ملفات وتقارير

هل تفتح زيارة رئيس اليمن لأبو ظبي فصلا جديدا من الوفاق؟

نشبت مؤخرا أزمة حادة بين أبوظبي وحكومة الرئيس هادي- وام

بدأ الرئيس اليمني، عبدربه منصور هادي، زيارة للإمارات، التقى فيها ولي عهد "أبوظبي" الشيخ، محمد بن زايد آل نهيان.

يأتي ذلك بعد بلوغ التوتر بينهما مستوى غير مسبوق؛ جراء سلسلة من المواقف والسياسات التي وصفتها الحكومة اليمنية الشرعية بـ"العدائية لها وتنازعها على سيادة البلاد".

وتطرح هذه الزيارة أسئلة عديدة عن حدود التوافق الذي من الممكن أن تسفر عنه هذه اللقاءات، التي لعبت السعودية دورا فاعلا في التمهيد لهذه الزيارة، بلقاءين؛ جمع الأول وزير الداخلية في الحكومة الشرعية، أحمد الميسري، بالقادة الإماراتيين، قبل أكثر من أسبوع تقريبا، واللقاء الآخر زيارة وزير خارجية أبوظبي، عبدالله بن زايد، الاثنين، ولقاؤه بالرئيس هادي في مقر إقامته بمكة المكرمة.

كما تطرح تساؤلات عن آفاق تطور وترقية العلاقة بين الجانبين، وهل نحن أمام فصلا جديدا من الوفاق بعد التوتر الدامي بينهما، لكن ما مدى استعداد "أبوظبي" لطي صفحة الخلافات وإزالة أسباب التوتر الذي سببتها سياساتها ومنها دعم الكيانات والميليشيات المسلحة لتقويض سلطتها في المدن المحررة بينها مدينة عدن (جنوبا).

التفاؤل سابق لأوانه

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي إن الخطوة الأولى والأهم "إنهاء مرحلة التوتر وإعادة التواصل ضمن المستويات القيادية العليا اليمنية الإماراتية، تتحقق اليوم".

وتابع حديثه الخاص لـ"عربي21" إنها خطوة تتجاوز في هذه المرحلة حلقة الصراع الوجودي الذي جعل التخلص من السلطة الشرعية الحالية أحد الأهداف الأساسية للإمارات، ويتقدم حتى على هدف التخلص من الحوثيين ودحرهم من جسم الدولة اليمنية وفقاً للأهداف المعلنة للتحالف.

ومضى قائلا: "من الواضح أن الثقل السعودي هو من أعاد ضبط معادلة العلاقة بين أبوظبي والسلطة الشرعية. مشيرا إلى أنها هذه الزيارة جاء حصيلة لقاءات في جدة ومكة والتي شارك فيها بشكل أساسي نائب رئيس الدولة الإماراتي حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم".

وبحسب الكاتب اليمني فإنه لا يمكن إغفال الأثر الذي خلفه الصراع المعلن حول السيادة الذي تفجر في محافظة أرخبيل سقطرى، وتفجر بصورة أعمق في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، وأيقظ الإمارات وحكامها من الحلم الإمبريالي بعد أن واجهوا وقفة وطنية شامة من قبل الشعب اليمني ومكوناته السياسية إلى جانب السلطة الشرعية.

واستبعد أن يسفر التقارب بين السلطة الشرعية والسلطات الإماراتية عن تدشين مرحلة جديدة كلياً من الوفاق والتفاهم والشراكة. مؤكدا أنه من السابق التفاؤل بذلك.

ولفت إلى أن زيارة الرئيس هادي ربما تنجح في إنهاء التوتر، لارتباط الأمر بشكل أساسي بالتصورات الخاطئة لولي عهد أبوظبي؛ الذي اعتقد أن اليمن يمكن أن يتحول إلى ساحة نفوذ سهلة، لذا من الصعوبة أن تتبدل المواقف على نحو دراماتيكي.

