ملفات وتقارير

فكرة الجيش الأوروبي الموحد هل تتبلور لواقع؟

أثارت دعوة ماكرون الكثير من التساؤل عن دوافعها، لا سيما أن فرنسا والاتحاد الأوروبي أعضاء في حلف الناتو- جيتي

دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى إنشاء جيش أوروبي موحد، وذلك على هامش الاحتفال بذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى في باريس، ومطالبا في الوقت ذاته الدول الأوروبية بالاستقلالية في تسليحها بدلا من الاعتماد على الولايات المتحدة في شراء السلاح.


وأثارت الدعوة الفرنسية غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي رأى دعوة ماكرون مهينة، حيث قال: "لكن ربما يجب على أوروبا أن تسدد أولا مساهمتها في حلف شمال الأطلسي، الذي تموله الولايات المتحدة إلى حد كبير".

 

مخاوف أمنية ورغبة بالاستقلالية

 

وكانت دعوة ماكرون مثيرة للتساؤل عن دوافعها، لا سيما أن فرنسا والاتحاد الأوروبي أعضاء في حلف الناتو، وهو قوة عسكرية مشتركة ومسلحة بأقوى الأسلحة.

 

من جهته، يرى الكاتب والباحث بالشؤون السياسية كامل الحواش أن "دافع ماكرون لإطلاق هذا التصريح هو رغبته بأن تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها، وذلك دون الحاجة لحماية أمريكية، الأمر الذي يعتبره ماكرون قضية سيادية"، مضيقا أنه "في الوقت ذاته لا تنسى أن ترامب تحدث بالماضي عن ضرورة إنفاق أوروبا مبالغ أكبر على الدفاع".

 

وتابع الحواش في حديث لـ"عربي21": "الأوروبيون متخوفون من خطر أمني روسي وصيني، وماكرون أشار إلى انسحاب ترامب من معاهدة انتشار الصواريخ النووية متوسطة المدى، وفي الوقت ذاته لم يتحدث عن خطر أمريكي ضد أوروبا".

 

بدوره، أشار أستاذ الإدارة والسياسة العامة في جامعة القدس، صلاح الحنيني، إلى أن "رغبة ماكرون بإنشاء جيش أوروبي موحد هدفها إيجاد استقلالية أوروبية، والخروج من تحت عباءة العم سام".

 

وتابع الحنيني في حديث لـ"عربي21": "قد يكون الدافع أيضا أسلوب الرئيس الأمريكي المتعالي في تعامله مع الدول الأوروبية، الذي ظهر جليا بفرض رسوم تجارية جديدة على البضائع الأوروبية، بالتالي يريد ماكرون القول إنه يمكننا الاستغناء عنكم، إضافة للرغبة بحماية أوروبا من مخاطر أمنية صادرة من روسيا ودول أخرى".

 

ما واقعية تشكيل جيش أوروبي؟

 

وحول واقعية فكرة تشكيل جيش أوروبي موحد، أوضح المختص بالشأن الأوروبي صلاح الحنيني أن احتمالية حدوث ذلك تبقى واردة، مشيرا إلى أن فقدان الاتحاد الأوروبي الثقة بترامب قد تساهم بتحويل هذه الفكرة لواقع.

 

ولفت إلى أن الاتحاد الأوروبي فقد الثقة بالرئيس الأمريكي ترامب بعدة ملفات، "أهمها الاقتصادية، خاصة رفع الضرائب على الحديد والصلب الأوروبي، وأيضا انسحاب واشنطن من معاهدة الاحتباس الحراري، وتخفيض التمويل الأمريكي للمؤسسات الدولية".

 

وأكد الحنيني على أنه من المبكر الحديث عن تأثير الجيش الأوروبي على الناتو، مضيفا: "فالفكرة برأيي لن تخرج عن كونها تصريحات، ولكن إن تحولت لواقع فعلي، فهذا يعني انفراط الأحلاف التقليدية بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وسيكون خطوة أوروبية باتجاه أخذ زمام الأمور بخصوص أمن الدول الأوروبية ومصالحها الاستراتيجية".

 

بدوره، عبّر الباحث السياسي كامل الحواش عن اعتقاده بأنه لا إمكانية لإنشاء جيش أوروبي على المدى القصير، وبالذات عند أخذ رد الدول التي عليها أن توافق على ذلك، وهي 27 دولة، فالعديد منها ستعتبر الدفاع موضوعا سياديا محليا، مع اتفاقهم على ضرورة التنسيق فيما بينهم، وهم أيضا يعتبرون وجود الناتو كالمنظومة التي توفر الحماية لهم أمرا مهما جدا".

 

وحول تأثيره على الناتو، قال الحواش: "لا أعتقد أن إنشاء جيش أوروبي سيتم دون دراسات عميقة وتنسيق مع حلف الناتو، فالعديد من الدول الأوروبية أعضاء فاعلون فيه، وتغطية الناتو أوسع، فهو مثلا يضم تركيا، وهذا الأمر يخوله للتفاعل مع أزمات في مناطق خارج أوروبا".

 

مستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية

 

وأثارت الردود المتبادلة الغاضبة بين بعض القادة الأوروبيين وبين ترامب التساؤلات عن مستقبل الحلف الأوروبي الأمريكي، خاصة في ظل اختلاف آرائهما حول عدد من القضايا العالمية، فهل يمكن أن نرى قطعية أوروبية أمريكية؟

 

يجيب الباحث السياسي كامل الحواش عن هذا التساؤل بالقول: "بداية، لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مزاجي، حتى في القضايا الحساسة، فمثلا على الرغم من امتعاضه من تصريحات ماكرون حول فكرة الجيش الأوروبي، إلا أن لقاءهما في باريس كان جيدا، وأيضا للمفارقة قد يكون ترامب سعيدا بفكرة هذا الجيش، خاصة إذا تم تسليحه بسلاح أمريكي، الأمر الذي سيجلب فرص عمل إضافية للأمريكيين، ولكني لا أعتقد أن الفكرة ستتبلور لواقع".

 

وختم حديثه بالقول: "نعم هناك بعض المشاحنات بين أوروبا وأمريكا، ولكن لم تصل حتى الآن إلى أزمة قد تؤدي لتفكك تحالفهما، وعلينا أيضا التفريق بين التحالف طويل المدى، وبين العلاقة مع الرئيس الأمريكي الحالي، فهو بالنسبة لهم شخص عابر".

 

بدوره، اعتبر صلاح الحنيني "أن ما يفرق العلاقات الأمريكية الأوروبية أكثر ما يجمعها حاليا، ويمكن أن يعتري هذه العلاقات بعض الفتور، لكن لن تصل لحد القطيعة، فمثلا حين انزعج ترامب من فكرة ماكرون وصرح بغضب ضدها، صرح الرئيس الفرنسي بتصريحات دبلوماسية لتهدئة الأجواء، والقول بأن الفكرة كانت تهدف لتقاسم الأعباء داخل حلف الناتو، وإنه لا يستهدف أمريكا أو الإضرار بها".