قضايا وآراء

تراجيديا مصرية

1300x600
وكأن عام 2018 أبى أن يرحل قبل أن يشهد مشهدا هزليا من تلك المسرحية العبثية التي تشهدها مصر منذ الانقلاب العسكري عام 2013، في عروض مستمرة متعددة الفصول، ومتنوعة المشاهد ولكنها كلها تتسم بالعبثية المفرطة، وكأننا أمام فانتازيا لا تنتهي. ولعل المشهد الأخير، وليس بالطبع هو مشهد نهاية المسرحية، هو الأكثر عبثية في بلاد المحروسة، إذ يقف رئيس منتخب من قِبل الشعب، يُمثل ثورة 25 يناير التي أطاحت بالطاغية "حسني مبارك"، خلف القضبان؛ يُحاكم في قضية عبثية، عُرفت إعلامياً بقضية "فتح السجونويشهد عليه هذا المستبد الفاسد الذي ثار الشعب ضده وجرده من سلطاته، في ثورة عظيمة شهد لها العالم أجمع!

إنها لتراجيديا من نوع خاص بمصر، ليس كمثلها شيء في العالم، وربما لا يصل إليها خيال مؤلف درامي، سيسجلها التاريخ كإحدى عجائبه، فهو مشهد يلخص ذروة الغرائب في التاريخ المصري الحديث، وصدق المتنبي حينما قال: "وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا".

دخل الرئيس المخلوع "حسني مبارك" منتشياً، ماشياً على قدميه إلى ذات القاعة التي شهدت محاكمته منذ ست سنوات، ولكنه دخلها في ذاك الوقت راقداً فوق سرير طبي ومعلقاً المحاليل في يديه، مدعياً المرض، ويخفي وجهه وراء نظارة سوداء كي لا يرى أحد نظرات الذل في عينيه.. لم يعد في حاجة إليها هذه المرة، فهو يريد أن يشاهده العالم كله ويروا نشوة النصر في مقلتيه، فهو يدخل القاعة هذه المرة ليحاكم مَن حاكموه، ومَن أقعدوه وجعلوه يظهر بهذا الشكل المهين، ليستدر به عطف القضاة والجماهير.
يقف رئيس منتخب من قِبل الشعب، يُمثل ثورة 25 يناير التي أطاحت بالطاغية "حسني مبارك"، خلف القضبان؛ يُحاكم في قضية عبثية، عُرفت إعلامياً بقضية "فتح السجون"، ويشهد عليه هذا المستبد الفاسد الذي ثار الشعب ضده

دخل القاعة هذه المرة مختالاً بنفسه؛ برفقة نجليه اللذين كانا أحد أسباب الإطاحة به، لفسادهما ولقطع الطريق على مشروع التوريث لجمال، ووجد ترحيباً وتوقيراً من القاضي الذي لم ينس فضله عليه في تعيينه في الهيئة القضائية.. جاءت الفرصة الذهبية لمبارك وما كان ليضيعها، لينتقم من ثورة 25 يناير ويشوهها ويصفها بالمؤامرة والمخطط الأجنبي، وليعلن انتصاره على من أسقطوه.. انتصاره على ثورة 25 يناير!

مشهد يختصر المسرحية العبثية كلها. لقد أرقدته ثورة 25 يناير العظيمة وأقامته مؤامرة 30 يونيو الصهيونية؛ التي اشترك فيها للأسف بعض من ادعوا الثورية وارتدوا ثياب ثورة يناير البيضاء؛ ليكون الغطاء الأبيض الذي يمر من فوقه الدبابات! هؤلاء أدعياء الثورية، الذين كانوا المطية التي مرت الدبابات من فوق ظهورهم لوأد ثورة يناير، هم الآن إما في سجون من ساندوهم ودعموهم حتى أوصلوهم لسدة الحكم، أو مختبئين في جحورهم بعد أن قطعت ألسنتهم.
أرقدته ثورة 25 يناير العظيمة وأقامته مؤامرة 30 يونيو الصهيونية؛ التي اشترك فيها للأسف بعض من ادعوا الثورية وارتدوا ثياب ثورة يناير البيضاء

