قضايا وآراء

يناير ما بين العزة والعار

1300x600
حمل شهر كانون الثاني/ يناير أعظم ثورة شاهدتها مصر في تاريخها، حيث ثار فيه الشعب على الظلم والاستبداد؛ في ملحمة إنسانية رائعة، تكاتف فيها جميع أفراد الشعب بمختلف أطيافه السياسية، وبكل طوائفه الفكرية والعقائدية، مسقطين كل انتماءاتهم تحت أقدامهم، عدا انتماءهم لمصر الذي علا على كل انتماء لتتوحد الحناجر في سيمفونية واحدة تهتف: "الشعب يريد إسقاط النظام"، "ارفع راسك فوق أنت مصري"، "عيش حرية عدالة اجتماعية".. تلك الصيحات أحدثت زلزالاً في مصر عام 2011، وامتدّت توابعه إلى بلدان عربية أخرى، مثل ليبيا وسوريا واليمن، وكاد أن يجتاح كل البلدان العربية التي خرجت شعوبها تعبر عن فرحة عارمة بثورة مصر، وكأنها رأت فيها الأمل للتخلص من حياة العبودية التي تحياها في ظل أنظمة شبيهة، ظالمة ومستبدة. ولا غرابة في ذلك، فنحن أمة عربية واحدة، شعبها واحد فرقته الدول الاستعمارية في عدة دول..

سبع سنوات مضت على ثورة المصريين التي أدهشت العالم أجمع، واعتبروها العبور الثاني لمصر بعد عبور حرب أكتوبر.. كان حلماً جميلاً لطالما حلم به المصريون.. وها هو يصبح أمامهم حقيقة لا خيالا.. أسقطوا رئيساً ديكتاتورياً، وحكماً فاسداً، ولكنهم لم يسقطوا نظاماً، وهذه كانت الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها الثورة، وكانت المنفذ أو الباب الذي عاد منه النظام؛ بتآمره مع القوى الإمبريالية والإقليمية التي تخشى أن تمتد رياح الثورات إلى بلدانها؛ فتطيح بعروشها، وأقصد بالطبع المملكة العربية السعودية ودولة المؤامرات (الإمارات)، وهما من أذرع الكيان الصهيوني في المنطقة، ومعقل الثورات المضادة، واللتاي تدار فيهما كل المؤامرات ضد الشعوب العربية، والأمة الإسلامية ككل.. هاتان الدولتان بالذات استطاعتا أن تحول حلم المصريين لكابوس مخيف، كما فعلت مع الثورات العربية الأخرى، وإن كان ذلك قد أخذ شكلاً مختلفاً في مصر؛ خشية أن تصيب شعوبهما عدوى الديمقراطية والتغيير!! فأنفقت الدولتان مئات المليارات من الدولارات من أجل إسقاط رئيس منتخب ديمقراطياً في انتخابات حرة تحدث لأول مرة، ليس في تاريخ مصر فحسب، بل في تاريخ المنطقة العربية بأسرها، وشهد بنزاهتها العالم أجمع.. وحدث الانقلاب العسكري بتدبير ومباركة تلك الدول، وما كان له أن يحدث إن لم يأخذ الضوء الأخضر من أمريكا، وذلك باعتراف السيسي نفسه في حديثه لإحدى القنوات الأمريكية بعد الانقلاب مباشرة؛ بأنه كان يتكلم أسبوعياً مع وزير الدفاع الأمريكي" تشاك هيجل" على مدار ستة أشهر، معرباً له عن يأسه من مرسي وأنه لا أمل معه..

الآن فقط، وبعد أن كُشف عن خبايا صفقة القرن، نستطيع أن نفك طلاسم تلك الجملة التي ربما توقفنا عندها كثيراً ولم نفهمها على حقيقتها في حينها، فمن المؤكد أن الرئيس محمد مرسى رفض استقطاع أجزاء من أراضي سيناء وإقامة الوطن البديل للفلسطينيين على أرض سيناء، بعكس ما كان يُشاع في تلك الفترة من أكاذيب ويروج لها من شائعات في هذا الصدد، مما أثار غضب المصريين وأثخنهم ضده، ولعب الإعلام الفاجر دوراً كبيراً في اشعال تلك الوقيعة بين الرئيس محمد مرسي والشعب!

