قضايا وآراء

وماذا بعد رحيل الرئيس مرسي؟!

1300x600

رحل عن عالمنا أول رئيس مدني مصري منتخب ديمقراطيًا، الدكتور محمد مرسي، وهو في سجنه دون أن تلين له قناة أو تنثني عزيمته، مات صامدًا واقفًا بين جلاديه الظلمة من العسكر، وأدواتهم من القضاة الذين خانوا منصّة العدالة، الذي من المفترض أنهم جاؤوا لرفعتها، ونصرة المظلومين على الظلمة الفاسدين!

 

انقلاب مدبّر


رحل عن دنيانا الرئيس مرسي، بعد أن حاول كشف الحقيقة للشعب المصري وللعالم، الحقيقة التي تؤكد إجرام السيسي ومن معه في حق مصر، والمنطقة كلها.

الحقيقة التي يعرفها الداني والقاصي أن السيسي رتّب منذ فترة للانقلاب على المسار الديمقراطي، واستخدم كل الوسائل الخبيثة والقذرة لسلب مصر حريتها وكرامتها، وتسليمها طواعية لأعدائها.

 

مثّل استشهاد الرئيس محمد مرسي في محبسه، انطلاقة ونفرة لكل الشعوب العربية والإسلامية، وكل الأحرار في العالم


هذه الحقيقة التي كشفت للمصريين مدى إجرام الطغمة الحاكمة من العسكر، وكل من دعمهم إقليميًا ودوليًا للانقضاض على أول تجربة ديمقراطية بعد ثورة يناير، التي يريد السيسي ومن يدعمه طمس معالمها، وإزالة كل آثارها، ومواجهة كل من تفاعل معها بالسجن والقتل والتضييق.

ولعل الفرق في المعاملة بين الرئيس مرسي والمعتقلين السياسيين، وبين معاملة المخلوع حسني مبارك، الذي ظل نزيلاً بمستشفى المعادي العسكري، ومستشفى طرة بعد تجديدها، خير دليل على ذلك.

هدف السيسي من قتل الرئيس مرسي

يريد السيسي، ومن يدعمه، بالتخلص من الرئيس مرسي؛ طي صفحة الشرعية والثورة المصرية، التي أتت بأول رئيس مدني بشكل ديمقراطي، وشل حركة كل من يطالب بالتغيير في مصر والعالم العربي، وبث روح اليأس والقنوط لدى الشعوب العربية، والقبول بالأمر الواقع الذي فرضه بانقلاب عسكري دموي. 

ولذلك قام بمنع ذوي الرئيس مرسي ومحبيه من الصلاة عليه، وإعطائه حقه الطبيعي في جنازة تليق به كرئيس، ودفنه فجرًا حتى لا يشهد جنازته أحد، بعدما رفضت السلطات الأمنية رغبة عائلته التي طلب دفنه في مسقط رأسه في محافظة الشرقية، ولم يحضر جنازته سوى عدد قليل من أفراد عائلته ومحاميه، ولم يطّلعوا على تقرير الطب الشرعي. وإعطاء التعليمات لكل مساجد الجمهورية بعدم صلاة الغائب عليه، ومطاردة من يخالف ذلك، بل من المؤسف، أيضًا، ذكر خبر وفاته في سطرين مع ذكر اسمه مجردًا، والشماتة غير الإنسانية في وفاته!
 
ولكنّ الله خذل السيسي، ومن على شاكلته، بخروج كل الأحرار، وأصحاب الضمائر الحيّة في العالم لصلاة الغائب عليه، والتفاعل مع قضيته، والتنديد بجرائم السيسي، وممارساته في مصر.

 

بقايا من شرف وكرامة


وفي الحقيقة لن يستطيع السيسي، وابن زايد، وابن سلمان، ومن يدعمهم من الصهاينة والأمريكيين، نزع الروح التي تسري في نفوس كل الشرفاء والأحرار في مصر والعالم العربي، الذين يواجهون بصدورهم العارية شتى أنواع الظلم والجبروت الذي يمارسه هؤلاء الفسدة باستخدام المال الحرام، والآلة الإعلامية الجهنمية، ومقدرات الشعوب، لسلبهم الحرية والكرامة.

