كتاب عربي 21

وهن الجيوش العربية

عبد الستار قاسم
1300x600
1300x600
يظن من يستمع إلى وسائل الإعلام العربية الرسمية، أن الجيوش العربية مستنفرة باستمرار، وهي لا تكاد تحقق انتصارات حتى تنتقل إلى تحقيق انتصارات عظيمة أخرى.

ويظن المستمع أو المشاهد لأفلام الحركات العسكرية أن هذه الجيوش تمضي أوقاتها بالتدريب على مختلف أنواع الأسلحة وأحدثها، وهي دائما ساهرة على ابتكار التكتيكات العسكرية من أجل توجيه ضربات قاضية وسريعة لتجمعات العدو.

لقد أوهمنا حكام العرب قبل هزيمة حزيران/ 67 أن الجيوش العربية جاهزة للانقضاض على الكيان الصهيوني وتصفيته والقضاء على وجوده، وعاش العرب نتيجة للتضليل الإعلامي العربي أياما احتفالية على اعتبار أن إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة وأن فلسطين ستتحرر وسيعود اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم مكرمين. لم يطل أمد الوَهَم العربي، وفوجئت الأمة كلها من المحيط إلى الخليج بهزيمة نكراء مريرة لم يشهد تاريخ الحروب مثيلا لخزيها.

لا يختلف المشهد الآن، وفي هذه اللحظات التي تستعر فيها الحروب في عدد من البلدان العربية. فمن يستمع أو يشاهد الإعلام العربي الرسمي بخاصة السوري والعراقي والسعودي يقع في ذات الوهم الانتصاري الذي وقعت فيه الأمة قبل عشرات السنوات. الانتصارات الوهمية تتحقق، والاقتتال وسفك الدماء مستمران، ولا يلوح بالأفق أن استقرارا سيتحقق.

وإذا كان لكل هذه الانتصارات أن تُنجز فكيف يستمر القتال وربما بصورة أكثر ضراوة من ذي قبل؟ ويهبّ الآن الإعلام غير الرسمي وغير المستقل لنجدة هذا الطرف أو ذاك دون أن يعبأ بمخاطر التزوير والتزييف على الأمة العربية ككل. وبات العرب تحت وطأة أكاذيب الإعلامين الرسمي وغير الرسمي. ولا ننسى أن كتابا ومفكرين منافقين يخوضون المعركة، ومعهم رجال دين فاسقون يصدون عن سبيل الله.

الجيش العراقي

مرت سنوات منذ الاحتلال الأمريكي للعراق والجيش العراقي لا يستطيع تدبر أمره، ولا يستطيع فرض الاستقرار في البلد النفطي الكبير. لقد خيم الفساد على أرض الرافدين، ومنه اشتعل إعلام الطائفية والمذهبية القذرة التي صاغها حكام العرب بالتعاون مع الولايات المتحدة.

وبدل أن ينشغل العراقيون في بناء وطنهم حولوا أنظارهم إلى محركات الفتن والاقتتال الداخلي واستسلموا لمقولات العرقية واحتكار الجنة لطوائف مزقت العراقيين وتهدد وحدة الوطن. أما الجيش العراقي فبقي عالة على مصدري السلاح أو المحسنين العسكريين من أهل الشرق والغرب. لم تقم في العراق مؤسسة عسكرية ذات عقيدة وطنية واضحة، أو ذات عقيدة قتالية تصب في مصلحة الدفاع عن الأمة.

وبقي الجيش ضعيفا وعرضة للاستهداف من قبل مجموعات مقاتلة ممولة ومسلحة من خارج العراق، وتقاتل باسم الرب والرسالة الإسلامية. وعلى الرغم من إعلان الجيش العراقي باستمرار عن تحقيق إنجازات عسكرية تكتيكية واستراتيجية ضد هذه المجموعات إلا أنه من الواضح أن هذه المجموعات تزداد أعدادا وتسليحا وتمويلا.