لقد أبى هذا الكهل العجوز الذي تجاوز التسعين عاماً؛ أن ينهي حياته بتوبة نصوح، يتوب فيها الى الله ويكفر بها عن جرائمه في حق الشعب المصري، وأصر على أن يقابل ربه بشهادة زور! تلك الشهادة التي زادت من هزلية المشهد وعبثيته.. لك أن تتخيل أن 800 شخصاً مسلحاً من حماس وحزب الله تسللوا عبر الأنفاق من الحدود الشرقية بسياراتهم وأسلحتهم، حسب زعمه، فكسروا وأحرقوا أقسام الشرطة، وقتلوا الجنود والضباط، ثم توغل هؤلاء "السوبرمان" الذين لم يعترض طريقهم أحد.. دخلوا الأراضي المصرية وقطعوا مسافة 600 كيلو، حتى وصلوا وادي النظرون، دون أن يجرؤ أحد على إيقافهم، ثم اقتحموا السجون دون أن يواجههم أحد، وقتلوا الضباط والجنود أيضا، وحرروا المعتقلين، وأخذوا المسجونين التابعين لهم (من حماس وحزب الله) معهم، ثم عاد هؤلاء الجبارون مرة أخرى للقاهرة، ووصلوا الى ميدان التحرير، وصعدوا الأبنية العالية، ومن فوق الأسطح وجهوا مدافعهم الرشاشة ورصاصهم صوب المتظاهرين العزل، ثم عادوا من حيث أتوا، الى الحدود، ومنها إلى غزة التي تبعد عن القاهرة 348 كيلومترا، بسلام وأمان، وبكامل عددهم وعتادهم.. كل هذا حدث دون أن يُقتل أو يُجرح أحد منهم، رغم وجود قوات من الجيش وحرس الحدود وعناصر من المخابرات الحربية والمخابرات العامة وأفراد من الشرطة.. إنهم حقاً قوم جبارون.. أناس خارقون للطبيعة وللعادة!!

رواية عبيطة، ولن أقول ساذجة لا يصدقها طفل، ولا تصدر إلا من مختل عقلياً، يستخف بعقولنا، ولا تليق إلا بمن ألفها، بل وألف القضية من أساسها وغيرها من تلك القضايا العبثية التي تشهدها المحاكم المصرية على مدار السنوات الخمس الماضية؛ انتقاماً من ثورة يناير وأبطالها!

والسؤال البديهى الذي يتبادر إلى ذهن أي طفل بعد سماعه لهذا الهراء: أين كان أفراد الجيش والشرطة والمخابرات؟ وكيف تمكن هؤلاء المسلحون من اختراق الحدود والوصول إلى القاهرة دون القبض عليهم؟! ألم يدرك هذا العجوز الكاذب أنه بشهادته هذه يدين فترة حكمه ويهين جيش مصر العظيم؛ الذي لم يتمكن من التصدي لـ800 عنصر مسلح وحماية البلاد؟ فماذا لو حدث اعتداء على مصر من دولة معادية، كيف سيتصدى الجيش لها ويدافع عن الوطن؟! وإلا فبإمكان أي دولة أن تحتل مصر بسهولة، وبدون عناء ودفع تكاليف الحروب الباهظة!
ألم يدرك هذا العجوز الكاذب أنه بشهادته هذه يدين فترة حكمه ويهين جيش مصر العظيم؛ الذي لم يتمكن من التصدي لـ800 عنصر مسلح وحماية البلاد؟

وإذا ألغينا عقولنا كما يريدون، فالسؤال البديهي الذي يطرح نفسه: لماذا لم يُحل قيادات الجيش المسؤولين عن الحدود الشرقية ومدير المخابرات الحربية وباقي القيادات؛ إلى محاكمة عسكرية؟!