لم تكن الثورة المصرية تروق للقادة الصهاينة، مثلهم مثل الحكام العرب. فبصرف النظر عن أنهم يريدون أن يظل الكيان الصهيوني هو واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، فهم يخشون أيضاً من صحوة الشعوب العربية وانقلابها على حكامهم - وكلائها في المنطقة وحراس كيانها المغتصب - ورأينا كيف أنه بعد خلع حسني مبارك، والذي كانوا يصفونه بالكنز الاستراتيجي، يتسلق شاب المبنى الذي فيه سفارة الكيان الصهيوني، ويصل لأعلاه، حيث الطابق الثامن عشر، وينزل العلم، ويحرقه الشباب وسط فرحة وتهليل جموع الأهالي الذين تجمعوا في المكان؛ يكسرون الحواجز الإسمنتية التي وضعتها الدولة لحماية السفارة.. مشهد لا يغيب عن الذاكرة، ولا يمكن أن تمحيه فترات الانكسار والعُسرة التي تعيشها ثورة يناير حالياً. كان لدى الشعب روح أخرى بعثتها فيه الثورة.. ولك أن تقارن بين هذا المشهد وبين ما حدث للذين تظاهروا أمام نقابة الصحفيين؛ اعتراضاً على قرار ترامب الأخرق بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ومطاردة الشرطة لهم واعتقال عدد منهم، لمجرد أنهم هتفوا نصرة للقدس العربية! ولهذا تلاقت مصالح الصهاينة الإسرائيليين مع الصهاينة العرب، وتضافرت جهودهم في وأد الثورة المصرية، والتي لو استمرت التجربة الديمقراطية الوليدة لغيرت شكل المنطقة كلها..

ولكن لا نستطيع أن نعفي النخب، وخاصة تلك التي شاركت في ثورة 25 يناير من تآمرها على الثورة، ووضع أيديها في أيدي أعداء الثورة؛ لمجرد وصول خصمها السياسي إلى سدة الحكم، فانقلبت على الديمقراطية التي كانت تتشدق بها، وارتضت أن تكون المطية التي يعبر عليها العسكر بدباباته من فوق ظهورها، في سهرة 30 حزيران/ يونيو ليرتدى الانقلاب ثوباً مدنياً أمام العالم!

تلك النخبة المنحطة، أبطال مسرحية 30 حزيران/ يونيو، بعد أن ضاع أملها بأخذ أي منصب أو مركز في النظام الذي استدعته، والذي كانت تعتبر نفسها من ركائزه الأساسية، وبعد أن طالتها أيضاً يد البطش والغدر، بدأت تصرخ وتطالب بضرورة انتخاب رئيس آخر في الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر آذار/ مارس القادم.. وما يخادعون إلا أنفسهم، كما سبق وخدعوا أنفسهم بعد الانقلاب، وتصورا أن الجيش سيسلمهم الحكم بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسى وإقصاء الإخوان المسلمين! هم يعلمون في قرارة أنفسهم أن الانتخابات القادمة ما هي إلا مسرحية هزلية، وأن من جاء بالدبابة لايرحل إلا بالدبابة. وها نحن نرى يومياً فصولاً من هذه المسرحية الهزلية التي يندى لها الجبين، والتي جعلت مصر أضحوكة العالم أجمع. فبعد فضيحة إجبار الفريق أحمد شفيق على عدم الترشح للرئاسة تحت التهديد، تم اختطاف الفريق سامي عنان من سيارته بعد يومين من إلقائه بيانا قويا موجها للشعب المصري، يعلن فيه عن نيته للترشح، ولقي استحساناً لدى قطاع كبير من الشعب المصري، وهذا ما أزعج السيسي، فأودعه في السجن الحربي، وتعرض نائبه المستشار هشام جنينة لمحاولة قتل بالسنج والمطاوي، من بعض بلطجية النظام. لقد أصبحت البلطجة هي سمة النظام في التعامل مع خصومه!

وبعد القضاء على المرشحين الجادين، بدأ البحث عن كومبارس جديد يؤدي دور المرشح أمام السيسي في المسرحية. وبعد أن اتفقوا مع رئيس حزب الوفد، أعرق حزب في مصر، لأداء هذا الدور، رغم أنه كان قد أعلن من قبل عن دعمه وتأييده للسيسي لفترة رئاسية قادمة، كما أن نواب الحزب في ما يسمى البرلمان قد وافقوا على ترشيح السيسي، مما وضع الحزب في موقف حرج، فرفض أن يقوم رئيسه بدور المحلل، وخيره بين الرضوح لقرار الحزب أو الاستقالة والترشح مستقلاً خارج الحزب، ففضل بالطبع البقاء رئيساً للحزب، خشية التنكيل به، خاصة أن عليه أحكاماً قضائية بالسجن لمدة 30 عاماً ولم تنفذ!