وفي الآونة الأخيرة فر الجيش العراقي من أمام مقاتلي داعش الذين تمكنوا من السيطرة على ثلث العراق خلال يومين، ولم يكن فراره مختلفا عن فرار الجيوش العربية عام 1967 إلا بنقطة واحدة وهي أن جنود العراق فروا لينجو بأنفسهم فماتوا إعداما على أيدي داعش. فكيف تقوم قوات داعشية كببرة معززة بالعتاد الحربي الفتاك دون أن يعلم الجيش العراقي ما يجري تحت أقدامه؟ لقد فوجئ الجيش بالهجومن وواضح أن المخابرات العراقية أكثر خيبة وهزالا من الجيش نفسه. أين كانت القوى الاستخبارية العراقية، وما فائدة وجودها إذا كانت لا تعلم عن هذا الانتهاك الكبير لأرض العراق؟

الجيش السوري

إذا كان هناك عجز واضح في الجيوش العربية فإن الجيش السوري يعكس أوضح أنواع هذا العجز. والسؤال الأول المطروح: كيف لجماعات مسلحة أن تحفر أنفاقا عبر الزمن وتهرب أسلحة بكميات ضخمة إلى الوطن السوري دون علم المخابرات السورية والجيش السوري؟ تعكس سهولة عمل المجموعات المسلحة في سوريا ومنذ البدء هشاشة الأمن والجيش السوريين وسهولة اختراقهما. وإذا كانت المجموعات المسلحة قادرة على اختراق الدولة السورية أمنيا، فكيف بقدرة إسرائيل على عمل ذلك؟

الجيش السوري الذي من المفترض أنه جيش قومي مستعد للدفاع عن الأمة العربية لا يستطيع تحرير قرية صغيرة بسهولة، وعليه أن يستمر بالقصف لعدة أيام قبل أن يسيطر عليها ودون أن يرسخ أقدامه للمحافظة على مواقعه الجديدة. إنه يخسر ما يكسب في كثير من الحالات. وهناك مدن وقرى لم يستطع الجيش السوري السيطرة عليها خلال سنوات الاقتتال وهي ما زالت صامدة في وجهه مثل دوما وزملكا وداريا والرقة.

وقد أشارت المعارك الأخيرة في بصرى الشام وإدلب وجسر الشغور إلى وهن الجيش السوري وعدم قدرة القيادات السياسية والأمنية والعسكرية على توفير مستلزمات الإنجازات العسكرية. ما زالت المجموعات المسلحة قادرة حتى الآن على الدخول إلى سوريا وإدخال الأسلحة الثقيلة دون أن يكون الجيش قادرا على السيطرة على الحدود ودون أن تكون القوى الأمنية قادرة على الرصد وجمع المعلومات الكافية حول المتسللين والأسلحة المهربة.

والسبب واضح أن الناس العاديين ليسوا معنيين بدعم القوى الأمنية والعسكرية، وغالبا يساعدون المجموعات المسلحة في قتالها.

الجيش السعودي

اتضح أمام العالم الآن أن هناك أسطورة اسمها الجيش السعودي لأن هذا الجيش لا يستحق لقب جيش حتى الآن على الرغم من مليارات الدولارات التي تنفق من أجل تسليحه. سبق لهذا الجيش أن هزم أمام الحوثيين وهو الآن لا يجرؤ على القتال ظنا منه أن الحرب الجوية ستهزم اليمنيين. واضح أن الجيش السعودي ليس مؤهلا للقتال ولا يملك عقيدة قتالية البتة، ولا يريد أن يمون في ميدان القتال.

إنه جيش يحاول أن يقاتل بدماء الآخرين من مصريين وباكستانيين وأتراك. هو يبحث عن مرتزقة ليصنع تاريخا مزيفا في قتاله ضد اليمنيين، ويبدو أن الدول التي راهنت على مرتزقة منها لم تتجاوب تماما مع بريق أموال السعودية فاستمر بالقصف الجوي دون أن يحقق إنجازا، وأصبح شريكا لإسرائيل على المستوى العالمي في تدمير البنية التحتية للعرب.

ولم يعجز رجال دين فاسقون عن الاستمرار في ضخ الفتاوي المغرضة لجمع التأييد للحرب، ولم يتوقف كتاب منافقون كاذبون عن تزيين الأعمال الوحشية للقصف الجوي السعودي. أما وسائل إعلام السعودية ومن والاها من وسائل الإعلام العربية لم تتوقف عن رصد الانتصارات العظيمة التي يحققها السلاح الجوي السعودي.

