قضايا وآراء

حسن البنا والقضاء على الفردية في الجماعة

عصام تليمة
1300x600
1300x600
مرت جماعة الإخوان المسلمين بمحنة قاسية، كادت تفقد الصف ثقته في قيادته، لولا رشد مرشدها ومؤسسها حسن البنا آنذاك، فقد كتب وكيل الجماعة، ورفيق عمره، الأستاذ أحمد السكري، عدة مقالات، يتهم البنا فيها، بالانفراد والاستبداد في إدارة الجماعة، فأراد أن يكون الرد عمليا، لا كلاما على ورق، فكتب خطابا تاريخيا تحت عنوان "هكذا يفهم الإخوان دعوتهم.. نماذج من التربية الإخوانية.. صورة خطاب المرشد العام للمكتب عن توزيع الأعمال"، ونشره في مجلة الإخوان المسلمين في العدد (205) في يوم السبت الموافق 19 من شعبان سنة 1367هـ ـ 26 من يونيو سنة 1948م، ونصه كالآتي:

(حضرات الإخوان المحترمين، أعضاء مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين حفظهم الله.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فالآن وقد كتب الله للدعوة الفوز، والظفر، وظهرت آثارها في كل مكان، وبدا نجاجها في كل ميدان، وارتدت كل تلك الحملات الطائشة بالخيبة والخسران، لم يجن أصحابها إلا إثم الإيذاء، وعقوبة الافتراء، والحمد لله رب العالمين.. استخرت الله تعالى في أن توزع التبعات، وتسدد الاختصاصات على النحو التالي:

أولا: ما يتصل بالجريدة والمجلة وصحافة الإخوان وشركة الصحافة إلخ.. يرجع فيه ويسأل عنه الأستاذ صالح عشماوي وكيل المكتب، في حدود توجيهات وقرارات مجلس إدارة الشركة، والجهات المختصة، وأن يستعين بمن يشاء من الإخوان.

ثانيا: ما يتصل بأعمال المركز العام، لهيئة الإخوان المسلمين، وأقسامه ولجانه، وإدارته، وشؤون الإخوان الخاصة، يرجع فيه ويسأل عنه الأستاذ عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للإخوان المسلمين في حدود توجيهات وقرارات مكتب الإرشاد العام، ولحضرته أن ينتدب من يشاء من الإخوان لمساعدته في هذه الأعباء.

ثالثا: ما يتصل بالمركز الرئيسي لجماعات أقسام البر، والخدمة الاجتماعية وفروعه يرجع فيه ويسأل عنه الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي وكيل هذا المركز، في حدود توجيهات وقرارت مجلس إدارته.

رابعا: ما يتصل بالخدمة الطبية، وأقسامها، والمستوصفات والعيادات، وما يلحق بها يرجع فيه يسأل عنه الدكتور محمد سليمان، في حدود توجيهات وقرارات اللجنة الإدارية للقسم الطبي، ومجلس إدارة المركز الرئيسي للبر.

خامسا: ما يتصل بشركة الإخوان للطباعة ومطبعة دار النشر الإسلامية يرجع فيه ويسأل عنه الأستاذ عبده أحمد قاسم، في حدود توجيهات وقرارت مجلس إدارة الشركة، والمركز العام للإخوان المسلمين.

أما أنا فيكون من عملي أن أشرف على هذه النواحي كلها إشرافا عاما، بالاتصال بكم، وأن أفرغ بعد ذلك لتكوين اللجان الدراسية الفنية التي لم يعد بد منها لسد الحاجة الملحة، والتي أستشعرها أنا وأنتم والإخوان، ولتحضير المشروعات الرئيسية للدعوة معكم، ولعلي أجد بعد ذلك من الوقت، ما يمكنني من زيارة الإخوان في الداخل والخارج تلك الزيارة التي حرمتها منذ أمد طويل على شدة الشوق إليها وعظيم الأمل فيها.

وبهذه المناسبة أحب أن أتقدم إلى الإخوان الأعزاء الذين ألقيت على كواهلهم هذه التبعات، وإلى مساعديهم ومعاونيهم من الإخوان الفضلاء ببعض الوصايا والتوجيهات، تبصرة وذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.

