خطاب المنصوري بالفرنسية في قمة موسكو يثير جدلا بالمغرب

تكشف ردود الفعل على خطاب موسكو أن الجدل لم يعد محصورا في إتقان المسؤولين للغة العربية أو الفرنسية، بل اتسع ليشمل طبيعة الهوية اللغوية التي يقدمها المغرب في المحافل الدولية.. فيسبوك
تكشف ردود الفعل على خطاب موسكو أن الجدل لم يعد محصورا في إتقان المسؤولين للغة العربية أو الفرنسية، بل اتسع ليشمل طبيعة الهوية اللغوية التي يقدمها المغرب في المحافل الدولية.. فيسبوك
شارك الخبر
أثار إلقاء رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، كلمتها باللغة الفرنسية خلال مشاركتها في القمة الروسية الإفريقية الثالثة بالعاصمة موسكو، موجة من النقاش والانتقادات في المغرب، وسط تساؤلات بشأن مكانة اللغة العربية في الخطاب الرسمي للدولة، ومدى انسجام اختيارات المسؤولين في المحافل الدولية مع المقتضيات الدستورية التي تقر رسمية العربية والأمازيغية.

وتصاعد الجدل عقب إلقاء المنصوري، الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، خطابا باسم المملكة المغربية خلال الجلسة العامة للقمة، بصفتها ممثلة للعاهل المغربي الملك محمد السادس، حيث اختارت الفرنسية لغة للتواصل، في خطوة أعادت إلى الواجهة نقاشا قديما بشأن استمرار هيمنة الفرنسية على قطاعات من الإدارة والمؤسسات والنخبة السياسية المغربية.

ولم يقتصر النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى عدد من المنابر الإعلامية المغربية التي أفردت تغطيات للواقعة، وربطتها بمسألة الهوية اللغوية للمملكة، خصوصا أن المناسبة كانت مؤتمرا دوليا متعدد الأطراف، وليس لقاء ثنائيا مع دولة تعتمد الفرنسية لغة رسمية.

أنوزلا: قراءة نص مكتوب بالفرنسية لا تبرر صعوبة الارتجال بالعربية


وفي سياق التفاعلات، انتقد الصحافي والكاتب المغربي علي أنوزلا اختيار المنصوري اللغة الفرنسية لإلقاء خطاب المملكة، معتبرا أن قراءة نص مكتوب ومعد مسبقا بالفرنسية لا يمكن تبريرها بصعوبة الارتجال باللغة العربية.

ورأى أنوزلا في تدزينة نشرها على صفحته على "فيسبوك"، أن المسألة تتجاوز مجرد اختيار لغة للتواصل، لتطرح أسئلة بشأن الاختيارات السياسية والثقافية التي تقف وراء اعتماد الفرنسية في تمثيل المغرب خارجيا.

ويعيد هذا الموقف النقاش إلى مسؤولية المؤسسات الرسمية في تعزيز حضور اللغات الدستورية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمسؤول حكومي يتحدث باسم الدولة ويمثلها أمام وفود دولية.



خالد الصمدي يستحضر تجربة الهند: العربية لم تكن عائقا أمام التواصل


من جهته، استحضر خالد الصمدي، كاتب الدولة المغربي السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، تجربة مشاركته في القمة الهندية الإفريقية بولاية كوجارات في كانون الثاني/يناير 2019، لتقديم مثال عملي على إمكانية استخدام العربية في المؤتمرات الدولية دون أن يشكل ذلك عائقا أمام التواصل.

وبحسب ما أورده "هوية بريس"، أوضح الصمدي أن السفيرة الهندية في الرباط تواصلت مع ديوانه قبل سفره، للاستفسار عن اللغة التي سيستخدمها في كلمته الرسمية باسم المملكة المغربية، فكان جوابه أن اللغة الرسمية لبلاده هي العربية.

وأضاف، وفق الرواية التي نشرها الموقع، أن الجانب الهندي استجاب لهذا الاختيار بتعبئة شركات متخصصة في الترجمة من لبنان ومصر والأردن، لتوفير خدمات الترجمة إلى العربية خلال فعاليات القمة.

وأشار الصمدي إلى أن الترجمة لم تقتصر على الجلسات الرسمية، بل شملت المعارض واللقاءات الثنائية والوثائق والمواقع الإلكترونية والتغطيات الإعلامية، على امتداد الفعاليات التي استمرت أسبوعا.

وتكتسب هذه التجربة أهمية في سياق الجدل الحالي، لأنها تقدم نموذجا عمليا لاستخدام اللغة العربية في محفل دولي، مع الاستعانة بالترجمة لتجاوز اختلاف لغات المشاركين.

الصحافة المغربية تعيد فتح ملف اللغة الرسمية


وتناولت عدة وسائل إعلام مغربية القضية من زوايا مختلفة. فقد نشرت صحيفة "الصحيفة"، مساء الخميس، تقريرا بعنوان: «من التعثر بالعربية في البرلمان إلى اختيار الفرنسية في قمة موسكو.. المنصوري تعيد الجدل حول لغة الخطاب الرسمي ومكانة لغتي الدستور».

