دعا رئيس النظام
المصري عبد الفتاح
السيسي مجلس النواب إلى منحه تفويضا يسمح بالتدخل العسكري دفاعا عن السعودية في مواجهة هجمات
الحوثيين، في حال طلبت الرياض ذلك، مؤكدا أن القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تهديد لأمن المملكة، وأن أي تحرك عسكري مصري محتمل سيكون دفاعيا وليس هجوميا.
وأعلن مجلس الدفاع الوطني المصري موافقته على تقديم «كافة أشكال الدعم» للسعودية، فيما أرجأ مجلس النواب التصويت على طلب التفويض إلى الأسبوع المقبل، بعد عقد جلستين مغلقتين لمناقشته.
ويعيد هذا التطور إلى الواجهة تجربة التدخل العسكري المصري في
اليمن خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حين خاض الجيش المصري حربا طويلة دعما للجمهوريين، في مواجهة أنصار النظام الملكي المدعومين من السعودية، وهي الحرب التي استنزفت موارد القاهرة وخلّفت خسائر بشرية كبيرة.
لكن طبيعة التحرك الذي يطرحه السيسي اليوم تبدو مختلفة عن تجربة الستينيات، سواء من حيث الأهداف المعلنة أو طبيعة التهديدات القائمة. ولا تزال تفاصيل المهمة العسكرية المحتملة غير واضحة، بما في ذلك حجم المشاركة المصرية وما إذا كانت ستقتصر على الدعم الجوي والبحري والاستخباراتي واللوجستي، أم يمكن أن تشمل نشر قوات برية.
فكيف بدأت مشاركة الجيش المصري في حرب اليمن عام 1962؟ وما الدوافع التي قادت عبد الناصر إلى خوضها، وما أبرز تداعياتها على مصر والمنطقة؟
اظهار أخبار متعلقة
انقلاب 1962 ونهاية الحكم الملكي
بدأ حكم المملكة المتوكلية اليمنية عام 1918، عقب انسحاب القوات العثمانية من شمال اليمن، واستمر حتى عام 1962. وخلال تلك الفترة، شهدت البلاد محاولات عدة للإطاحة بحكم أسرة حميد الدين، أبرزها انقلاب عام 1948، الذي انتهى باغتيال الإمام يحيى حميد الدين، قبل أن يتمكن نجله أحمد من استعادة السيطرة على الحكم عقب حملة عسكرية مضادة.
وفي عام 1955، قاد المقدم أحمد يحيى الثلايا، الذي كان يشغل منصبا قياديا في الجيش بمدينة تعز، انقلابا عسكريا ضد الإمام أحمد، لكنه فشل بعد أيام قليلة، وانتهى بإعدام الثلايا.
وبعد سبع سنوات، تمكن تنظيم «الضباط الأحرار» اليمني، الذي استلهم تجربته من حركة الضباط الأحرار في مصر، من الإطاحة بحكم الإمام محمد البدر، نجل الإمام أحمد، في 26 سبتمبر/أيلول 1962.
وأعلن قادة الانقلاب قيام الجمهورية العربية اليمنية في شمال البلاد، وتولى عبد الله السلال، الذي كان يقود الحرس الخاص بالإمام، رئاسة الجمهورية بوصفه أول رئيس للنظام الجديد.
في المقابل، كان جنوب اليمن خاضعا للنفوذ البريطاني؛ إذ مثلت عدن مستعمرة بريطانية، فيما خضعت مناطق أخرى في الجنوب للحماية البريطانية. وكانت العلاقات بين القاهرة ولندن متوترة، خصوصا بعد تأميم قناة السويس عام 1956 والعدوان الثلاثي على مصر في العام نفسه.
عبد الناصر يتدخل عسكريا دعما للجمهوريين
بعد أيام من الانقلاب، أرسلت مصر قوات عسكرية إلى اليمن لمساندة الجمهوريين وتثبيت النظام الجديد، في مواجهة أنصار الإمام محمد البدر الذين سعوا إلى استعادة الحكم الملكي.