وأوضح السياسي اليمني أن ثمة رغبة سعودية في إنهاء التوتر الذي ساهم في انكشاف مخططات التحالف لدى اليمنيين ولدى المجتمع الدولي، وزاد من تعقيدات مهمته ومأزقه في اليمن، إلى حد بات من الصعب معه التصديق بأن التحالف يقوم بمهمة سياسية وإنسانية نبيلة في اليمن.

ورأى المتحدث ذاته أنه أمام مهمة استعادة الوفاق بين السلطة الشرعية وأبوظبي سلسلة من الإجراءات التي يتعين اتخاذها من جانب الإمارات لإنهاء الأزمات والألغام التي زرعتها أبوظبي في جسم الدولة اليمنية الهش.

ولعل أبرزها وفقا للتميمي، "الكيانات السياسية الانفصالية، والتشكيلات العسكرية المنفلتة التي تعمل ضمن الأجندة الانفصالية، فضلا عن الإقرار بالسلطة المطلقة للحكومة اليمنية على أراضيها".

مسكنات

من جهته، بدا الكاتب والمحلل السياسي، أنور الخضري، متشائما من أي ترقية أو تطور في مسار العلاقة المتأزمة بين الحكومة الشرعية وسلطات أبوظبي، إلا أنه قال : الإمارات بحاجة إلى تسكين العواصف خاصة وأن هناك قضية أمام محكمة العدل الدولية وتقرير فرنسي آخر جديد يتهمها بالضلوع في محاولة انقلاب بتونس.

وأضاف في حديث خاص لـ"عربي21" أن وضع النظام الإماراتي في أسوأ أحواله فهو منذ فترة يتلقى ضربات عدة نتيجة السياسات الرعناء التي تتخذها حكومة أبو ظبي في المنطقة.. فمن الصومال وحتى جيبوتي وقطر وتركيا وليبيا وصولا إلى اليمن وغيرها ترتفع الشكاوى وترتد الأفعال على هذه السياسات ولهذا تأثيره على الصعيد العالمي.

واستبعد الخضري أي تغير بالنسبة لسياساتها في اليمن، لغياب أي مؤشرات عملية على أرض الواقع. واستدل على فرضيته بأن أبوظبي لم تكن داعمة لأي مشروع تنموي أو حضاري بل هي تقف أمام إرادة الشعوب العربية في المنطقة وتؤيد العسكر والفوضى. وفق تعبيره

وذكر السياسي الخضري أن التقدم العسكري الذي يجري على الساحل الغربي يستهدف سيطرة السلطات الإماراتية على ميناء الحديدة، فيما تتزايد المخاوف في اليمن من ضريبة هذا التحرير المزعوم الذي تشرف عليه.

أما بخصوص الكيانات المسلحة والمليشيات المتمردة على الحكومة والمدعومة من أبو ظبي، فأكد الكاتب اليمني أنها لا تزال تتلقى التوجيهات منها وتخضع لأجنداتها ولن تتخل عنها.

وقال إنها ستظل تستخدمها للإمساك بزمام الأمور بيدها، رغم أي تحرير، لفرض معادلات المشهد المرغوب إقليميا ودوليا. محذرا من الذهاب بعيدا في النظر لقضايا شكلية ما لم تتغير السياسات عمليا على أرض الواقع.

"مكر" إماراتي

من جانبه، تساءل الصحفي والكاتب اليمني، محمد اللطيفي، عن جدية قيادة دولة الإمارات في فتح صفحة جديدة مع الشرعية اليمنية، في ظل زيارة الرئيس اليمني إلى بلادها، والتي تزامنت مع فضيحة إفشال الاستخبارات التونسية خطة إماراتية تفضي إلى انقلاب ناعم في تونس.

وأبدى اللطيفي في مقال نشره بموقع "اليمن.نت" من التقارب الإماراتي الأخير مع الحكومة الشرعية اليمنية، الذي وصفه بأنها خطوة ماكرة أكثر من كونه تقارب جدي، لتصحيح العلاقة المتدهورة معها".

