تراجع تاريخي للجنيه أمام الدولار.. ماذا ينتظر أسعار السلع في مصر؟

الجنيه المصري يهبط إلى مستوى تاريخي أمام الدولار.. هل تبدأ موجة غلاء جديدة؟ - الأناضول
الجنيه المصري يهبط إلى مستوى تاريخي أمام الدولار.. هل تبدأ موجة غلاء جديدة؟ - الأناضول
شارك الخبر
واصل الجنيه المصري تراجعه أمام الدولار الأمريكي، مسجلا أدنى مستوى تاريخي له خلال تعاملات الأحد، وسط مخاوف من موجة تضخمية جديدة مع ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، بالتزامن مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومية وزيادة الطلب على النقد الأجنبي.

وفي مستهل تعاملات الاثنين، سجل متوسط سعر الدولار في البنوك العاملة بالسوق المصرية نحو 55.76 جنيها للشراء و55.86 جنيها للبيع، في ظل ضغوط متزايدة على سوق الصرف، وتراجع قدرة الاقتصاد على مواجهة تداعيات التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.

وتثير هذه التطورات مخاوف بشأن انعكاس تراجع العملة المحلية على أسعار السلع والخدمات، لا سيما في ظل اعتماد مصر على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجاتها، وارتفاع أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والشحن والإنتاج عالميا.

تخارج أجنبي من أدوات الدين

وتزامن تراجع الجنيه مع تسارع مبيعات المستثمرين العرب والأجانب في السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية، إذ سجل صافي مبيعاتهم 505 ملايين دولار الاثنين الماضي، و245 مليون دولار الثلاثاء الماضي، ثم 376.4 مليون دولار الأربعاء الماضي.

ويعكس هذا التحول تغيرا سريعا في اتجاه التدفقات الاستثمارية، بعدما سجل المستثمرون العرب والأجانب صافي مشتريات بنحو 328.5 مليون دولار في أحد الأسبوعين السابقين، ونحو 1.2 مليار دولار في الأسبوع الذي سبقه.

وتتسم سوق الدين المحلية بحساسية تجاه التغيرات الاقتصادية والمالية، في ظل ارتباط قرارات المستثمرين بعوامل تشمل معدلات التضخم وأسعار الفائدة ومستويات الدين العام، فضلا عن المخاطر الجيوسياسية وتوقعات سعر الصرف.

وفي المقابل، أظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع استثمارات الأجانب في أذون الخزانة بنحو 52.7 بالمئة خلال الربع الثاني من العام، بزيادة تقارب 19 مليار دولار مقارنة بنهاية آذار/مارس، لتتجاوز مستوياتها السابقة لموجة التخارج التي شهدتها السوق مع تصاعد المخاوف الإقليمية.

اظهار أخبار متعلقة



ضغوط التضخم وتكاليف الاستيراد

ولا يقتصر الضغط على الجنيه على تحركات المستثمرين، بل يرتبط أيضا باختلالات هيكلية في ميزان المدفوعات، واتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، بحسب أحمد عبد النبي، رئيس قطاع البحوث في شركة مباشر لتداول الأوراق المالية٬  وفق ما قال لشبكة الشرق بلومبرغ.

وأوضح عبد النبي أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة أدت إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار النفط، ما زاد تكلفة الواردات والطلب على النقد الأجنبي.

ووفقا لبيانات البنك المركزي المصري، بلغ عجز الميزان التجاري نحو 65 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، في ظل تجاوز فاتورة الاستيراد 100 مليار دولار.

كما ارتفع العجز في الميزان التجاري البترولي بنحو 31.5 بالمئة إلى 18.3 مليار دولار، مع زيادة واردات المنتجات البترولية إلى نحو 25 مليار دولار، بارتفاع نسبته 28 بالمئة على أساس سنوي.

وتزيد هذه المؤشرات من الضغوط على سوق الصرف، خصوصا مع ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة والسلع الأساسية، الأمر الذي قد ينعكس على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع في السوق المحلية.