أقول: على الرغم من كل هذه المعاناة التي تعيشهاالشعوب العربية في مصر وليبيا وسوريا واليمن، وباقي دول المنطقة من كيد الكائدين ومكر المتجبّرين، والتحديات الكثيرة، إلا أنه لا تزال في الشعوب بقية من شرف وكرامة ونخوة.
 
من مِنَّا كان يتصور أن يخرج الشعبان السوداني والجزائري على الطغمة الحاكمة الظالمة هناك، والتي جثمت على صدورهم لعقود من الزمن، ولا يزال الحراك مستمرا، ولن تنقطع الأنفاس، ولن تنعدم الروح في نفوس الأحرار لنيل الكرامة والحرية كاملة.

هل يمكن أن تكون رمزية مرسي وسيلة لعودة الروح إلى الشعوب العربية؟

لقد مثّل استشهاد الرئيس محمد مرسي في محبسه، انطلاقة ونفرة لكل الشعوب العربية والإسلامية، وكل الأحرار في العالم، بل والكثير ممن اختلفوا معه سياسيًا، عبّروا عن غضبتهم لما قام به العسكر الخونة في مصر، ولم يكن الخلاف السياسي حائلاً لمواجهة هذه الطريقة البشعة التي يمارسها السيسي في التخلص من معارضيه، بعد أن استولى على السلطة بانقلاب عسكري دموي، مدعوم من الصهاينة والأمريكيين.

أقول: لابد أن يشكل استشهاد الرئيس مرسي بهذه الطريقة البشعة؛ نقلة نوعية وكبيرة في طريقة تعامل الشعوب العربية مع هذه الطُغمة الحاكمة، التي استولت على مقدّرات الشعوب، وتبذل كل الوسائل لزيادة ذل وقهر واستعباد كل من يبحث عن الحرية والتغيير، ومواجهة الفاسدين المستبدين، ومن أهم هذه الوسائل:

أولًا ـ على المستوى الحقوقي: مطالبة الهيئات والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي، على الرغم من ازدواجيته، بإجراء تحقيق دولي في الجريمة البشعة التي ارتكبها السيسي، ومن معه للتخلص من أول رئيس مدني اُختير بشكل ديمقراطي بعد ثورة شعب عانى كثيرًا من الظلم والاستبداد، واستخدام كل الوسائل القانونية لفضح نظام السيسي في التعامل مع معارضيه؛ بداية من المحاكمات الهزلية لعشرات الآلاف، وانتهاك حقوقهم القانونية والإنسانية، وانتهاءً بقتل المئات منهم بالإهمال الطبي في السجون غير الآدمية، أو تصفيتهم بدم بارد، وتوثيق كل ذلك. فما ضاع حق وراءه مطالب.

ثانيًا ـ على المستوى الإنساني والاجتماعي: بذل كل الجهود للتعريف بكل المظلومين في سجون (السيسي وابن زايد وابن سلمان)، فالكثير منهم يعانون من أوضاع غاية في السوء، وإهمال متعمد من الناحية الطبية، بل التعذيب المُمنهج في التعامل معهم، واستخدام كل وسائل التنكيل في مواجهتهم، والكثير منهم من رموز وعلماء الأمة المشهود لهم بالعلم والوسطية. وللأسف لم يكتف هؤلاء الفسدة المستبدين بسجنهم وتغييبهم، بل يتتبعون الأسر والأولاد، ويعاقبونهم بمنع الزيارات لذويهم في السجون، وإدخالهم في دوامة لا تنتهي من القهر والذل، مع منعهم من السفر، والتضييق عليهم في الأرزاق، وتشويه صورتهم، وتعقُبهم بشكل مستفز.

ثالثًا ـ على المستوى الإعلامي: تسليط الضوء بشكل دائم ومستمر على بصيرة، بكل الوسائل الإعلامية العامة والشخصية، على كل الجرائم التي يمارسها (السيسي، وابن زايد، وابن سلمان) في تدمير شعوب المنطقة لصالح أعدائهم، وسلب كل المقدرات والحقوق لتحقيق أغراضهم، ومحاربة كل من يسعى للتخلص منهم أو يعارضهم. ولا يخفى على أحد ما يبذله السيسي وداعموه في تدمير مصر وليبيا وسوريا، وما يقوم به ابن زايد من دعم مالي كبير لتطويع المنطقة برمتها للصهاينة، باستخدام كل الوسائل القذرة لتحقيق ذلك، ويسير على نهجه ابن سلمان في اليمن الذي دمّرها، وجعلها أرضًا محروقة على أهلها، وأصبحوا جميعًا للأسف، مطية للصهاينة والأمريكان، لتمرير مخططاتهم.

