ملفات وتقارير

رفع أسعار الصحف بمصر.. هل هو مسمار بنعش الصحف القومية؟

يصدر من القاهرة يوميا نحو 22 يومية، منها 9 صحف قومية، و12 خاصة، ومطبوعة حزبية واحدة- جيتي

أثار إعلان نقيب الصحفيين، عبدالمحسن سلامة، ارتفاع أسعار الصحف الورقية بنحو 50 بالمئة، بواقع واحد جنيه زيادة للعدد اليومي، واثنين جنيه للأسبوعي، المخاوف على مستقبل الصحافة القومية بشكل خاص.


الزيادة المتوقعة التي تنتظر اجتماع الهيئة الوطنية للصحافة برؤساء تحرير الصحف، الأربعاء، تعد الثانية في عهد رئيس سلطة الانقلاب عبدالفتاح السيسي؛ ففي آذار/ مارس 2015، تم رفع سعر اليومية لجنيهين من جنيه ونصف، والأسبوعية لثلاث جنيهات من جنيهين.


واعترف سلامة، لبرنامجي "هنا العاصمة"، و"الحدث اليوم"، مساء الثلاثاء، بأن رفع أسعار الصحف نتيجة سببين؛ الأول: زيادة التكاليف بعد قرار تعويم الجنيه، موضحا أنه ضاعف أسعار استيراد الورق والأحبار 3 مرات، والثاني: زيادة أسعار الورق 100 بالمئة الشهر الماضي.

 

 

وطبقت مصر خلال العامين الماضيين سياسات اقتصادية صارمة، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2016، قررت تحرير سعر الصرف، ما أدى لتفاقم سعر الدولار، ورفعت التعريفة الجمركية، وطبقت ضريبة القيمة المضافة، ورفعت أسعار الوقود عدة مرات، ما أثر بالسلب على مستلزمات الطباعة.


وفي شباط/ فبراير الماضي، ارتفعت أسعار الورق المستورد (70 بالمئة من تكلفة الطباعة) بنحو 15.4 بالمئة ليسجل الطن 900 دولار من 780، مع زيادة أسعار الأحبار وقطع الغيار والمعدات والعمالة والكهرباء، ما دفع المؤسسات القومية لزيادة أسعار طباعة الصحف الحزبية والخاصة بنحو 80 بالمئة.


ويتناقض إعلان سلامة، رئيس مجلس إدارة "الأهرام"، مع قوله في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، لفضائية "صدى البلد"، إن المطالبات برفع أسعار الصحف القومية عبث وإضرار بالأمن القومي المصري.


سلامة، كان قد اعترف باللقاء أن تكلفة طباعة النسخة الواحدة من الأهرام تصل 7 جنيهات، وتباع للقارئ بجنيهين، مطالبا بإسقاط الضرائب عن المؤسسات القومية التي تزيد عن 10 مليارات جنيه.


وتشكل ديون المؤسسات الصحفية أزمة تعوق تطويرها، واعترف رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، كرم جبر، في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، أن ديون وخسائر الصحف القومية بلغت 19 مليار جنيه.


والصحف القومية تقوم الدولة بإدارتها وتمويلها وتعيين رؤساء تحريرها، وتعبر عن رأي الحكومة وسياستها، وأهمها "مؤسسة الأهرام" التي تصدر يوميتين هما "الأهرام" منذ (1876)، و"الأهرام المسائي"، ونحو 15 جريدة ومجلة بين شهرية وأسبوعية ومطبوعتي "الأهرام إبدو" و"ويكلي" باللغة الإنجليزية، ويتبع "مؤسسة الأخبار" يومية "الأخبار" وأسبوعية "أخبار اليوم"، ونحو 9 إصدارات أسبوعية وشهرية، مع ما يصدر عن "دار التحرير" من يوميتي "الجمهورية" و"المساء"، ومطبوعات أسبوعية وشهرية وأجنبية مثل "إيجيبشيان جازيت" (1880)، و"لو بروجريه إيجيبسبان" (1893).


ويصدر من القاهرة يوميا نحو 22 يومية، منها 9 صحف قومية، و12 خاصة، ومطبوعة حزبية واحدة هي الوفد، حسب إحصاء لموقع "إعلام أورج"، فيما يعمل بالصحف القومية نحو 50 ألف عامل، حسب تصريح لمجدي الحفناوي، مدير عام التوزيع بـ"المصري اليوم"، في كانون الثاني/ يناير 2017.


