يخوض باراك
أوباما حملة انتخابية لدعم مرشحين يطمحون إلى مواصلة إرثه الإجرامي. ففي خطاباته
في ولايتي أوهايو وميشيغان، انتقد إدارة ترامب بسبب سياسات لا تختلف كثيراً عن تلك
التي انتهجها هو نفسه خلال فترة رئاسته. وهكذا، فإن استمرار الليبراليين
والتقدميين الأمريكيين في تقديم أوباما بوصفه منارة للأمل في مواجهة ممارسات ترامب
المدمرة؛ يكشف مجدداً حجم الإفلاس الأخلاقي والسياسي لليسار الليبرالي الأمريكي.
من
المفارقات حقاً أن نرى من يُسمَّون بـ"
التقدميين" يصطفون خلف مجرم الحرب
أوباما في هجومه على الرئيس ترامب. فالرئيس أوباما، الذي رحّل بلا رحمة ثلاثة
ملايين مهاجر -وهو عدد يفوق مجموع من رحّلهم جميع الرؤساء الأمريكيين، سواء قبله
أو بعده- يمتلك اليوم الجرأة لانتقاد ترامب (الذي رحّل أقل من مليون شخص) واصفاً
إياه بأنه رمز لـ"الفوضى والقسوة والفساد وانعدام الكفاءة". ولا يعني
ذلك أن ترامب ليس قاسيا، بل ما يعنيه هو أن أوباما يتسم بقسوة أكبر لا تعرف
الرحمة.
أوباما، وهو أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية، لم يكتف بدعم إسرائيل، بل ذهب أبعد من ذلك عندما وقف على منبر الأمم المتحدة، مطالباً الفلسطينيين، ومعهم الدول العربية والإسلامية، بالاعتراف بحق إسرائيل في أن تكون دولة يهودية عنصرية
يعتقد أوباما أنه
يمتلك السلطة الأخلاقية لإدانة حرب ترامب على إيران لأنها أودت بحياة أمريكيين،
متناسياً أنه كان يضع قائمة أسبوعية بأسماء أشخاص مستهدفين بالقتل خلال فترة
ولايته، ومتجاهلا غاراته على حفلات زفاف ومواقع مدنية أخرى في اليمن، أدت إلى مقتل
أطفال يمنيين وأمريكيين. لقد حصدت حروب أوباما في أفغانستان والعراق أرواح 2500
أمريكي، وآلافا لا تُحصى من الأفغان والعراقيين؛ ومع ذلك، لا يخجل من انتقاد ترامب
بسبب مقتل 21 جندياً أمريكياً في الحرب على إيران.
إن أوباما، الذي
لم يتورع عن إدانة الفلسطينيين لرفضهم الاعتراف بحق
إسرائيل في الوجود كدولة
"يهودية" عنصرية، ولم يتردد في إصدار رسائل عنصرية إلى العرب والمسلمين
في خطابه الشهير بجامعة القاهرة عام 2009، ينصّب نفسه اليوم واعظاً، واصفاً أداء
ترامب في منصبه بأنه لا يعدو كونه "حماقات وهراءً". لكن المفارقة الأكثر
إثارة للسخرية هي أن أوباما نفسه نال جائزة نوبل للسلام عام 2009 في وقت كان يشنّ
فيه حروباً على الباكستانيين والأفغان والعراقيين، ويدعم الإطاحة بالرئيس المنتخب
ديمقراطياً في هندوراس، ويساند أنظمة ديكتاتورية في العالمين العربي والإسلامي،
ويلوح بالخيار العسكري ضد إيران، فضلاً عن دعمه الحماسي للمشروع الاستيطاني
الإسرائيلي العنصري. وفي هذا السياق، لا يُعدّ اعتقاد ترامب بأنه يستحق جائزة نوبل
للسلام ضرباً من النفاق؛ بل إن النفاق يكمن في لجنة الجائزة نفسها لرفضها منحه
إياها.
الحقيقة أن
أوباما، وهو أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية، لم يكتف بدعم إسرائيل، بل ذهب أبعد
من ذلك عندما وقف على منبر الأمم المتحدة، مطالباً الفلسطينيين، ومعهم الدول
العربية والإسلامية، بالاعتراف بحق إسرائيل في أن تكون دولة يهودية عنصرية، مؤكداً
أن "وجود إسرائيل لا ينبغي أن يكون محل نقاش؛ فإسرائيل دولة ذات سيادة، وهي
الوطن التاريخي للشعب اليهودي". وفي إطار التزامه بدعم إسرائيل العنصرية (وهو
التزام فاق حتى التزام نائبه جو بايدن)، سعى أوباما -في خطابه الشهير بجامعة
القاهرة- إلى تلقين العالم العربي درساً في التاريخ اليهودي الأوروبي، مطالباً
إياهم بإدراك فظاعة "المحرقة" التي ارتكبها مسيحيون أوروبيون ضد يهود
أوروبا، متجاهلاً في الوقت ذاته "النكبة" المستمرة التي يرتكبها
المستوطنون اليهود القادمون من أوروبا ضد العرب.
