سياسة عربية

كيف يجابه المسلمون الإساءة لدينهم: بالتصدي لها أم بإهمالها؟

النصر قال إنه في حالات الإساءة غير المشتهرة يُعمل بالمقولة السائرة (أميتوا الباطل بعدم ذكره)- أرشيفية
النصر قال إنه في حالات الإساءة غير المشتهرة يُعمل بالمقولة السائرة (أميتوا الباطل بعدم ذكره)- أرشيفية
يُصدم المسلمون بين فترة وأخرى بأقوال وممارسات يقترفها بعضهم داخل العالم الإسلامي وخارجه، يُنظر إليها باعتبارها إساءات بالغة للدين الإسلامي، ما يثير حفيظة المسلمين، ويفجر براكين السخط والغضب في نفوسهم بحسب باحثين ومراقبين.
 
وبعد كل واقعة إساءة تعلو الأًصوات مطالبة بسن قوانين على المستوى الدولي والعربي والإسلامي، تُجرم تلك الممارسات بصرامة، لكن سرعان ما تعود المياه إلى مجاريها بعد انجلاء غبار تلك الوقائع، ثم يأتي بعدها من يمارس أعمالا مسيئة جديدة، لتثور ثائرة المسلمين من جديد.

أمام تكاثر تلك الحالات وتكررها، هل يمكن التعامل معها بإهمالها والتغافل عنها، لتموت في أرضها بعدم ذكرها وفقا للمقولة السائرة "أميتوا الباطل بعدم ذكره"؟. وهل التعامل مع المسيئين للدين الإسلامي، والمستهزئين بشرائعه وعقائده يأخذ نمطا واحدا أم ثمة مستويات في الحكم عليهم وتحديد الموقف الشرعي منهم؟.

حاجة المسلمين للمؤسسية والمنهجية

أرجع أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في الجامعة الأردنية، عبد الله الكيلاني عدم فاعلية ردود أفعال المسلمين على تلك الوقائع المسيئة للدين الإسلامي إلى سببين أساسيين، أولهما: غياب المؤسسية، والثاني: عدم وضوح المنهجية.
 
وأضاف الكيلاني: ما أعنيه بالمؤسسية في هذا المقام هو طريقة إدارة الموقف من تلك الإساءات عبر المؤسسات الرسمية والشعبية، أما المنهجية فتتمثل في تحديد كيفية الرد عليها. وكلا الأمرين ينتابهما الضعف في العالم الإسلامي، على حد قول الكيلاني.

وجوابا عن سؤال "عربي21": ما هو المنهج الإسلامي في التعامل مع حالات الإساءة للدين الإسلامي؟ قال الكيلاني: إذا شاع أمر تلك الإساءات وانتشر، فيجب على العلماء والدعاة الراسخين التصدي لها والرد عليها، ببيان وجوه بطلانها وتهافتها، أما إن كانت مغمورة، ولم يشتهر أمرها فالأفضل والأولى إماتتها بتجاهلها وعدم ذكرها. 

وحول طريقة التعامل مع وقائع الإساءة وحالتها، أوضح الكيلاني أن التعامل مع كل حالة يكون بحسبها، وهذا يقرره العلماء الراسخون الذين ذكرهم الله في الآية الكريمة بقوله (لعلمه الذين يستنبطونه منكم)، وليس الأمر متروكا لكل أحد من المسلمين.
 
وأشار الكيلاني إلى أن سخط المسلمين وغضبهم من تلك الإساءات أمر طبيعي، فشأن العقائد والمقدسات الدينية عند المسلمين عظيم وجليل، مضيفا: لكننا لا نرى اللجوء إلى العنف واستخدام القوة المادية في إنكار تلك المنكرات، مع تفهمنا لدوافع من يفعل ذلك دون موافقتنا وإقرارنا لفعله.

واستحضر الكيلاني قوله تعالى {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ..}[الأنعام:106]، للاستشهاد بها على ضرورة توخي الحكمة في التصدي لتلك الإساءات، والموازنة بين المصالح والمفاسد، لافتا إلى أن ثمة إساءات يمكن إماتتها بتجاهلها وعدم ذكرها، لأنها في الأصل مجهولة، فليس من الحكمة في شيء نشر كل ما يقال ويمارس خاصة في عصر المنابر الإعلامية المفتوحة، كمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، والمواقع الالكترونية التفاعلية.

من جانبه اتفق الداعية والباحث الشرعي الأردني، عصر النصر مع الكيلاني على أن الإساءات الظاهرة والمتفشية، يجب التصدي لها والرد عليها، أما إن كانت مغمورة ومجهولة فالأولى إهمالها وعدم الاكتراث بها.

وأضاف لـ"عربي21" "في حالات الإساءة غير المشتهرة، يُعمل بالمقولة السائرة (أميتوا الباطل بعدم ذكره)، مبينا أنها ليست قاعدة عامة، بل مخصوصة بتلك الحالات، وبناء على تقدير المصلحة، ودفع المفسدة".