في المقابل، قدمت السعودية، بقيادة الملك سعود آنذاك، الدعم المالي والعسكري للملكيين، لتتحول المواجهة الداخلية إلى صراع إقليمي وضعت فيه القاهرة والرياض على طرفي نقيض.
وزادت مصر حجم قواتها المشاركة في الحرب تدريجيا بين عامي 1962 و1967. وتتفاوت التقديرات بشأن أعداد الجنود المصريين الذين خاضوا المعارك، لكن بعض المراجع تشير إلى أن عددهم بلغ نحو 70 ألف عسكري في إحدى مراحل الحرب.
ومن المفارقات التاريخية أن إيران، التي تدعم الحوثيين حاليا في مواجهة السعودية، كانت في عهد الشاه تقدم الدعم للملكيين اليمنيين المتحالفين مع الرياض ضد الجمهوريين المدعومين من مصر.
ولم يقتصر الدور المصري على دعم النظام الجمهوري في شمال اليمن، بل امتد إلى مساندة الثوار الذين خاضوا معركة إنهاء الاستعمار البريطاني في الجنوب، ضمن ما عرف بـ«ثورة 14 أكتوبر» التي اندلعت عام 1963.
وفي أبريل/نيسان 1964، زار عبد الناصر اليمن، وانتقل من صنعاء إلى تعز القريبة من الجنوب، حيث ألقى خطابا أمام حشود استقبلته، دعا فيه إلى إنهاء الوجود البريطاني في جنوب البلاد، معلنا دعمه لحركة التحرر الوطني.
اظهار أخبار متعلقة
النكسة تدفع مصر إلى الانسحاب
استمرت الحرب سنوات، وكلفت الجيش المصري خسائر بشرية ومادية كبيرة، في وقت كانت فيه القاهرة تواجه تحديات إقليمية وعسكرية متزايدة.
ومع هزيمة مصر أمام الاحتلال الإسرائيلي في حرب حزيران/يونيو 1967، المعروفة بالنكسة، بدأت القاهرة سحب قواتها من اليمن تدريجيا، إلى أن اكتمل الانسحاب بنهاية العام نفسه.
وشكل نجاح الجمهوريين في فك الحصار الذي فرضته القوات الملكية على صنعاء في شباط/فبراير 1968 نقطة تحول في مسار الحرب. وانتهى الصراع بتسوية سياسية عام 1970 كرست الحكم الجمهوري في شمال اليمن.
أما في جنوب البلاد، فقد أنهت بريطانيا وجودها الاستعماري في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، بعد سنوات من الصراع المسلح ضدها.
خسائر الجيش المصري
تفاوتت التقديرات بشأن الخسائر البشرية التي تكبدها الجيش المصري خلال تدخله في اليمن، غير أن الحرب تركت أثرا واضحا على القوات المصرية التي شاركت فيها لسنوات.
وفي تسجيل صوتي منسوب إلى اجتماع عقده عبد الناصر عام 1970، ونشرت نسخة منه على موقع يحمل اسم «الدفاع العربي»، استعرض وزير الحربية المصري آنذاك، الفريق أول محمد فوزي، خسائر الجيش خلال الحرب بين عامي 1962 و1967.
وذكر فوزي، وفقا للتسجيل، أن عدد القتلى بلغ 3170 ضابطا وجنديا، فيما وصل عدد المصابين إلى 10,686 من مختلف الرتب العسكرية.
ويرى بعض المؤرخين والمحللين أن استنزاف القوات المصرية في اليمن كان أحد العوامل التي أثرت في جاهزية الجيش قبل حرب حزيران/يونيو 1967، وأسهمت في الهزيمة أمام الاحتلال. لكن حجم تأثير الحرب اليمنية في نتيجة المواجهة لا يزال موضع نقاش بين الباحثين، ولا يمكن اختزال أسباب الهزيمة فيها وحدها.