ربما يعطي التكالب الدولي والعربي على العراق وسوريا بعض العذر للجيشين السوري والعراقي، لكن ما هو العذر الذي يمتلكه الجيش السعودي وهو مناصر من قبل دول كبرى على رأسها الولايات المتحدة؟

الإفراط في البيانات العسكرية

على نمط حروب العرب ضد إسرائيل لا يتورع القادة العرب من سياسيين وأمنيين وعسكريين عن إصدار البيانات العسكرية الرنانة حول الإنجازات على الأرض. إنهم يبالغون جدا في بياناتهم ويوهمون الناس بأن النصر قريب، بل هو في اليد. إذا نظرنا إلى بيانات الجيش العراقي عبر السنوات فإنه من المتوقع أنه تم قتل كل أفراد القاعدة وأفراد داعش. الجيش العراقي لا يملك وفق البيانات العسكرية رصاصا فقط وإنمل يملك أيضا حصادات أرواح ونفوس، وهو يُعمل القتل الكثيف بأفراد الجماعات المسلحة.

وبالتالي المفروض أنه لا يوجد قاعدة أو داعش في العراق، ويبقى السؤال: من هم الذين يقاتلون فعلا على الأرض؟ هل هم أشباح مريخية أتت من الفضاء، أم أن البيانات لم تكن ولو جزئيا إلا أكاذيب؟
الأمر لا يختلف بالنسبة للجيش السوري الذي يقتل أفراد المجموعات المسلحة بالجملة. لقد قضى الجيش السوري وفق بياناته على كل المسلحين وأصبحت سوريا تنعم بالهدوء والاستقرار. وهذا ما يكذبه الواقع، فتدمير سوريا ما زال مستمرا، والناس ما زالوا مشردين مشتتين في بقاع الأرض. 

ولا تختلف بيانات السعوديين عن بيانات الآخرين، ويبدو أن العسيري يملك ضوءا أخضر لتحقيق الإنجازات الميدانية التي يراها مناسبة.

الكذب يجلل بيانات الجيش السعودي، وشاشات التلفاز العالمية تنقل الصور الحقيقية للتدمير الممنهج الذي تقوم به السعودية ضد اليمن.

فشل أجهزة الأمن العربية

يبدو أن الأجهزة الأمنية العربية فاشلة أكثر من الجيوش لأنها غير قادرة على جمع المعلومات الدقيقة حول أعداء الأمة والأخطار التي تتهددها.وطلما كتب مثقفون عرب ومفكرون حول مهام هذه الأجهزة في ملاحقة المواطنين العرب وليس أعداء العرب. لقد أقيمت هذه الأجهزة من أجل الدفاع عن الأنظمة السياسية وليس عن الوطن العربي وثرواته ومقدراته. انشغلت أجهزة الأمن العربية في إرهاب المواطن العربي لكي يطمئن النظام السياسي إلى استمراره، وكانت النتيجة التفريط بأمن الأمة.

وهذا ما مكن إسرائيل ومن والاها من اختراق الصفوف العربية على المستويين الشعبي والرسمي، وجمع أكبر قدر من المعلومات التي أهلتها لتحقيق انتصارات سهلة على العرب. نحن العرب مخترقون أمنيا، وتستطيع إسرائيل أن تعبث بسهولة في الأمن العربي من خلال عملائها المؤثرين والمنتشرين على طول الجغرافيا العربية.

وبسبب جرائم أجهزة الأمن العربية وبالتحديد السورية والعراقية والسعودية ضد المواطن العربي قرر هذا المواطن ألا يكون دعامة للدولة لأنه بذلك يدعم الحكام المجرمين، وبات يفضل الوقوف مع العدو الخارجي ضد العدو الداخلي الذي يظلمه ويذله ويرهبه ويلاحقه بلقمة خبزه ويسلب منه كرامته وحقه في الحياة. الأنظمة العربية أجرمت بحق الشعوب والنتيجة الكراهية والبغضاء المدمرتين للنسيج الاجتماعي.  فلا يعتبن ظالم على الشعوب لأنه هو الفاسد المارق الذي أهل الأرضية الخصبة للاقتتال الداخلي وسفك الدماء، وفتح المجال أمام الأعداء الخارجيين للتدخل وصب الزيت على النار.

حروب المستبدين

كان يهرب الجندي العربي من ميدان المعركة لأنه كان يعي أنه سيموت من أجل ظالم جبار متآمر على مصالح الأمة، وهو يهرب الآن لأنه يعي أن الحرب حرب دفاع عن الاستبداد أو عن التخلف الديني. جنود العرب لا يموتون من أجل قضية عربية وإنما من أجل حثالات غارقة في السفاهة والأوحال، وسفك الدماء.

وإذا كانت الأنظمة على قدر كبير من عدم الحس بالمسؤولية فإن الذين يحاربون باسم الإسلام ليسوا أقل إجراما واستهتارا بمصير الأمة.
التعليقات (0)