كتاب عربي 21

تحرير القطاع الخاص أحد شروط بناء ديمقراطية اجتماعية في تونس

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600
 

ما من شك أن الفكر الديمقراطي الاجتماعي يستهدف "دولة الرفاهية" (Welfare State)، ولهذا يركز على توجه يمنح المبادرة حتى السيطرة أحيانا للدولة في قطاعات اجتماعية أساسية (الصحة
والتعليم مثلا)، واستخلاص ضريبي كبير لتغطية تلك النفقات.ذلك يعني أيضا دولة يمكن أن تؤدي دور المبادر الاقتصادي وتتحكم في قطاعات استراتيجية توجه الاقتصاد. غير أن ذلك لا يجب أن يكون التركيز الوحيد للمشروع الديمقراطي الاجتماعي، فلأن الديمقراطية الاجتماعية نشأت على قاعدة التمايز مع اليسار الراديكالي وخاصة الفكر الشيوعي (خاصة بعد الأممية الثانية) إثر الحرب العالمية الأولى، فهي معنية بإصلاح الرأسمالية تدريجيا وليس القطيعة معها، أي إنها تبقى مؤمنة بدور طبقة الملاك و"رجال الأعمال" الأساسي في خلق الثروة كجناح مكمل للدور الريادي للدولة. 

رغم ذلك، فالمنوال الديمقراطي الاجتماعي ليس كتلة جامدة. هو ظاهرة تاريخية تم تعديلها بناء على متغيرات الزمان والمكان، ولكن أيضا بناء على اجتهادات مختلفة أحيانا في الزمان والمكان ذاته. وعلى هذا الأساس ضرورة تنزيله بعيدا عن المرجعيات النظرية التعميمية، وفقا للخصوصيات الزمنية والمكانية مسألة أساسية. 

مثلا الاقتصاديات العربية (ومنها الاقتصاد التونسي) تطرح مفارقة أساسية، فرغم أننا إزاء اقتصاديات ترسخ التفاوت الاجتماعي طبقيا وجهويا، إلا أننا لسنا إزاء اقتصاد رأسمالي، فلا يمكن الحديث عن قطاع خاص حقيقي وتنافس حر في السوق، بل في أحسن الحالات مثلما يسميه البعض "رأسمالية المحاباة" أو "حكم اللصوص" (الكليبتوقراطية)؛ إذ إن الدولة الاستبدادية العربية رسخت عبر التاريخ معادلة أساسية: من يملك السلطة يملك الثورة أو يحدد في أقل الأحوال من يملكها. وهكذا كان القطاع الخاص في أشكاله المختلفة (إقطاعيا أو برجوازيا) ليس خاصا أو مستقلا عن الدولة، بقدر ما كان امتدادا لها، وبمعنى آخر لا يختص بالثروة إلا أصحاب السلطان ومن كان من بطانتهم. 
كان هناك عبر التاريخ الإسلامي لحظات وعي ذاتي بهذه النقطة. ابن خلدون برع في وصف نزعة مالك الدولة لملك الثروة. يقول في مقدمته: "فإن الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون، ومزاحمة بعضهم بعضا تنتهي إلى غاية وجودهم أو تقرب، وإذا رافقهم السلطان في ذلك وماله أعظم كثيرا منهم، فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته، ويدخل على النفوس من ذلك غم وتكد". وقبل ذلك يُنقل ايضا عن الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز: "لا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أموراً فيها عنت وإن حرص على ألا يفعل".

هناك مقالات ودراسات علمية أثبتت ذلك تحديدا في المثال التونسي خلال فترة حكم بن علي. دراسة "البنك الدولي" الصادرة في مارس 2014 "كل شيء داخل الأسرة، تحكم الدولة في تونس" تقدم تقريرا إحصائيا حول صناعة "القطاع الخاص" من مافيا الحكم. مثلا بحلول سنة 2010 صادرت العائلة 220 شركة لم تكن تشغل أكثر من 1%، في حين كانت تحوز على حوالي 20% من أرباح القطاع الخاص ككل.

الأهم من ذلك أننا بصدد حاشية تتجاوز أفراد العائلة ويحدث أن ترتبط بالعائلة في علاقات مصاهرة. مثلما يقول محررو التقرير: "استثمروا في قطاعات مربحة تتمتع بالحماية وخاصة عبر وضع شروط مسبقة للترخيص، واستخدام صلاحيات تنفيذية لتغيير التشريعات لصالح النظام، مما خلق نظاما ضخما من رأسمالية المحاباة."

تم تشكيل رأسمالية المحاباة عير منظومة قانونية محكمة. يشرح التقرير هذه المنظومة كما يلي: "ويظهر تحليل بيانات الشركات التي أصدر لها الرئيس المخلوع مراسيم خلال 17 عاما أن التشريعات كانت تخدم في الغالب في تشكيل مصالح المقربين وحمايتها من المنافسة. وتبين الأدلة أن 25 مرسوما صدرت خلال تلك الفترة، لتحديد اشتراطات الترخيص في 45 قطاعا مختلفا وقيودا على الاستثمار الأجنبي المباشر في 28 قطاعا. وأدى هذا إلى حصول شركات ذات ارتباط بالنظام السابق على أكثر من خُمس الأرباح التي جنتها جميع شركات القطاع الخاص". 