 

الأنظمة المستبدة على مدار التاريخ، وخصوصًا العسكرية منها، تستفيد من هذه الفرقة والتشتت لتمرير أجندتها،


رابعًا ـ على المستوى السياسي: بذل كل الجهود والوسائل للم شمل السياسيين والنخب في العالم العربي، وخصوصًا مصر، الذين يرغبون في التغيير، بإزاحة كل الحكام الذين خانوا العهود، ودمّروا العباد والبلاد لمصالحهم الضيّقة، وأذلّوا شعوبهم لعدوهم، وسلبوا حريتهم وكرامتهم بكل الوسائل الخبيثة.

والاستفادة بشكل حقيقي من التعاطف العالمي مع قضية الرئيس مرسي، وتوظيفها لنصرة قضايا الأمة، ونيل حقها في حكم ديمقراطي رشيد، والدفاع عن رموز الأمة المسجونين في سجون المستبدين في مصر، والسعودية، والإمارات، وغيرها من الأنظمة والدول التي تقهر شعوبها. 

بداية الطريق

ولن يتأتى ذلك إلا بتقارب وجهات النظر، والاتفاق على رؤية، ومشروع فكري مناسب للتغيير، يساهم في توعية الشعوب العربية ونهضتها، مع نسيان نقاط الاختلاف الأيدلوجي بين المثقفين والنخب في عالمنا العربي، والتركيز على المشتركات الإنسانية، وهي كثيرة، والتمسك بالمسار الديمقراطي، والاستقلال الوطني، وعودة جماعة الإخوان المسلمين إلى سيرتها الأولى، ككتلة واحدة قوية تستطيع أن تواجه التحديات والعقبات الهائلة، فهي حجر الزاوية في العالم العربي والإسلامي للمساهمة في موجات التغيير. فالشعوب بطبيعتها تريد التغيير، وتسعى إليه إذا وجدت من يحمل همّها ويدافع عن قضاياها.

والأنظمة المستبدة على مدار التاريخ، وخصوصًا العسكرية منها، تستفيد من هذه الفرقة والتشتت لتمرير أجندتها، بل تسعى بكل الإمكانيات الهائلة لتوسيع هوة الخلاف بين أنصار التغيير.
 
ومن ثمّ يجب ألا تكون غضبة الشعوب العربية والإسلامية نفرة غضب لقتل الرئيس مرسي، وتنتهي مع الوقت، وهذا ما يُراهن عليه المستبدين، ولكن يجب استمرار الحراك، والضغط على الأنظمة الظالمة المستبدة، وفضح الداعمين لهم إقليميًا ودوليًا، بكل الوسائل المتاحة لاسترداد الحقوق المسلوبة، والكرامة المهدورة، والحرية الضائعة، وعودة المسار الثوري مرة أخرى، لاقتلاع كل الفاسدين المستبدين في العالم العربي.
  
رحم الله الدكتور الرئيس محمد مرسي، فقد نال الشهادة وارتقى بها إلى رب غفور رحيم، ورحل عن دنيانا، بعد أن كرّس حياته لشعب تخلى عنه، ونظام إقليمي ودولي حاربه، ولم يصبر عليه ليتم مدته الرئاسية بشكل ديمقراطي! ولقي ربه بقصيدة قبل انهياره في المحكمة:

بلادي وإن جارت علي عزيزة.. وأهلي وإن ضنوا علي كرام

ومع ذلك ستبقى فكرته التي تسعى إلى القيم والحرية والكرامة الإنسانية، تسري في وجدان الشعوب الحرة الأبية، فهذه طبيعة قادة التغيير في العالم. وكان لابد أن يموت مرسي بهذه الطريقة التي مات بها العديد من أصحاب المبادئ، وهم يدافعون عن قضاياهم، في عالم مليء بالتناقضات، وغياب أسس العدالة.
  
أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقا، وأن يجعل ثباته، وصبره، وسجنه، وموته؛ دفعة للأمة لكي تفيق من غفوتها، وتتصدى للظلم والقهر والاستبداد الذي جثم على صدورها لعقود.