كتاب عربي 21

نحن نطرق جدران الخزان يا غسان

نور الدين العلوي
1300x600
1300x600
اسمعنا جيدا من عليائك يا شهيد الرواية. نحن تحت الشمس نكتب روايتنا ونطرق الجدران بقوة ونغني مع توفيق" يا ماسورة البترول يا بنت الحرام انتظري لكننا لن نفجِّرَكِ. سنفجر قلب من يسرق منّا قوت عيالنا منذ قرن أو يزيد. يوشك الأمر أن يكون حلما. الشارع التونسي حي رغم 5 سنوات من القهر الإعلامي والتثبيط ورغم الخيبة من السياسيين ومن الثوريين الذين سقطت عنهم ورقة التوت، فوجدهم الشارع ينامون في صف الأعداء والحرب مستمرة. الشارع التونسي يعود إلى ذاته ويكتشف نفسه ويطرق جدران الخزان نحن هنا ولن تمروا.

الثروات الباطنية الموضوع الحرام في تونس..

الشعب التونسي يجهل ما لديه من ثروات طبيعية (محروقات ومواد منجمية وملح). لقد احتفظت الدولة بأسرار هذه الثروات وحرمت الناس من المعلومات طيلة 60 سنة. مساحة الحرية التي فرضتها الثورة  دفعت إلى السؤال الحارق: "كم نملك وأين يذهب ومن يشتري ويبيع؟". الناس في مناطقهم يرون الشركات  تحفر الأرض وتوسع الاستكشافات والدولة تقول إنه ليس لديها شيء من ذلك. الشك فتح طريق الاحتجاج وتوج الاحتجاج أخيرا بوقفات احتجاجية في المناطق. في غياب المعلومة الشفافة يجنح الخيال وراء ثروات وكنوز. ويتجه الاحتجاج إلى التوسع وتتخلله دعوات تصعيدية من قبل محاصرة مناطق الاستخراج وتعطيل التصدير. مما يسهل على دعاة السلام الاجتماعي اتهام الاحتجاجات بالثورجية وصولا إلى الخيانة الوطنية.

لكن السؤال الشرعي يظل شرعيا والدولة وحدها ملزمة بالإجابة: كم نملك؟ وأين يذهب؟ ومن يستفيد؟ وما لم تقدم الإجابة الصادقة في الوقت المناسب فإنها تعطي للاحتجاج الحاد كل الشرعية. 

دلالات السؤال والتحرك الميداني..

لماذا طرح الشارع التونسي سؤال الثروات الطبيعية الآن؟ 

اتهم النظام القائم الآن طرح السؤال منذ البداية بالشعبوية وبتشتيت الإجماع الوطني الهادف إلى الخروج من المرحلة الانتقالية المضطربة وبحث بسرعة عن مشجب شرير لتعليق الجريمة عليه، وكان الرئيس المرزوقي مناسبا لذلك. لكنه فوجئ بأن الغوغاء الغبية تسير وراء السؤال بجهلها وغبائها وحمقها الطبيعي.

ونعتقد أن طرح السؤال في هذا الوقت يشكل علامة وعي سياسي خارج عن التوقع الكلاسيكي لقراءة الشارع، ويدل على تحول عميق في الوعي الشبابي خاصة بما يجري حوله. 

لقد سارت حكومات ما بعد الثورة على منهاج النظام القديم في إدارة الشأن الاقتصادي ولم تغير منه شيئا وتحت تأثير النقابة المسيسة تمت ترضية الفئات الوسطى بزيادات في الأجور غير متناسبة مع نسق النمو المعطل، فتم استنزاف الميزانية لصالح فئات دون أخرى مما وسع قادة الفقر بسرعة. وأمام العجز المخيم على الميزانية والخوف من العجز عن دفع الأجور في إبانها سارعت الحكومات إلى الاقتراض السريع والمجحف، وأمام كل اقتراض تظهر النقابة مطالبة بالمزيد ومستنزفة بلا رحمة للموجود وتخضع الحكومة خوفا من انهيار المرحلة. مسار انحداري يفتح على كارثة توقف الدولة عن الدفع.

هنا ولد حراك البحث عن الثورة وكشف المعلومات على أمل الاعتماد على الذات عوض الاقتراض المهلك (إلى متى هذا المسار الإنحداري؟ إلى متى تستفيد طبقة الموظفين من أعطيات الدولة وتفقر البقية؟). تلقف الشباب الدعوة وطورها إلى الاحتجاج الميداني خاصة بعد أن تبين أن الشركات العاملة في تونس تملك ما تخاف عليه، إذ أظهرت في احتجاجات منطقة الفوار ميلا إلى التفاوض ورشوة السكان لإسكاتهم قبل خروج الاحتجاج عن السيطرة. لكن الأمر خرج الآن إلى السيطرة وتحول السؤال إلى شأن وطني كيف تتصرف الدولة في الثروات الطبيعية ثم صار المطلب فتح ملفات سوء التصرف في كل الملفات. الديوانة (الجمارك) والضرائب الواجبة والقروض الداخلية التي لم تسترجع. الصورة الآن هي نظام سياسي وحكومة تجرم شعبها وشعب يقوم في وجه حكومته يطالب بحقه ويرفض رهن مستقبله بقروض استعمارية. وقد قالها بوضوح جهوري يوم 30 مايو 2015. 