وربط التقرير بين اختيار الفرنسية في موسكو والانتقادات التي واجهتها المنصوري سابقا خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، حين تعثرت في قراءة بعض العبارات باللغة العربية، قبل أن ترد بأن المغاربة ينتظرون منها العمل والنتائج، وليس ضبط مخارج الحروف.

كما استحضر التقرير مشاركة رئيسي الحكومة السابقين، سعد الدين العثماني وعزيز أخنوش، في قمتي سوتشي عام 2019 وسان بطرسبرغ عام 2023، حيث ألقيا كلمتي المغرب باللغة العربية.

من جهتها، نشرت صحيفة "تيليغراف المغربية" تقريرا بعنوان: "اختيار المنصوري الحديث باللغة الفرنسية في القمة الروسية الإفريقية بموسكو يثير جدلا واسعا"، تناولت فيه الانتقادات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، وربطتها بمسألة حضور العربية والأمازيغية في التمثيل الرسمي للمملكة.

أما موقع "الوطن24"، فنشر مقالا بعنوان: "المغرب في قمة موسكو.. لماذا اختارت المنصوري اللغة الفرنسية لإلقاء خطاب المملكة بدل العربية؟"، ركز فيه على البعد الرمزي للغة الخطاب الرسمي، وطرح تساؤلات بشأن أسباب تفضيل الفرنسية في مناسبة كان بالإمكان فيها الاستعانة بالترجمة الفورية.

وفي اتجاه آخر، رصد موقع "Le360"" التفاعلات المرتبطة بالزيارة، ونشر تدوينة لحساب يحمل اسم Marguerite أشادت بالتواصل باللغة الفرنسية خلال الزيارة، معبرة عن ارتياحها لاستخدام هذه اللغة في موسكو. ويعكس ذلك أن التفاعل لم يكن في اتجاه واحد، وأن اختيار الفرنسية حظي أيضا بتعليقات مؤيدة.

ماذا يقول الدستور المغربي؟


ويستند جانب من الانتقادات إلى الفصل الخامس من الدستور المغربي، الذي ينص على أن العربية لغة رسمية للدولة، إلى جانب الأمازيغية، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة دون استثناء.

كما يلزم الفصل نفسه الدولة بالعمل على حماية اللغة العربية وتطويرها وتنمية استعمالها، مع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وفق القانون التنظيمي المنظم لذلك.

وفي المقابل، لا ينص الدستور على حظر استخدام اللغات الأجنبية في الخطابات الدبلوماسية، وهو ما يجعل النقاش المطروح سياسيا ورمزيا بالأساس، ويتعلق بكيفية تجسيد المؤسسات الرسمية لمكانة اللغات الدستورية في المناسبات الخارجية.

ويتمحور الخلاف حول ما إذا كان استخدام الفرنسية في خطاب رسمي باسم المغرب يعكس اعتبارات تواصلية أو بروتوكولية، أم أنه استمرار لتقليد مؤسساتي يمنح اللغة الفرنسية حضورا أكبر من اللغات الرسمية للمملكة.

المنصوري تتحدث عن أولويات المغرب في إفريقيا


وكانت المنصوري قد أكدت، خلال كلمتها في القمة، أن إفريقيا تحتل أولوية قصوى في السياسة الخارجية للمملكة، انسجاما مع الرؤية الملكية القائمة على تعزيز التعاون جنوب-جنوب وتطوير الشراكات الدولية.

ودعت إلى الانتقال بالشراكة الروسية الإفريقية من مرحلة التخطيط إلى تنفيذ مشاريع ملموسة تستجيب لأولويات القارة، خصوصا في مجالات الأمن الغذائي وأمن الطاقة والتصنيع ونقل التكنولوجيا.

كما أشارت إلى أن المبادلات التجارية بين روسيا والمغرب بلغت 630 مليون دولار عام 2025، وأن الصادرات المغربية إلى روسيا ارتفعت بنسبة 18 بالمئة، فضلا عن متابعة أكثر من سبعة آلاف طالب مغربي دراستهم في روسيا خلال الموسم الجامعي 2024-2025.

وتكشف ردود الفعل على خطاب موسكو أن الجدل لم يعد محصورا في إتقان المسؤولين للغة العربية أو الفرنسية، بل اتسع ليشمل طبيعة الهوية اللغوية التي يقدمها المغرب في المحافل الدولية، وحدود التوفيق بين الانفتاح على اللغات الأجنبية وتعزيز حضور اللغتين الرسميتين في الممارسة المؤسساتية.

وبينما تظل الفرنسية إحدى لغات التواصل الدولي، يرى منتقدو اختيارها أن الترجمة المتاحة في المؤتمرات متعددة الأطراف كانت تتيح للمنصوري إلقاء خطابها بالعربية، من دون أن يؤثر ذلك على وصول الرسالة المغربية إلى المشاركين.

التعليقات (0)