وفي الربع ساعة الأخيرة، وقبل أن يغلق باب الترشيح بساعات معدودة، وجدوا المحلل.. رئيس حزب مغمور يدعى موسى مصطفى موسى، يحمل مؤهلاً متوسطاً، مخالفاً لشروط الترشح. ولكن منذ متى تسري القوانين في أشباه الدول؟ فهي لها أعرافها الخاصة التي تقوم على البلطجة والفجر! هذا بخلاف الأحكام القضائية العديدة الصادرة ضده، ولكن هذا أيضاً غير مهم في أشباه الدول، بل مطلوب كي تمارس عليه سياسة الابتزاز! ولهذا لن نسأل تلك الأسئلة البلهاء، مثل كيف حصل على أكثر من أربعين ألف توكيل في ساعات معدودة؟ وكيف حصل على تزكية أكثر من 20 عضوا في البرلمان؟ ومتى أجرى الكشف الطبي وقد كان آخر موعد له قبل ترشحه بيوم؟ كل هذه شكليات سخيفة يجب أن لا يتوقف عندها المواطن في أشباه الدول! المهم فقط ظهور الكومبارس الجديد، محاطاً بقوات من الأمن لحمايته وهو يقدم أوراق ترشحه، لتكتمل أركان المسرحية الهزلية ولو على حساب مصر التي أصبحت محط سخرية العالم أجمع!

والمؤسف، أن كل هذه الأحداث تحدث في ذكرى ثورة يناير العظيمة، لتلتقي العزة مع العار! ولك أن تقارن بين نظرة وسائل الإعلام العالمية لمصر في كانون الثاني/ يناير 2011، وبين نظرتها لها في كانون الثاني/ يناير 2018، لتدرك مدى الانحدار والتردي الذي وصلت إليه مكانة مصر دولياً!

مرت الذكرى السابعة للثورة بلا أي فعاليات شعبية تحيي ذكراها العطرة، ولا أي كلام عنها في إعلام السلطة الذي اكتفى فقط بالاحتفال بعيد الشرطة التي أسقطتها ثورة يناير! وكيف تحتفي بها ورئيسها أكبر عدو لها،ويسميها "أحداث يناير"، وليس "ثورة"، وترك أبواقه الإعلامية لتهاجمها وتطلق عليها "الربيع العبري"، وأنها سبب كل الخراب التي تشهده مصر!

ولكن وسط حالة الإحباط التي ألمّت بالشباب المصري والسكون، أو قل الخنوع الذي أصيب به عامة المصريين؛ جراء بطش السلطة وجبروتها، ما أدخلهم لحظيرة الخوف مرة أخرى.. هل يمكن القول إن ثورة يناير قد انتهت إلى حيث لا رجعة؟ الدارس لتاريخ الثورات يقول عكس ذلك تماماً.. الثورات عبارة عن موجات متتالية ومتعاقبة من الثورات والثورات المضادة، يصل فيها الصراع بينها لأقصى حده، وتصل فيها الثورة المضادة للذروة في العنف والتنكيل بخصومها، لتبدأ بعدها مرحلة الانكسار والهبوط والانحسار أمام ثورة الجماهير الغاضبة. وقد تمتد لسنوات طويلة كما في الثورة الفرنسية التي استمرت 18 عاماً، ولكن ما قيمة هذه السنوات في عمر الشعوب؟! سنوات عابرة لا تذكر في حياة الشعوب التي تثور من أجل حريتها وكرامتها، ويقدم أبناؤها أرواحهم فداءً لهذا الهدف السامي.. والثورة المضادة في مصر الآن في قمة عنفوانها وفجورها، وهذا مؤشر قوى على قرب انكسارها أمام الموجة الثانية من ثورة يناير، والتي قد تبدو كامنة وغير ظاهرة للعيان، ولكنها في لحظة ما، وعلى حين غرة، سيشتعل فتيلها المخبأ في الصدور المؤججة بالغضب الآن، ويؤذن بانطلاق شرارة الثورة المرجاة. وهكذا دائماً ثورات الشعوب..، تحركات جماهيرية عفوية، وليست معدة سلفاً كتلك الثورات المصنعة داخل أجهزة الاستخبارات، كما يحدث في الثورات المضادة، والتي تكون أقرب إلى المسرحيات، مثل مسرحية 30 حزيران/ يونيو.