وقال إن التجارب السابقة للإمارات، تشير إلى "الغدر والخداع والمكر أيضا" عندما تمد يد الدبلوماسية، فإنها تهدف إلى تحقيق مطامع عجزت عن تحقيقها بالقوة والفوضى. حد قوله

وتابع قائلا: ومن هنا تأتي تخوفات الكثير من التقارب الأخير مع هادي، فالدولة التي لم تغسل بعد يدها الملوثة بخطة استخباراتية "فاشلة"، للإطاحة بنظام مسالم مثل تونس، تمد يدها إلى نظام بلد آخر مثل اليمن، لم تصلح بعد أفعالها التخريبية والعدوانية فيه. حسب وصفه

وأشار إلى أن محمد بن زايد، عمل بكل قوته تواجد حزب التجمع اليمني للإصلاح (إسلامي) في الجنوب، وإخراجه من موازين التأثير السياسي والعسكري هناك، كان حينها يراهن على المخلوع صالح وحزبه، لكن مقتل صالح على يد مليشيا الحوثي أربك الإمارات.

وكشف اللطيفي أن اللقاء الذي مع ولي عهد أبوظبي بزعيم حزب الإصلاح وأمينه العام، ( أواخر العام 2017)، لم يكن لفتح صفحة جديدة مع الحزب، بل أظهرت الوقائع التالية " المكر الإماراتي" الذي كان هدف اللقاء هو شراء صمت الإصلاح على مخططات جديدة لإضعاف الشرعية، وتمكين المليشيات التابعة لأبوظبي.

وبحسب الصحفي اليمني فإن درس جزيرة سقطرى ـ إفشال مخطط السيطرة على الجزيرة بعد نشر قوات تابعة لها في المطار والميناء أواخر نيسان/إبريل ومطلع آيا/ مايو الماضيين من قبل الحكومة اليمنية ـ وقبله فشل الانقلاب "الثان" الذي رعته في مدينة عدن، أواخر كانون الثاني/ يناير مطلع العام الجاري، وعدم نجاح الإمارات في شراء الإصلاح، وتدخل المجتمع الدولي في عرقلة دخولها مدينة الحديدة، كلها أسباب عديدة أوصلتها إلى قناعة، بأن "كل ما تفعله في اليمن دون غطاء الشرعية سيذهب أدراج الرياح، وأن التوجه نحو الدبلوماسية خيار ضروري للحفاظ على ما تحقق لها".

وجدد تأكيده أن الدبلوماسية الإماراتية أكثر مكرا من مواجهتها المباشرة. محذرا الحكومة الشرعية بـ"التعامل مع تحركات أبوظبي الدبلوماسية بذكاء، للخروج باتفاقات جديدة مبنية على العلاقات الندية، وباشتراطات أن تثبت حسن نيتها العملية على الأرض، برفع يدها عن دعم المليشيات المسلحة.

وبلغت أزمة العلاقة بين الرئاسة اليمنية وسلطات أبوظبي حدا غير مسبوق، انعكس على ملف الاستقرار في مدينة عدن، التي يتخذ هادي وفريقه الحكومي منها مقرا له، وصلت حد الانفجار العسكري في عدن أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي، وتدخل الإمارات لإسناد محاولة انقلابية قادها المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات "الحزام الأمني" برا وجوا.

ومطلع أيار/ مايو الماضي، نشبت أزمة حادة بين أبوظبي وحكومة الرئيس هادي، إثر إرسالها قوات عسكرية معززة بالآليات إلى جزيرة سقطرى سيطرت على مطارها ومينائها، في تحرك وصف بأنه ينازع اليمن على السيادة الوطنية. فيما وصلت الأزمة إلى الأمم المتحدة، قبل أن تتدخل الرياض لتقود اتفاقا يقضي بمغادرة القوات الإماراتية من جزيرة سقطرى، وعودتها إلى ما قبل ذلك الانتشار العسكري.