الحكومة تتحرك لتعزيز المخزون الاستراتيجي

وفي مواجهة هذه التحديات، ترأس رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماعا للجنة المركزية لإدارة الأزمات، لبحث تداعيات التصعيد الجيوسياسي في المنطقة وانعكاساته على الأسواق العالمية، في ظل ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، المستشار محمد عادل الأحد، إن الاجتماع تناول تأثير التوترات الدولية على أسواق الطاقة وتكاليف النقل والشحن والإنتاج، وما تفرضه من ضغوط على الأسعار في العديد من دول العالم.

وأضاف أن مدبولي وجه بضرورة زيادة المخزون الآمن من السلع الغذائية والمنتجات البترولية، بما يضمن تلبية الاحتياجات المحلية في ضوء المستجدات الإقليمية.

واستعرض الاجتماع موقف المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية والأسمدة، مع التأكيد على أن مستويات المخزون من هذه المنتجات آمنة ومطمئنة، وفق المتحدث الرسمي.

وتأتي التحركات الحكومية رغم إعلان لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية تثبيت أسعار الوقود حتى نهاية عام 2026، في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية تقلبات حادة قد تزيد الضغوط على تكاليف الاستيراد والإنفاق العام.

هل ينعكس ارتفاع الدولار على الأسعار؟

وفي تقديره لتداعيات تحركات سعر الصرف على السوق المحلية، قال الخبير الاقتصادي محمد أنيس إن ارتفاع الدولار من مستوى 50 إلى 55 جنيها، بنسبة تقارب 10 بالمئة، قد يكون قابلا للاستيعاب في عمليات التمويل، ويمنح التجار مساحة للتعامل مع تغيرات سعر الصرف دون اللجوء بالضرورة إلى رفع الأسعار بصورة فورية.

وأضاف أنيس الأحد٬ خلال مداخلة هاتفية في قناة النهار٬ أنه لا يتوقع تأثيرا مباشرا على تسعير السلع في المرحلة الحالية ما دام الدولار دون مستوى 56 جنيها، محذرا من أن تجاوز هذا النطاق قد يغير التقديرات المتعلقة بانعكاسات سعر الصرف على الأسواق.


ويعتمد حجم التأثير المحتمل على الأسعار على مدى استمرار ارتفاع الدولار، ونسبة المكونات والسلع المستوردة في تكاليف الإنتاج، فضلا عن قدرة الشركات والتجار على امتصاص الزيادة في تكلفة الاستيراد.

وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار تراجع الجنيه إلى انتقال الضغوط من سوق الصرف إلى أسعار السلع الغذائية والمنتجات المعمرة والسيارات، لا سيما إذا تزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن.

اظهار أخبار متعلقة



اضطرابات الاقتصاد العالمي تزيد المخاوف

من جانبه، قال الإعلامي المصري القريب من النظام أحمد موسى إن استمرار حالة عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي، في ظل النزاعات الدولية وتقلبات أسعار الطاقة، ينعكس على الأسواق المصرية، بما في ذلك البورصة وسعر الدولار.

وأضاف موسى، خلال تقديم برنامجه «على مسؤوليتي»، أن حالة عدم اليقين بشأن التطورات المقبلة تفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار النفط والطاقة وتكاليف الكهرباء والغاز يفاقم الضغوط التضخمية في مناطق مختلفة من العالم.

وتواجه مصر بذلك ضغوطا متزامنة، تشمل تراجع العملة المحلية، وارتفاع فاتورة الاستيراد، واضطراب تدفقات الاستثمار الأجنبي، في وقت تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية وتزداد فيه تقلبات أسواق الطاقة.

وبينما تراهن الحكومة على تعزيز المخزون الاستراتيجي وضمان توافر السلع الأساسية، يبقى مسار الأسعار في السوق المحلية مرتبطا بمدى استمرار الضغوط الخارجية، واتجاهات سعر الدولار، وقدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي والحد من انعكاسات ارتفاع تكاليف الاستيراد على المستهلكين.

التعليقات (0)