وفي خطاب القاهرة
الموجه للعالم العربي بأسره، لم يُبدِ أوباما أي أسف على عشرات الآلاف من المدنيين
العرب -بينهم مصريون- الذين قُتلوا جراء الحروب والمجازر التي شنتها إسرائيل على
مدى ستة عقود؛ كما لم يُظهر أي تضامن مع ملايين العرب الذين تحولوا إلى لاجئين
(بمن فيهم مليون مصري خلال "حرب الاستنزاف") نتيجة للقصف الإسرائيلي
الوحشي.
وبلغة تفتقر إلى
أبسط بديهيات الأخلاق، اتهم أوباما الشعوب العربية بإنكار المحرقة لمجرد تشكيكهم
في المشروع الاستيطاني اليهودي الأوروبي في فلسطين، حيث قال: "قُتل ستة
ملايين يهودي، وهو عدد يفوق إجمالي عدد اليهود في إسرائيل اليوم. إن إنكار هذه
الحقيقة أمر لا أساس له، وينم عن جهل وكراهية. كما أن التهديد بتدمير إسرائيل -أو
ترديد الصور النمطية البغيضة عن اليهود- هو أمر خاطئ تماماً، ولا يؤدي إلا إلى
استحضار أكثر الذكريات إيلاماً في أذهان الإسرائيليين، مما يعيق تحقيق السلام الذي
تستحقه شعوب هذه المنطقة". ولم يفته تذكير جمهوره في القاهرة بأنَّ الرابطة
بين أمريكا وإسرائيل "لا يمكن كسرها".
لقد وضع أوباما
الفلسطينيين وغيرهم من العرب أمام معادلة لا تتيح لهم حق مساءلة البنى العنصرية
لإسرائيل أو الطعن في الأسس التي يقوم عليها نظامها الاستعماري الاستيطاني العنصري،
بل هدّد الشعوب العربية بأن أي محاولة للقضاء على الأسس العنصرية للدولة اليهودية
ستُعدّ بمثابة "محرقة". وبدلاً من مطالبة إسرائيل بوقف عنفها المفرط،
أصرّ أوباما -الذي تبنى فكراً صهيونياً متطرفاً- على أن "على الفلسطينيين
التخلي عن العنف؛ فالمقاومة عبر العنف والقتل أمر خاطئ ولا تؤدي إلى النجاح".
إصرار هؤلاء الليبراليين أنفسهم على مطالبتنا اليوم بدعم مرشحي الحزب الديمقراطي ذاته، إنما يكشف عن الطبيعة المتعنتة للأجندة السياسية الليبرالية في الولايات المتحدة؛ فلا جريمة، مهما بلغت فظاعتها، تبدو كافية لدفعهم إلى التخلي عن دعم رئيس ديمقراطي ارتكبها أو ساندها
أما "هديّة
الوداع" التي قدّمها أوباما لإسرائيل، فكانت حزمة مساعدات أمريكية بقيمة 38
مليار دولار على مدى السنوات العشر التالية (2016-2026) -وهي أكبر حزمة مساعدات
عسكرية أمريكية لإسرائيل حتى ذلك الوقت- مما ساعدها في ارتكاب الإبادة الجماعية
المستمرة في غزة منذ عام 2023.
ومع ذلك، فإن عبد
الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، المنحدر من أصول
مصرية -الذي يدّعي معارضة الإبادة الجماعية الإسرائيلية الجارية وما يسميه
"اشتراكية الشركات" في الولايات المتحدة- قد احتفى بحماس بأوباما
وبإرثه، متجاهلاً بأن هذا هو الرجل الذي سلّح وموّل الإبادة الجماعية الإسرائيلية،
ودعمها بخطابه الصهيوني، والذي نفّذ خلال فترة ولايته أوضح مثال على
"اشتراكية الشركات": وهي عملية إنقاذ النظام المصرفي الأمريكي الفاسد
بأموال دافعي الضرائب، والتي بلغت تكلفتها نصف تريليون دولار.
ليس هنالك جديد
في كل ذلك؛ فقد شهدنا هذا الأداء المخزي من قبل، حين روّج أوباما والليبراليون واليساريون
الأمريكيون لمجرمي حرب آخرين، مثل هيلاري كلينتون في عام 2016 وجو بايدن في عام
2020، مصورين إياهما كـ"أهون الشرين".
إن إصرار هؤلاء
الليبراليين أنفسهم على مطالبتنا اليوم بدعم مرشحي الحزب الديمقراطي ذاته، إنما
يكشف عن الطبيعة المتعنتة للأجندة السياسية الليبرالية في الولايات المتحدة؛ فلا
جريمة، مهما بلغت فظاعتها، تبدو كافية لدفعهم إلى التخلي عن دعم رئيس ديمقراطي
ارتكبها أو ساندها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.