بين الإساءة للدين وحرية الرأي والتفكير

ثمة جدل متواصل بين المتدينين والآخرين حول المعايير الحاكمة لاعتبار أقوال وممارسات معينة مسيئة للدين، وبين إدراجها في خانة حرية الرأي والتفكير، فمنظرو الاتجاهات العلمانية والحداثية وأتباعهم يبيحون لأنفسهم مناقشة عقائد الدين وشرائعه، ولو أفضى بهم الأمر إلى التحفظ عليها، أو عدم القبول بها، ولا يعتبرون ذلك إساءة للدين ورموزه المقدسة.

وفي هذا السياق رأى الداعية والناشط الأردني (إمام وخطيب مسجد)، مصطفى أبو رمان أن الإساءة للدين إن تم توصيفها كذلك من قبل علماء راسخين، أو مؤسسات علمية إسلامية، فإنه يجب إنكارها والتصدي لها، بصرف النظر عمن اقترفها وواقعها. 

وتحدث أبو رمان لـ"عربي21" بجرأة عن مشاركته في جنازة الكاتب الأردني المسيحي ناهض حتر، الذي قُتل مؤخرا على خلفية نشره لكاريكاتير تضمن إساءة للذات الإلهية المقدسة بحسب الكثيرين، واصفا مشاركته في الجنازة، وتقبيله لحتر بالأمر الطبيعي والجائز شرعا.

ودافع أبو رمان عن ناهض حتر بأن نشره للكاريكاتير ليس فيه إساءة للذات الإلهية، لأنه ينتقد تصورات المتشددين (تنظيم الدولة)، للرب والجنة والحور العين، ولا ينتقد الذات الإلهية، والعقائد الغيبية الأخرى التي يؤمن بها المؤمنون العاقلون الصادقون.

وأوضح الشيخ أبو رمان أنه بمعرفته الوثيقة بالكاتب حتر يستطيع تأكيد أن الأخير لم يسيء في يوم من الأيام إلى الدين الإسلامي، بل له مواقف مادحة للإسلام، ومشيدة برسول الإسلام، أما مشاركته في التعزية فهي جائزة شرعا، بحسب مذاهب فقهية معتبرة.

وكانت مشاركة الداعية أبو رمان في جنازة  الكاتب حتر، بعد نشره ما عدّه الكثيرون إساءة بالغة للذات الإلهية، قد أثارت ردود فعل ساخطة وغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعية، ومستهجنة في الوقت نفسه إقدام شيخ وداعية وإمام مسجد على ذلك الفعل المشين والمذموم على حد قولهم.

الرد على الآخرين بحوارهم لا بقتلهم 

كلما أثيرت قضية التصدي للمسيئين لعقائد الدين وشرائعه، تبرز على الفور مسألة اللجوء إلى العنف واستخدام القوة المادية في التعامل مع من يصنفون كمسيئين للدين، فكيف ينظر العلماء والدعاة إلى قتل المسيئين وتصفيتهم جسديا كعقوبة شرعية زاجرة لهم؟

أجاب أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله، عبد الله الكيلاني، بأنه لا يرى جواز لجوء الأفراد إلى قتل المسيئين وتصفيتهم جسديا، لأن مفسدة ذلك أكبر من مفسدة ما يقع من إساءتهم، والواجب اضطلاع المؤسسات الإسلامية الرسمية بواجبها في ملاحقتهم عبر القضاء المحلي والدولي.
 
من جانبه بيّن الباحث والناشط الإسلامي السعودي، باسم العطاس أن استقراء النصوص القرآنية، يُظهر وجود مساحة للنقاش والحوار مع كل من يريد النقاش على مختلف مستوياته بين النبي وقومه، كما في قصة سيدنا نوح عليه السلام مع قومه، أو بين النبي والخاصة كما في قصة سيدنا موسى مع فرعون.
 
وتابع العطاس: "وبناء عليه فلست أرى أن ثمة خيارا آخر يمكن سلوكه غير القبول بالنقاش والحوار، بل إن هذا النقاش يشمل حتى أولئك الذين يزدرون العقائد أو التشريعات الدينية، فإن كان الله تعالى قد أمر سيدنا موسى عليه السلام بمحاورة فرعون الذي قال (أنا ربكم الأعلى)، فغيره من باب أولى".

وطالب العطاس في حديثه لـ"عربي21" كل من يتصدى لمناقشة المخالفين، أو الرد على المسيئين، ضرورة استخدام الوسائل والأدوات اللازمة لذلك النقاش، إذ ليس من المناسب مثلا مناقشة الملحد بأدلة من القرآن الكريم في أغلب الأحيان، متسائلا: كيف يستشهد المناقش بآيات القرآن الكريم مع شخص لا يؤمن بوجود الله تعالى أصلا؟

يُذكر في هذا السياق أن الاتجاهات الإسلامية التي تُوصف عادة بالمتشددة، ترى جواز قتل المسيئين للدين، والمستهزئين بأحكامه، وهو ما يخالفهم فيه كثير من علماء الشريعة والدعاة الإسلاميين، مع دعوتهم إلى إنكار تلك الإساءات بالطرق السلمية المتاحة، وضرورة كف أيدي الأفراد عن ممارسة العنف، واللجوء إلى القوة في تغيير المنكر، والتي قد تفضي إلى قتل من يصنفونهم بالمستهزئين والمسيئين للدين.
التعليقات (0)