الكل يعلم أن مَن قام بفتح أبواب السجون جميعاً، وليس سجن "وادي النظرون" فقط (القضية التي يحاكم فيها الرئيس "محمد مرسي") هو "حبيب العادلي"، وزير الداخلية الأسبق؛ لإحداث حالة من الفوضى في البلاد، ومحاولة إحداث حالة من الرعب لدى الشعب المصري؛ للتخلي عن ثورته، بما يعرف بالخطة البديلة في حالة حدوث ثورة. وهذه الخطة أقرت في اجتماع وزراء الداخلية العرب في تونس عام 2010، وقد طبقها "زين العابدين بن علي" عقب ثورة تونس الخضراء، وفتح سجون تونس لإحداث الفوضى في البلاد. ولقد اعترف العديد من ضباط الشرطة في مصر، بعد ثورة يناير، في لقاءات تلفويونية لا تزال موجودة على يوتيوب، بأن الأوامر قد صدرت لهم من القيادات العليا في الشرطة بفتح السجون، وأن اللواء "محمد البطران"، رئيس مباحث قطاع السجون، حينما رفض تنفيذ الأوامر وتصدى لهروب المساجين من سجن الفيوم، أُطلق عليه الرصاص ومات في الحال. كما أن الدكتور "مصطفى الفقي"، سكرتير مبارك سابقاً وأحد رجالات العصر البائد، قال في لقاء تلفزيوني أن خطة فتح السجون كانت معدة مسبقاً للتنفيذ في حال تم التوريث ووصول جمال مبارك للحكم وثار الشعب ضده.

لم يكن توقيت جلسة المحاكمة عفوياً، بل كان مخططا له بدقة ليجيء في نهاية العام؛ ليطوي معه الثورة، قبل أن تهب علينا رياح شهر يناير بعطره الذي نستنشق فيه نسيم الثورة التي سُرقت في غفلة من الزمن وفي غفلة من أبنائها، وليقطع الطريق على من يريد استعادتها وإحيائها في نفوس الجماهير من جديد. ولقد التقط إعلامهم الفاجر الخيط وبدأ يروج لمؤامرة يناير، بدلاً من ثورة يناير!! النظام نفسه يكره ويُعادي ثورة يناير، وهذا ما لم لم يستطع السيسي يوماً أن يخفيه في خطاباته، فهو دائماً ما يقول أن أحداث يناير لن تتكرر، ولم ينزلق لسانه ولو مرة واحدة ولو حتى زلفاً بكلمة "ثورة"، وها هو كاتبه الملاكي ولسان حاله، "ياسر رزق"، رئيس تحرير جريدة الأخبار، يكتب مُطالباً بإنشاء مجلس أسماه مجلس "حماية الدولة وأهداف ثورة يونيو"، على أن يترأس المجلس "عبد الفتاح السيسى" بوصفه مؤسس نظام 30 يونيو ومطلق بيان الثالث من يوليو، التي قضت على ثورة يناير. وهكذا جاءت شهادة مبارك الزور لتصب في مصلحة النظام ومواكبة لتوجهاته، ولم لا وهو نظام من معين واحد؟!
النظام نفسه يكره ويُعادي ثورة يناير، وهذا ما لم لم يستطع السيسي يوماً أن يخفيه في خطاباته، فهو دائماً ما يقول أن أحداث يناير لن تتكرر، ولم ينزلق لسانه ولو مرة واحدة ولو حتى زلفاً بكلمة "ثورة"

ولكن بصرف النظر عن فانتازيا المشهد، هل كان أحد يتوقع أقوالاً أخرى غير التي أدلى بها مبارك؟! إنه جاء لينتقم، وليس من المنطق أن يشهد شهادة صدق في حق الثورة التي أطاحت به وجردته من السلطة، فجاءت شهادته تعبيراً عما يضمره في صدره من عداء وكراهية لثورة يناير.

وعلى الرغم من كل المحاولات الحثيثة التي تجرى على قدم وساق لتشويه ثورة يناير، والطعنات التي تتلقاها في جسدها الجريح من كل مكان، ستظل ثورة يناير أعظم ثورة في تاريخ مصر الحديث.