الذي وقع فيه ابن تمية في التعامل مع  المجاز، واضطراره للقول بمفهوم المشترك اللفظي للتغطية على ضعف موقفه، وكيف قال بالمجاز في جملة من توجيهاته لنصوص الشرع.

وناقش شرطين آخرين وضعتهما بعض التيارات السلفية ـ اقتداء ابن تيمية ـ لاستحقاق الانتساب للسلفية،  وهما عدم القول بتأويل النصوص، وعدم الابتداع، واعتبر ابن حمزة أن القول بالتأويل قال به علماء الأمة، وأن ابن تيمية نفسه اعتمده في جملة من توجيهاته، بينما لم يتم استيعاب الجهد العلمي الاجتهادي الذي قام به العلماء (وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي) في تحديد مفهوم البدعة، والتمييز بينها وبين مفهوم المصلحة المستحدثة، مشيرا إلى مخاطر الخلط بين مجال العقيدة والتعبد ومجال العاديات في توسيع مفهوم البدعة وإخراج طوائف من المسلمين من دائرة السنة بهذا الاعتبار.

في سلفية المغاربة

وبعد هذا الجهد المعرفي الذي قام به الدكتور ابن حمزة في توسيع مفهوم السلفية ونقد احتكاره من طرف فئة من السلفيين، انتقل إلى بحث مظاهر سلفية المغرب وتمثلات السلفية المغربية، مركزا على الاختيارات الدينية للمغاربة، وأهم تجلياتها السلفية، فاعتبر أن أخذ المغاربة بالمذهب المالكي كان مدخلهم للسلفية، وتوقف على المظاهر السلفية في الاختيار المغربي للقراءة القرآنية، وأيضا في التفسير السني مركزا بهذا الخصوص على عناية المغاربة بالحديث، ورحلتهم لتلقيه من الإمام مالك بن أنس وتلامذته، وشغفهم بصحيح البخاري وصحيح مسلم وعنايتهم بالشمائل المحمدية. 

وختم كتابه بالحديث عن مقومات النموذج الغربي في التدين، وتفسير دوافع اختيار المغاربة للأشعرية في العقيدة والمالكية في الفقه وطريقة الجنيد في التصوف، مناقشا بهذا الخصوص دعوى بدعية بعض الممارسات الدينية التي عرف بها النموذج المغربي مركزا بهذا الخصوص على ثلاثة نماذج، هي تكرير الأذان يوم الجمعة، وتحية المسجد والإمام يخطب، وقراءة الحزب جماعة، وانتهى الباحث إلى أن الاشتراطات التي وضعت بقصد احتكار السلفية وإقصاء طوائف من الأمة من دائرتها، لم تصمد أمام التمحيص العلمي، وأن تهمة الابتداع التي تلجأ إليها هذه التيارات السلفية لا تقوم على أسس علمية ما يستدعي إعادة النظر بشكل كامل في مفهوم السلفية لجهة تأسيس سلفية الأمة بديلا عن سلفية الفئة.