المعركة الاجتماعية تتجلى حاسمة..

لقد سقط رأس النظام السياسي منذ 2011. بهروب المخلوع وترك مكونات النظام الاجتماعي يتيمة، لكن تبين أن هذا النظام قادر على تجديد رأسه والاستمرار لأن بنيته الداخلية لم تسقط بسقوط الرأس السياسي وما جرى منذ ذلك التاريخ. هو أن النظام كان يجدد جسده بحيله التي التف بها على كل مطالب الثورة بما في ذلك تفتيت الصف الوطني والشعبي. مطالب كشف الثروة والمحاسبة التي عجزت الأحزاب على فرضها إلى جسد النظام القديم تعيد النقاش إلى بدايته وتفرض الأجندة التي تأخر فرضها أي محاسبة القاعدة المادية للنظام الساقط. إنها المعركة الاجتماعية لا السياسية مع النظام.

 لم يعد الأمر إذن حداثة أو أصالة.. كفرا أو إيمانا.. إسلاما أم ملائكية؛ بل فقراء ضد أغنياء.. محرومين ضد فاسدين. الطبقة الفقيرة ضد الطبقة البرجوازية أو طبقة السماسرة وهي التسمية الأقرب إلى طبيعة هذه الطبقة.

 ويعتبر ملف الطاقة المطروح الآن هو الملف الأشد خطورة لأنه يكشف عمق الارتباط بين السماسرة المحليين الذين يشكلون قاعدة النظام وبين القوى الدولية. وقد زادت ردات الفعل الصادرة عن هذه النظام في تأكيد شكوك الناس من أن هناك أمورا تدبر بليل البلد وأن ريبة كبيرة قائمة تجعل الشارع أكثر توترا وأشد تمسكا بمطالب الشفافية وربما يؤدي هروب السلطة القائمة إلى الأمام (بإدانة التحركات ورفض الكشف عن الملفات) إلى تمكين النزعة القصووية في الشارع من تملك زمام الفعل الاحتجاجي وساعتها سيفتح الأمر على مجهول .  

هل توجد منطقة وسطي ما بين الحق والنظام؟

الهروب أمام المشكل لا يحله بل يعفِّنه والسلطة بصدد تعفين وضعها من جديد على طريقة المخلوع وعلى طريقة كل حكم دكتاتوري يحتقر شعبه ويمتهن مطالبه. لقد سلط النظام آلته الإعلامية الفاسدة على المطلبية ليشوهها لكنه فشل منذ الأسبوع الأول ففضلا على أنه استعمل أسوأ أبواقه وأكثرها انحطاطا أخلاقيا وأقلها كفاءة فإنه استعاد مقولات النظام الفاسد من قبيل الصيد في الماء العكر وهي عبارة مثيرة للسخرية والاشمئزاز إذ كانت الوصف الوحيد الذي تطلقه أبواق المخلوع على كل صوت معارض.

المنطقة الوسطى هل فتح الملفات وكشف المعلومات حول حجم الثورة وسوقها وفتح الباب أمام المحاسبة القانونية وتجديد العقود المبرمة والعودة إلى الدستور في ما يتعلق بإدارة هذه الثروات. هذه بوابة الشفافية في ملف الطاقة ثم في غيرها من الملفات. ونعتقد أن النظام يربح ولا يخسر والدولة تستقر وتتقدم بهذه الحلول. 

في خلاف ذلك فإن الريبة تتسع والشارع يتوتر والنظام يعجز عن الترضية واستعمال العصا فشل تماما وانتهى. والأمر يتجه إلى الفوضى أو التمرد ولن يجدي تشتيت الانتباه بعمليات إرهابية مصطنعة أو التهديد بتسرب الدواعش من ليبيا أو غير ذلك من حيل نظام فاقد للحيلة لأنه قائم على فساد يتغذى منه ويغذيه. حل الدوسيه أو حل نفسك. خياران أحلاهما مر لمنظومة عاشت من احتقار شعبها وسرقة خيراته، وقد آن أوان حسابها فالشعب التونسي يستعيد المبادرة ويطرق جدران الخزان ويكتب رواية نجاته.
التعليقات (0)