أرقام مخجلة


وتتميز الصحف القومية، خاصة الأهرام، بزيادة عدد صفحاتها، التي تصل بعدد "الجمعة" الأسبوعي 40 صفحة تتخللها إعلانات حكومية تتوزع بين الصحف القومية الكبرى "الأهرام" و"الأخبار" و"الجمهورية"، ما يقلل من بعض خسائرها، إلا أن الأهرام بشكل خاص قللت مؤخرا عدد صفحاتها اليومية من 28 لـ22 صفحة مع تراجع المبيعات.


وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء "حكومي"، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، انخفاض توزيع الصحف في 2016، بنسبة 4.6 بالمئة، وهبوطها من 534.6 مليون نسخة من 560.7 مليون في 2015.


وفي 29 حزيران/ يونيو 2017، كشف رئيس مجلس إدارة الأهرام الأسبق، عبد المنعم سعيد، تراجع أرقام التوزيع من 3.5 مليون عام 2000 لـ350 ألف، فيما أكد الصحفي مجدي الجلاد، في نيسان/ أبريل الماضي، لفضائية "دريم"، أن الصحافة الورقية ماتت، وتتكبد خسائر كبيرة، وتوزع 300 ألف نسخة فقط.


وأكد مدير التوزيع بـ"المصري اليوم"، مجدي الحفناوي، لفضائية "تن"، مساء الثلاثاء، أن الصحف المصرية بالعناية المركزة، وتوزع 320 ألف نسخة يوميا.

 



أوقعها تخلي الدولة


ويرى الكاتب الصحفي، أسامة الألفي، أن "قرار رفع أسعار الصحف يعود إلى تخلى الدولة عن دورها في رعاية الصحافة، وإغفالها دورها الخدمي الإعلامي وأنها مؤسسات تخدم الوطن، الأمر الذي أوقع المؤسسات الصحفية في متاعب مالية ضخمة".


مساعد رئيس تحرير الأهرام الأسبق، أوضح لـ"عربي21"، أن "أسعار الورق والأحبار ومستلزمات الطباعة وأجور العاملين تضاعفت، في وقت تراجعت الإعلانات للظروف الاقتصادية السيئة، واتجاه كثير من المعلنين للإعلان بالصحافة الإلكترونية؛ لرخص تكلفتها.


الألفي، بين أنه مع هذا الوضع "باتت كل زيادة بتوزيع الصحف تمثل عبئا على كاهل المؤسسات"، مؤكدا أن "تكلفة طباعة العدد تفوق سعر بيع الجريدة، حتى صار باعة الفول يشترون الصحف، ليس لقراءتها، وإنما لاستعمالها في تغليف السندويتشات".


ويعتقد الكاتب المصري، أن "القرار لن يؤثر كثيرا بحجم التوزيع الذي انخفض بشدة أصلا"، موضحا أن "من يشتري الصحف حاليا أناس تعودوا على الصحف الورقية، ويأبون أن يستبدلوا بقراءتها المواقع الإلكترونية".


وتوقع أن "ينخفض التوزيع بالبداية، ثم يعود لمعدل مقارب للسابق"، مضيفا: "إلا أن هذا الانخفاض سيواكبه زيادة بالعائد المادي من التوزيع"، مشيرا إلى أنه كان يفضل "تقليل عدد الصفحات بديلا لزيادة السعر، مع العناية باختيار ما ينشر"، مؤكدا أنه "ليس كل ما ينشر يستحق النشر".


تدفع الثمن كالشعب


وعبر موقع "فيسبوك"، أثار القرار ضجة بين الصحفيين والمتابعين، واعتبرته الصحفية خيرية شعلان "نتيجة لدعم الصحافة القرارات الاقتصادية التي فرضتها الحكومة على الشعب"، ومن "آثار السياسات التي سبق أن باركتها".

وكتب وكيل وزارة الثقافة السابق، محمد عبدالمنعم، أن القرار يعجل بإغلاق الصحف، وتسريح العاملين، وخصخصتها، فيما اعتبر الأكاديمي جمال نصار أنه بمثابة إعلان وفاة للصحافة المطبوعة، مطالبا بـ"حلول مهنية وتقنية بعيدا عن جيب القارئ".


واقترح أستاذ الإعلام، محمود علم الدين، تطبيق نظام "الدفع مقابل تصفح المواقع الإلكترونية" كمصدر للتمويل، ونصح الإعلامي محمد علي خير الصحف بتخفيض عدد الصفحات.