بهذا المعنى، مغادرة العائلة مسرح الحكم لا يعني أننا بصدد مغادرة المنظومة التي شكلتها وحاشيتها مسرح السلطة والنفوذ. المفارقة الكبيرة في السياق التونسي أن غياب العائلة المركز سمح للحاشية التي كانت تتحوز على هامش الامتيازات إلى مرحلة أعلى، حيث تحتكر عبر الملكية أو التشبيك أو القانون أهم المصادر "الخاصة" للاقتصاد القائم. والأهم أنها دخلت باقتدار لعبة السياسة من خلال تمويل عدد من الأحزاب المختارة التي تتوافق معها في مستوى الرؤى. فالديمقراطية الانتخابية لا تعني نهاية نفوذ "رأسمالية المحاباة" بالضرورة بقدر ما تعني احتمال مزيد ترسيخها، وهو ما يحدث منذ الثورة وأول انتخابات حرة ونزيهة في تونس، وهو وضع تعاني منه حتى دول عريقة في الرأسمالية حيث تشوهت ديمقراطياتها، وأصبحت مجرد أوليغارشيات مثلما هو الوضع في الولايات المتحدة كما بينته الدراسة الممتازة، لأستاذي اقتصاد من جامعة برنستون العريقة قبل حوالي السنة، تستوجب عودة لها في مقال خاص. 

تحرير قدرات القطاع الخاص من هيمنة منظومة احتكارات الحاشية هو الشرط الرئيسي للخروج من "رأسمالية المحاباة"، إلى رأسمالية أكثر صحية يمكن من خلالها لطبقة رجال الأعمال تأدية دور المبادرة المحررة للطاقات بإشراف من الدولة. لم يعد ذلك سرا بالنسبة للحالة التونسية. يتفق عدد من الاقتصاديين حتى ممن لا يؤمنون بالمنوال الديمقراطي الاجتماعي أن "القطاع الخاص" التونسي ليس "خاصا" بما فيه الكفاية بعد. 

هذا المشكل بديهي إلى درجة أنه يتفق حوله الكثيرون الآن في الأوساط الاقتصادية الدولية، ولو أنه يبقى أمرا مسكوتا عنه في تونس ذاتها، يتفق حوله المؤمنون سواء برأسمالية ليبرالية أو اجتماعية. ينطبق ذلك على محرري تقرير "البنك الدولي" بوب ريكرز، الباحث في إدارة البحوث بالبنك الدولي والمؤلف الرئيسي للدراسة وأنتونيو نوسيفورا، خبير اقتصادي أول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البنك الدولي. الأخير يقول: "مشكلة رأسمالية المحاباة ليست عن بن علي وحاشيته فحسب، بل إنها واحدة من التحديات الإنمائية الرئيسية التي تواجه تونس حاليا... فبعد ثلاث سنوات من الثورة مازال النظام الاقتصادي الذي كان قائما في عهد بن علي قائما دون تغير تقريبا. ومع الثورة تحرر التونسيون من الرئيس السابق بن علي وأسوأ ما في الفساد، لكن السياسات الاقتصادية مازالت لم تتغير ومعرضة لإساءة استغلالها. إن هذه البنية التحتية للسياسات التي ورثتها من عهد بن علي يديم الاقصاء الاجتماعي ويدعو للفساد." 

أيضا الاقتصادي في جامعة أكسفورد عديل مليك (Adeel Malik) الذي كتب كثيرا حول هذه النقطة فيما يخص الاقتصاديات العربية عموما والاقتصاد التونسي خاصة، ورغم أنه يدفع لتحرير الاقتصاد من الدولة كلية، وما يعنيه ذلك من خلفية نيوليبرالية، إلا أنه يعتمد في ذلك بالأساس على الواقع المشوه الذي جعل "القطاع الخاص" التونسي أساسا، وليس مطلقا طبعا، صنيعة دولة مافيوزية. وهو موقف عبد الوهاب الكبسي ذاته، الباحث في "المركز الدولي للمؤسسة الخاصة" التابع لغرفة التجارة الأمريكية. 

من شروط بناء منوال تنموي جديد في تونس يخرج بنا من "رأسمالية المحاباة" ويتجاوز "الديمقراطية الانتخابية" الأوليغارشية، ويوفر ديمقراطية اجتماعية تستفيد منها الطبقات والفئات الاجتماعية التي جعلت الثورة ممكنة (غالبية أهالي الجهات المحرومة وأحزمة المدن المهمشة، والمفقرون والمعطلون عن العمل، والطبقة الوسطى)، التي ستبقى متهيئة لثورة جديدة إذا لم تتحقق مطالبها هو تحرير القطاع الخاص، قبل الحديث عن تحرير القطاع العام، والسماح بظهور طبقة رجال ونساء أعمال أكثر تنوعا وتجددا.
التعليقات (0)