فأول ما أوصيهم به إخلاص النية لله تبارك وتعالى في القول والعمل، ابتغاء مرضاته سبحانه في كل تصرف، فالكل منه وإليه، والأعمال صور قائمة، وروحها وجود سر الإخلاص فيها (وما أمروا إلا ليعبدوا الله ملخصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة). ثم التواضع للصغير والكبير، وعدم الاغترار بمركز، أو منصب، أو جاه، والتلطف مع جميع الإخوان، ومقابلتهم باللطف والبشاشة، ومعاملتهم بالحلم والشفقة، والشعور بالعجز والقصور، إلا بحول الله وقدرته. فالكل فقراء إلى فضله ورحمته، محتاجون إلى مساعدته وعونه، ولقد قال القوي الأمين: (رب لما إنزلت إلي من خير فقير)، وفي قارون الذي خرج على قومه في زينته وقال: (إنما أوتيته على علم عندي) عبرة ودرس لمن كان له قلب، وألقى السمع وهو شهيد. ثم الإحاطة للعمل، ومعرفة كل شخص، وفرصه، وميوله، ومداخله، ومخارجه، معرفة تامة، والإشراف على كل صغيرة وكبيرة فيه، مع الانصراف الكلي إليه، والاهتمام بإتقانه، ونسأل الله أن يقوينا، ويهدينا، سبلنا، مع عدم التعرض لعمل الآخرين وانتقادهم، فحسب الإنسان أن يصلح الله به ما بين يديه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، مع ملاحظة تدريب الإخوان المساعدي على حمل التبعة، والاستقلال في التصرف.

وأخيرا: الدأب والمثابرة، والصبر والتألم، وتحديد المواعيد ودقتها وضبطها، فإن النظام يوفر نصف الوقت، والصبر مفتاح الإجادة، والمثابرة سبيل الإنتاج (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) هذا مع استعداد كل أخ للتعاون مع الآخرين، وتقدير جهودهم، وتسهيل مهماتهم ما وجد إلى ذلك سبيلا.

وإني في خدمتكم جميعا على أساسين:

1- أن أبذل لكم خالص رأيي، على ألا تقيدكم هذه المشورة بشيء، فلكم الحرية، وعليكم التبعة والمسؤولية، ولن يغضبني أن تهملوا هذا الرأي، وألا تأخذوا به، ولكن عليكم أن تطيلوا التفكير والموازنة، وتحري ما هو الخير، والله يهديكم سواء السبيل.

2- وأن أنفذ لكم ما ترون أنه يعنيكم من الاطلاع بتبعاتكم، ويؤدي بكم إلى النجاح في مهمتكم على النحو الذي ترسمونه، بكل ما أفعله من جهد ووسع والله المستعان.

هذا وإني لأرجو أن يتيسر للإخوان جميعا الدوافع الصالحة التي دفعت إلى هذا التنظيم، والنتائج الطيبة المرتقبة من ورائه والتزامه، والرجوع إلى إخوانهم المسؤولين كل فيما يخصه، مشكورين وسأحدد وقتا للقاء الإخوان والجلوس معهم بالمركز العام يوميا ما دمت بالقاهرة من الساعة السادسة مساء إلى صلاة المغرب.

والله أسأل أن يلهمنا الرشد، وأن يهدينا لخير ما يحب ويرضى، إنه أكرم مسؤول، وأفضل مأمول، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفقير إلى الله تعالى
حسن البنا).

نلاحظ في هذا الخطاب التاريخي، أنه قنن العمل المؤسسي في الجماعة، وقضى على كل مظاهر الفردية، أو استبداد الفرد بالقرار، فنلاحظ في القرارت الخمسة، كل قرار باختيار مسؤول، ولكن عمله منوط بإطار جملة نرارها متكررة في كل قرار، وهي في حدود قرارات مجلس كذا، أي أن قراراته محوطة بعمل جماعي وشورى ملزمة لا يملك أن يلغيها بقرار مهما كان فيه النفع من وجهة نظره.

ولمنع أي مظهر من مظاهر تقديس المسؤول، بدأ حسن البنا بنفسه، فهو مؤسس الجماعة، ومرشدها، وإمامها، فقال عن رأيه، إنه مجرد رأي داخل الجماعة، ليس له حق أن يفرضه على أحد، بل لهم أن يهملوه، وأنه لن يغضب من ذلك، أو يتهم من أهمل رأيه بسوء الأدب، أو عدم تقديره، ومراعاة تاريخه. وهو ما نراه في نهاية الخطاب في الفقرتين: 1، 2.

الخطاب مملوء بمعان وقيم إيمانية وخلقية ودعوية وإدارية، أحوج ما تحتاجها الجماعة في هذه الآونة، فهلا سار الجميع على درب من سبق وأسس؟!!

(ملحوظة: مرفق صورة خطاب البنا كما نشره في مجلة الإخوان).

التعليقات (2)
إخواني
الأحد، 17-01-2016 02:28 م
من المعلوم : أن جماعة الإخوان المسلمين " أمرهم شورى بينهم " /س : إلى من توجه هذا الإتهام ؟ ؟؟؟؟؟؟
السيد
السبت، 16-01-2016 06:51 م
أحسنت، وندعو الله أن يهدي الإخوان قيادةً وأفرادًا سواء السبيل - مثلما دعا به البنا